الشاعر إسماعيل زويريق في ديوانه على النهج من التأنق في التأليف إلى التألق في التصنيف

المختار النواري*
توطئة:
نحن مدعوون اليوم إلى ضيافة الشاعر المراكشي منشأ، الروداني محتدا، الحاج إسماعيل زويريق، هذا الرجل الخاشع المتخشع في محاريب الكلمة، الراصع المترصع لتسابيح القول، والبادع المتبدع في ملكوت المعنى. وهو يدعونا إلى رحاب شريف كريم، في معرس شهم رحيم، وفي رياض كفء كريم، وفي معالي عالم عليم، وفي عِطف نبيل سليم.
يدعونا الحاج إسماعيل زويريق إلى جناب خير من دعا وصدق، وسعى ولحق، ووعى وعلق، ورعى ورفق.
يدعونا إلى رحاب من اصطفاه الله على الخلق أجمعين، فخلقه وسواه في أحسن صورة ما شاء ركبه، وشهد له بين الأنام، وأوفاه الثناء الجليل، وترصع من الحمد بأنفس إكليل، ومن يثني عليه خالقه فقد حاز كل ما في الثناء من فضل، وحوى كل حمد جزل، فقال عنه وهو أصدق القائلين: “وإنك لعلى خلق عظيم”. وبذلك اغتنى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ثناء الخلق أجمعين، مهما أفصحوا وأبلغوا، ومهما ارتقوا وأبدعوا، وتفننوا وأوسعوا. فهم إن مدحوه أعربوا عن فقرهم إليه، وحاولوا أن يغطوا على نقصهم بكماله، وأن يتخذوه وسيلة للقربى، وسبيلا للشفاعة،
يدعونا الحاج إسماعيل زويريق لنسمع بعضا مما وفقه الله إليه، وألهمه القول فيه، وصوبه على لسانه، وأجرى عليه بعضا من بيانه، بل سخر له كل بيانه، غايته أن يُثاب، ويجمع قارئيه على جنس الثواب، من لدن المجزل الوهاب.
فشكرا لك أيها المحب الغزيل، الوفي الجليل الأصيل، ذي الشعر الصقيل، الذي إن شعر أرخى وأطلق، وإن منح أجزل وأغدق، وإن جاد وسع وأنفق. الذي إن مدح جعل ألفاظه على صدر من تحاك حوله نياشين منصعة، وجواهر مرصعة، ومباهج متنعمة، ومفاتن متمنعة؛ وإن أثنى شحذ معانيه رهافا، ومبانيه خفافا، وكساها محاسن لطافا، وحلاها شيما عفافا.
فشكرا لك أيها المحب الغزيل على دعوتك، ومرحبا بنا في ضيافتك، ورزقنا الله من خيرها أجرا، وأطلع علينا من نورها فجرا.

ديوان على النهج صورة عامة:
“على النهج” ديوان المديح النبوي الذي كتبه الشاعر إسماعيل زويريق، وإسهام الشعر المغربي المعاصر في هذا المجال، وتسجيل لحضوره في هذا الموضوع ضمن الشعر العربي والإسلامي في الزمن الراهن، وفي تاريخية هذا الموضوع. إنه إثبات للانشغالات والقدرات والكفاءات، ودعوة للموازنة مع قدرات مغربية وعربية وإسلامية، ووصول إلى تقييم حقيقي، وزