الرئيسية / الأعداد / حضور ضمير المتكلم وإبدالاته في ديوان  (على النهج) لإسماعيل زويريق -محمد دخيسي أبو أسامة

حضور ضمير المتكلم وإبدالاته في ديوان  (على النهج) لإسماعيل زويريق -محمد دخيسي أبو أسامة

دراسات

حضور ضمير المتكلم وإبدالاته في ديوان  (على النهج) لإسماعيل زويريق

محمد دخيسي أبو أسامة*

 

 تقديم

 كيف يتحول الشعر من الموضوع إلى الذات؟

كيف يُصيِّر الشاعر ذاته جسرا لربط القضية بالتوهج الشخصي ورمزية الأنا؟

تُبنى القصيدة الشعرية على التوازي بين الكلمة/ اللفظ والمعنى/ الدلالة، ويؤثث هذا الفضاء تخصيصُ الشاعر حيزا للربط بين اللفظ والدلالة دون إعطاء الدور الأساس للمعيار اللغوي الدال على اعتباطية الدال والمدلول؛ ومن ثمة يغدو القصدُ ممكنا ومؤوَّلا في الوقت ذاته، وتتحقق الوظيفةُ التعبيرية والجمالية آنا واحدا.

(على النهج)[1] ديوان شعري للشاعر المغربي المخضرم؛ إسماعيل زويريق الشاعر المتألق مغربيا كمّاً ونوعاً، والمتميز شخصية وإبداعا.. (على النهج) كتابةٌ على كتابة، أو معارضات شعرية، تنجذب إليها الذاتُ الشاعرة لتُعبِّرَ عن آفاق واسعة، وترَبِّيَ لدى المتلقي ذائقة السمع والتشظي حينا، وحافظةَ الانصياع للذات طورا والتَّمَلِّي بخطاب الآخر طورا آخر.

لذلك تسعى هذه الورقة استخلاصَ سمات ضمير المتكلم في قصائد إسماعيل زويريق من خلال ديوانه (على النهج). ويعود سبب اختيار هذه التيمة بالدرجة الأولى إلى محاولة مدى استجابة (الأنا) لتحولات الذات صوب الآخر، واستدراك الإبدالات الممكنة للتوجه نحور الآخر.

1– التوجه نحو الآخر، أو الخطاب بصيغة المتكلم.

يتجاوز الشاعر في غالب الأحيان ذاته إلى الآخر، أو ما يمكن أن ننعته بالتوجه نحو الآخر، وقد لا نستغرب كثيرا حين نطالع ديوان (على النهج) من كون إسماعيل زويريق -فعلا- يسير على نهج سليم قوامه الرؤية الدينية للواقع، ومحاولةُ استلهام المؤشرات التاريخية والتركيز عليها لتكُون بناءَ قصائده. فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الخلفاء الراشدين كانا البوابةَ التي شرع دفَّتَيْها للقارئ، فكانت المرجعَ أولا باعتبارها أصل الكتابة ومرَدَّها، وكانت الوسيلة ثانيا إذ تغدو القصائد في هذا المجال جسرا عابرا للذات، وأخيرا القصدُ الشعري والوظيفي الذي يدفع الشاعر إلى كسب ثقة القارئ بتبنيه الأصول الدينية القويمة وتحيينها كلَّ آن.

لأجل الوقوف عند هذا المحور؛ نعود قليلا إلى تاريخنا الأدبي، مادام الشاعر ذاته ينهل من التاريخ الإسلامي. فنورد رأيا لابن رشيق القيرواني يؤكد فيه علاقةَ الذات بالفكر والموضوع، حيث يقول: “وإنما سمي الشاعرُ شاعرا، لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواء من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر عليه مجازا لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن وليس عندي مع التقصير.”[2] وعلامة هذا الفعل هو التفاعل القائم بين الذات والذات المنعكسة، أو بين الذات والوجود، أو بين الذات والذات العليا. وبذلك يخلق الشاعر كونه الخاص انطلاقا من الذات اتجاه العوالم الثالثة السالفة الذكر. وربما يعيش على إيقاع مستمر ومتواصل، يجرِّب فيه لونا معينا من تجربته الشعرية؛ وهذا ما نؤكد تحقيقه لدى إسماعيل زويريق سواء من حيث الأصلُ/ المرجع الديني، أم القصدُ/ الوظيفة التعبيرية والجمالية، أم من حيث أخذُ العبرةِ والقدوة. وبذلك يصير التاريخ جزءا من الحياة الشخصية للمبدع ليوجهَه إلى المتلقي. ولعل في ذلك رؤيةً مُسبَقَة لصلة الذات بالواقع، يقول صلاح عبد الصبور في هذا المقام: “إن علاقة الشاعر بالفكر لا تنبع من إدراكه لبعض القضايا الفكرية بل من اتخاذه موقفا سلوكيا وحياتيا من هذه القضايا.”[3] ويضيف قائلا: “كل فن جيد هو ذاتي وموضوعي في ذات الوقت.”[4]

لذلك لا يمكن الفصل في الشعر بين الذات والآخر، وإن استسلم الشاعر لموضوعٍ ينهل كليا من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عبر إسماعيل زويريق عن ذلك بقوله: “تيسر لي الخوض في هذا اليم بقلب واثق، وبأمل غالب، ومما أذكى ذلك العزم زيارتي للديار المقدسة لأداء الفريضة، تلك الزيارة التي أطلعتْني على كثير من خفايا السيرة. وأوقفتني على مدارج أحداثها، فرأيت ذلك عيانا، وكأني أعيش زمانها بكل وعيي. سجلت منها ما سجلت، واحتفظَتِ الذاكرةُ بما احتفَظَتْ به..”[5] ويضيف إلى كون هذه النصوص ذات علاقة بالواقع المعيش، لأنها تخترق الكائنَ إلى الممكن، وتتجاوز المقروء إلى التجلي والتشبع: “نحن في هذا العصر نعيش في حرب مع قوى الكفر، سلاحها الكلمة أو الصورة، ولا شيء أبلغ من هذين السلاحين وأقوى، فالكلمة يمكن أن تشل حركتك أكثر مما يمكن أن تفعله ضربة سيف.”[6]

ومِن ذكر الشاهد في هذا المقام، نشير إلى حدث الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بنشر رسوم كاريكاتورية مما استوجب الإحاطة بالأمر والمرافعة ضد المسيء في (الدالية في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية):

ألم يُهج الذي رسموا الفـؤادا     فما للصــمت يلزمك الحيادا[7]

وتظهر الذات في هذه القصيدة من خلال التعبير عن موقفه الشخصي من الحادثة، والإفصاح عن شعوره المخبوء:

كرهتُ من الخلائق من بدا يثــــلب الناس انتــقاصا واحتقادا

ومن يبدي الإهانة مسـتفزا                  شعور الناس أو يبدي احتدادا

رأيت الناس أسيادا كـراما                   إذا اتخذوا الحوار لهم عتـادا[8]

ومن خصوصية الإبداع لدى إسماعيل زويريق امتثالُه للموقف الديني، ووقوفه أيضا حاجزا مدافعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواقف، وهو ما يثبت دورَ ضمير المتكلم بالرغم من أن الموضوع متعلق بذات الآخر، وتعلق الشاعر به يجعله أيضا مثمِّنا لكل الأدوار التي تستوجبها الظروفُ والمواقف.

من ذلك مثلا ما يطالعنا حين يعبِّر الشاعر عن رَدَّةِ فعلٍ قاسية ضد شاعر إيراني شتم العرب وسب الذات الإلهية، يقول في مطلع تقديمي لقصيدة (لا تكن غبيا): “الشاعر الإيراني مصطفى بادَكوبه ألف قصيدة سماها (إله العرب)، يشتم فيها العرب ويسيء إلى الذات الإلهية واطلعت عليها يوم الثلاثاء 29 مارس 2011 وإلى هذا أقول..”[9]

وما يهمنا في هذا المقام، ما يرتبط بالذات الشاعرة وخصوصية الإبداع الذاتي الذي يتوجه فيه إسماعيل زويريق للمتلقي بالتركيز على ضمير (الأنا) الظاهر، إذ لا فرق بين الذات الشاعرة والفكرة المبسوطة، ولا عيب في تداول القضية بعين ذاتية ملؤها ضمير المتكلم المعبِّر عن أفْقِ تَوَقُّع غير منتظر. وفي هذا الحيز يقوم الشاعر باستعراض بعض مِنْ أُسسه الفكرية والإيديولوجية التي تحرك وجدانه وسلوكه:

إنني أعرف إيران التــي ذا          دت عن الدين وما جـاءت فريا

لستَ سنيا لبيبا، لست شيعـــــيّاً حصيـــفا لست زنديقا ذكيا

إنما أنت أديب فاشــل بل            لستَ إلا مصلـــحيّاً سامريا

..

ليس من يدعو إلى العنف أو الفـــــــرقةِ يا مشعلها إلا شقيا

ما أجلَّ العيش إن كنت مع النا               سِ على الحب تعيشون سويا[10]

إذ هي دعوة إلى التسامح الذي يدعو إليه الدين الإسلامي، وإلى الأخوة ونبذ كل الشقاق والتطرف والتشتت، وعدم قَبول أي فكر لا ينسجم وروحَ الدين الإسلامي الواحد. فالشاعر يقف مع أو ضد الفكرة، ويعبر عن رأيه بضمير المتكلم سواء مباشرة وبكل تقريرية أم ضمنيا بقراءة النص قراءة تأويلية أو انزياحية؛ “فالذات الشاعرة، وهي تواصل نشاطها الطبعي مع أو ضد الواقع، من جهة وأناها من جهة ثانية، تقدم تجربتها من زوايا نظر مختلفة قابلة للقراءة والتأويل.”[11]

فالملاحظ دائما أن سمة التوجه إلى الآخر، بتتبع بعض أخطائه في الغالب، يدفع الشاعر إسماعيل زويريق في نصوصه إلى تبني فكرة الدفاع، ولعل المقاضاة أمام الآخر تستوجب أيضا اختيارَ صيغة تبني فكر الاعتدال والوسطية التي تخلق الفارق بين الشاعر والآخر، وتجعله متميزا خُلقا وتربية وإبداعا أيضا. ومن جميل الصدف أن نعثرَ في قصائده التعبيرَ ذاته؛ متبنيا فكرة التعبير عن ذاته، ومدح إبداعه صونا لكل قول قد يجانب الحقيقة التي يعيشها ويوصلها للمتلقي شعرا ونثرا كذلك. فمما يركز عليه زويريق الكمَّ الشعري من حيث عددُ الأبيات التي طوتها سنون من الكتابة والنظم، فيتحدث عن سيرة الخلفاء الراشدين ويقدم لذلك بقوله: “قدمتُ هؤلاء في شعر منظوم، ما وقفت على سواه فيما قرأت. بهذا الكم من الأبيات. إذ يتعدى ما وقفت عليه فرادى أو جماعة إلا أبياتا دون الهنيدة.”[12]

ففي استهلال (ومضات من حياة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم) يقف في مقدمة (طللية) بديعة يَنْحَت فيها ذكريات الماضي الخاص به، وينبِّه إلى ضرورة الاقتداء بسيرة الخلفاء الراشدين، لأنها منبع الحياة الفاضلة، ومَعينُ الجمال الروحي والنفسي والنهل من مقاماتها أيضا رمز للإبداع الحقيقي البعيد عن الشطط والتعسف:

أنا في اللايقين أمضيتُ عمري              ورمتْ بي في النَّفْنَفِ الهــوجاءُ

أنجبتْني الأيامُ صنوَ الخــطايا                ليس لي عن دربِ الضلال جفاء

ويح نفسي إذا تملكت الـرو                  حَ الأعالي وشلَّتِ الأعــضاء

ليصل إلى قوله:

دعْكَ منِّي، تملَّ ما في رياض الحــــقِّ لأياً تظْهَرْ لكَ الأشياءُ

سترى النور ما اعتلاهُ سحابٌ               بذَله الأمنُ سيبه الآلاء[13]

بعد هذه الوقفة القصيرة عند ضمير المتكلم وهو يتجه نحو الآخر، سواء بتبني فكرة الدفاع عن الدين، أم عن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من خلال تعرضه لإساءات قولية أو تصويرية تشكيلية، أم بتصوير أفلام مسيئة إليه.. ثم بتتبع سيرة خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم. وما نقف عنده من ملاحظات يمكن أن نلخصها فيما يلي:

أولا: اعتبار شعرِ إسماعيل زويريق عامة في ديوان (على النهج) شعرَ فكرة قائمة على بسط رؤى دينية تاريخية لا شك في واقعيتها، غير أن الشاعر يبرز دور ذاته في تشكيل فعْل الإبداع بخلق الرابط الشعوري بين ذاته وذات الآخر سواء بالقبول أم الر فض.

ثانيا: اعتبار التوجه نحو الآخر صورة أخرى لتجلي ضمير المتكلم، ويخترق الشاعر قصيدته استهلالا أو بسطا لتأكيد هذه الصلة.

ثالثا: الانتقال بين الوضوح والتقريرية من جهة والانزياح الدافع إلى التأمل والتأويل تارة أخرى لإخراج دور ضمير المتكلم في شعر إسماعيل زويريق.

2- ضمير المتكلم، مفرد بصيغة الجمع.

نقصد من هذا المحور الثاني تفكيك قصائد المديح النبوي الحاضرة بقوة في ديوان (على النهج) لإسماعيل زويريق، وقد نلاحظ أنه لم يسلك طريق التكلف أو التصنع في تقديمه رؤاه، بل كان واضحا شفافا، تغيب ذاته حينا لتحضر حينا آخر، ولعل انتباه مصطفى الشليح إلى خصوصية شعر المغاربة في شعر المناسبة يقترب قليلا من موقفنا ونحن نقرأ شعر زويريق، يقول: “والراجح أن الشعراء المغاربة نسفوا المسافة بين القصيدة والمناسبة. فانتفى التصنع والتكلف وانصرف كل قول لا ينتفض مقومات فنية تولجه حرم الشعر.”[14]

بالعودة إلى ديوان (على النهج) نشير أولا إلى كونه أعطى ضمير المتكلم كثافة من حيث الحضور والتناول، لكنه في الوقت ذاته لم يقترب من ميثاق السيرة الذاتية بقدر ما تخلى عن ذكرياته لتحل محلها السير الخاصة برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم  أو سيرة الخلفاء الراشدين وهو المستوى الأول الذي استطاع أن يقدمه الشاعر إسماعيل زويريق في مجموعته الأولى في انتظار -طبعا- ملاحِقَها.

من بين صيغ اشتغاله على ضمير المتكلم:

2-1- ضمير المتكلم المفرد:

ولعل حضورَ ضمير المفرد هو في الحقيقة استمرارٌ لما بدأنا به المحور السابق، فالشاعر يوجه خطابا للمتلقي مرجِعُه الذاتُ الشاعرة ومنهَلُه التاريخُ الإسلامي؛ غير أنه يقف كثيرا عند بعض المعطيات الواقعية والأحداث التي مرت، وفي الوقت ذاته يخلق صلته بها بتبني موقف المادح أو المشيد ببطولة أو خصلة أو نبوة أو فعل خير مَيَّزَها.

ففي معارضته لقصيدة البردة يقول:

ذكرتُ قلبي، ما الـذكرى بنـافعة             إن التذكر لا يشـفي من الغمم

مالي أشاطرك البلوى وما احتمـلت     نفسي من الدهر ما تلقاه من ظلم

قد هالني، صوتك المكدودُ أيقظ بي         نارا إلى وصفها لا ينتـهي قلمي

وافى يذكرني أمــــسا تنكَّر لي           فيه الحبيـب بلا ذنب ولا جرم[15]

فالتذكر سمة لفعل المرجع العقلي الذي يسترجع من خلاله الشاعرُ معطياتٍ سبق وأن تدُوولت، فيختار منها المؤنس والمحفِّز. لكن تذكُّرَه هنا لا يشفيه من غم أو من ظلم، ومن ثمة يكون القلم مرادفا لعين العقل التي تُسَوِّد القرطاس بألوان شتى من التعابير المقيدة بالوزن والقافية، تحاكي صورا قديمة لكنها تؤثثها بفيض الأقاويل ذات النبرة الحزينة دليلا على ارتباط عاطفي بين الشاعر والتاريخ الذي ينهل منه.

وهنا نقف دائما عند ضمير المتكلم بصوت المعبِّر عن حالة شخصية في إطار تقديم لصور تاريخية وسيرية لرموز دينية سالفة، والفرق بين هذا المنحى وما وصلنا إليه في خاصية التوجه نحو الآخر، هو كون هذه الخصوصية تتشكل بناء على تقديم ضمير المتكلم دون اللجوء إلى موجَّه معين كما في توجيه اللوم والعتاب لمن أساء للرسول صلى الله عليه وسلم، أو توجيه كتاب سجلُّه تكثيف دلالي بناؤه شعر أخطأ المسيرَ وخاض في أمور لامنطقية؛ فكان رد الشاعر زويريق دفاعا وامتعاضا وتحفيزا للأقلام الجادة.

في هذا المحور لا يكترث الشاعر بالموجَّه بقدر ما يبرز دور المعني بالأمر: الممدوح، وامتلاك ناصية التعبير الشخصي الذاتي بتوثيق الصلة بضمير المتكلم المفرد/ الأنا.

يقول في استهلال قصيدة مدح خير البرية (كل مديح فيه مختصر):

رأيتُ كلَّ مديـح فيه مخـتصرا               فما تُعَدُّ ســجاياهُ وتختَصَرُ

فكيف أستنشَد الأشعارَ موجزة    فيمن بأخلاقه قد نوهَّتْ سورُ[16]

نقف قليلا عند هذين البيتين لنسجل ما يلي:

أولا- استهلالهما بفعل مسند إلى ضمير المتكلم / أنا

ثانيا- الاستنجاد بالمديح باعتباره صلة الربط العاطفي بين المخاطِب والمرسل إليه.

ثالثا- اعتراف الشاعر أن مدحه للرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقارَن بما وُصف به في كثير من آيات القرآن الكريم.

رابعا- حضور ضمير المتكلم في هذين البيتين دليل قوي على أن المديح النبوي الذي استعصم به الشاعر إسماعيل زويريق في هذا الديوان هو جزء من تجربة شعرية مرجعها الأصل الديني وقصدها تقريب المتلقي من سيرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.

لذلك فقد كثف الشاعر من دلالات المديح، على مستوى عتبةِ العنوان حيث حاول استبدال المديح بمرادفات قريبة كقوله مثلا:

– نبويات.

– نفسي بحب رسول الله.

– نفحات من سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم.

– السينية في مدح خير البرية…

وغير ذلك من العناوين التي تؤطر هذه التجربة الشعرية وتقوي العزيمة على ربط دلالات القصائد بمدح ارتضاه الشاعر مسلكا جديدا في الشعر المغربي المعاصر، يتفرد به وينفرد في معالجته. فيكون بذلك مديحُه بديلا عن كل الملذات ومتع الحياة، سواء ما سبق منها أم ما سيأتي:

جفت العين لا الدموع تـواتي           لا ولا في العروق تجري دماء

ليس  لي إلا الله يغفـر ذنـبي                 يوم لا ينفــع الورى آراء

فأنا ما ابتغيـت غير الحنيفيــــــية دينا ولا استبـاني ادعـاء

والذي بين خافــقيَّ فـؤاد             ليس تغريه في الورى حسناء

ليس تغريه كأس خمـر ولا ما               يتسلى بفـــعله الشعراء

إنما في حب الرســول مناه              في لقاه مما يعــاني الشفاء

من يجد في الرسول خير ملاذ            ما له غير ما يريد جــزاء[17]

2-2- ضمير المتكلم الجمع:

حين نصل إلى ضمير المتكلم الجمع لا نعثر كثيرا على ما يفيد القصد، لذلك تؤكد ما سبق ذكره من حيث ارتباطُ الشاعر/ المفرد بتجربة شعرية ملؤها العطاء ومرجعها التدفق الديني الصرف. فإن كان الضمير المشتغل عليه ينحصر في المخاطَب/ أنت؛ إلا أنه يركز على تحوير ذاتي يقف فيه زويريق من شخصيته موقف المتفق تماما مع كل ما جاء به الدين الحنيف. ومن ثمة تكون تجربته عطاء جديدا يؤرخ لمرحلة منفردة في الشعر المغربي المعاصر، بالرغم من وقوف بعض شعراء المراحل الأولى على الصورة التوثيقية.

بخصوص وظائف النص المستقاة من التحليل السابق، يمكن أن نمثل ببعض النماذج الشعرية القليلة التي يحضر فيها ضمير المتكلم الجمع. ولعل السمةَ منبعُها الرؤية الجماعية التي يحث عليها الدين الإسلامي، وتقويها الروحُ الجمعية التي يؤمن بها الشاعر، من ذلك مثلا نذكر حديثَ الشاعر عن الإنسان عامة من خلال وصف الحالة أصبح يعيشها:

قد طغى الإنسان في الأرض كثيرا وتكبر

وأتى بالمنكر المُـــقرف جهرا وتغير

وعلى كل ضعيــف قد تعالى وتكبر

أيها الطين لماذا أنت قاس أنـت معتر

راحل أنت وإن طال التـمني فتبصر[18]

أو قوله في مقطع آخر:

ليس في القـــوم كالخيانة داء       إذا عمَّ فالوباء عيــاء

إنني أبصر الخيانة قد عمـــــــت ومالت لسرّها الأهواء

ما الذي يبقى إن يخُن صاحـــب الأمر ولم يرعَ العهد منه وفاء

إن تضع في الناس الأمانة ضاعوا        واستبدت بأمرهم أزراء[19]

إذ نلاحظ أن الشاعر أضحى فردا وسط المجموع، يصف ما وصل إليه المجتمع من فساد، وفي الوقت ذاته يعَيِّن نفسه مراقبا ومرادفا لمصلح ينشر الدفء بين الناس، ويحثهم على التقوى وابتعاد البلوى ما ظهر منها وما بطن.

لذلك يغيب في هذا المتن الشعري ضمير المتكلم الجمع/ نحن، إلا ما نجده مبثوثا في قليل من الأبيات الشعرية، وهي في الأصل أيضا منزاحة عن ضمير المتكلم المفرد، كأن يقول الشاعر مثلا في قصيدة (مشعل الحق ليس يخبو):

والله لن يشـقى الذي                ملأ الفؤاد بما بـنى

مولانا جئتك راغـبا                  ما جئت إلا محسنا[20]

فالملاحظ أن استغلال (نون الجماعة) لم يكن في الأصل إلى معادلا موضوعيا لضمير (أنا)، فأتى به الشاعر لتمكين البيت الشعري عروضيا، والتدليل أيضا على أن الأمر يخص المسلمين عامة.

يوظف إذاً الشاعر إسماعيل زويريق ضمير المتكلم بطريقة تستجيب لرؤية ذاتية، وموقف متميز يقربنا من صور شعرية كلاسيكية، تملأ الأصول الشعرية القديمة منحى وشكلا ودلالة. كما أنه يستجيب لنداء خفي روحي يغطي حياته كلها. فلا تغيب هذه الرؤية وإن سعى في مستوى ثانٍ أن يرثي حبيبا قريبا إلى قلبه.

وقد ينسج الشاعر خيط شعره بناء على عقد الصلة دائما بالروح الدينية وبالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولا يتوانى عن بذل العطاء واستلهام دلالة الفقْد تعبيرا عن حب صادق، وعن إيمان دافق، وعن استجابة لقدَر وكتاب رافق الشاعر في حياته، فكان ابنُه عدنان أحدَ قرابينه لله تعالى؛ ويحفر قبره بيد، يقول في قصيدة (حفرت قبري) من ديوانه “سراج الأرق”:

بقربــك يا بنيَّ حفرتُ قبري                    لغير الله ما فــوضتُ أمري

فلم يك لامرئ أي اختــيار                    يمشينا القضاء، فكيف ندري؟

فنحنُ على بساط الأرض نمشي             وغايتــنا نهايتــها بقبر[21]

فتكون النهاية حتمية والقدر مكتوبا، والقبر مآل كل إنسان سواء بضميره المتكلم المفرد أم الجمع، ويصير الشاعر جِسْرَ عبورِ دلالاتٍ يمكن أن يتلقاها أيُّ قارئ فيستجيب لرؤيتها ويحَوِّل النظر عن ما قد يجنبه الصواب.

 خاتمة:

في عرضنا هذا، حاولنا أن نقرأ ديوان (على النهج) لإسماعيل زويريق انطلاقا من رؤية دلالية أولا، بناء على إعطاء الاعتبار للمعنى الأول والمعنى الثاني، أو المعنى ومعنى المعنى كما جاء في الدراسات الدلالية.وقد تبَنَّتْ هذه الدراسة تحليل الصيغة أو القول الشعري اعتمادا على القراءة اللغوية الصرفية؛ فكان لضمير المتكلم المفرد/ أنا الحيزُ الأوفر، ولضمير المتكلم الجمع/ نحن القسطُ الأقل اهتماما باعتبار الشاعر متغاضيا عنه وتحويل الخطاب إلى ذاته وشخصه مفردا.

ويحِقُّ لنا بعد هذا، أن نسِمَ الشاعرَ إسماعيل زويريق شاعرَ المديح النبوي بامتياز بغَضِّ النظر عن معارضته لقصائد أشهر الشعراء العرب، ولن نكون مغالين إذا نحن جعلناه أكثرَ الشعراء المغاربة غزارةً شعريا كمّاً، وقراءتُنا الآنية جعلتنا نقف عند بعض الجوانب التي تميز شعره، على أساس إمكانية الاختيار من قبل باحثين آخرين في مجالات أخرى وانطلاقا من مرجعيات مختلفة.

ونخلص أخيرا إلى كون الشاعر متَحَ من مَعين خِصب، فكان شعره وارفَ الظلال، تعلوه كسوة البلَلِ الرطب، وتكَلِّلُه بثوب المديح بأبدع الأقوال، فساهم بقسط وافر في ترويج فكر التدين الوسطي والاعتدال: “إن الشاعر ابن زمانه، وإذا كان كذلك فلا غرو أن يظهر ما يتشكل منه زمانه من أحداث في شعره وفي ما يكتب، إن شعره ليس مرآة تنعكس على صفحتنا الصقيلة تلك الأحداث، إنه يصور لنا بيراع البصيرة ما يطال عقيدته تصويرا بارعا، وما تراه عين الحقيقة في وضح النهار.”[22] وهذا ما حاول الشاعر إسماعيل زويريق الوصول إليه وبلوغه من خلال (على النهج)، فسار على النهج، ونهج السبيل القويم ليتلقى القارئ صورا من الواقع فتمده بسيل من الأحاسيس التي تدفعه إلى اختراق المستقبل بنوع من الأمل المشروع.

العيون سيدي ملوك 23 صفر 1437هـ الموافق ل 5 دجنبر 2015.

ناقد من المغرب

 المراجع:   

[1]– إسماعيل زويريق، على النهج، Œ، (المتن)، بأجزائه الخمسة، قصائد في المديح النبوي والخلفاء الراشدين، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، ط. 1، 2015.

[2]– ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تح. محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، 1/ 116.

[3]– صلاح عبد الصبور، حياتي في الشعر، دار اقرأ، بيروت، 1983، ص. 48.

[4]– صلاح عبد الصبور، م. س، ص. 49.

[5]– إسماعيل زويريق، على النهج، ص. 191.

[6]– على النهج، ص. 293.

[7]– المرجع نفسه، ص. 115.

[8]– نفسه، ص. 115- 116.

[9]– نفسه، ص. 248.

[10]– على النهج، ص. 249.

[11]– د. أحمد زنيبر، الذات باعتبارها مصدر إبداع، ندوة: الشعر العربي المعاصر في المغرب؛ مفاهيم وقضايا، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، وجدة المغرب، مكتبة الطالب، ط. 1، 2012، ص. 207.

[12]– على النهج، ص. 124.

[13]– على النهج، ص. 133- 134.

[14]– د. مصطفى الشليح، في بلاغة القصيدة المغربية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط. 1، 1999، ص. 340.

[15]– على النهج، ص. 23.

[16]– على النهج، ص. 109.

[17]– على النهج، ص. 418. (آخر مقطع في الديوان)

[18]– المرجع نفسه، ص. 270.

[19]– على النهج، ص. 237.

[20]– على النهج، ص. 201.

[21]– إسماعيل زويريق، سراج الأرق “سيرة حلم عابر”، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، ط. 1، ص. 63.

[22]– على النهج، ص. 294.

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً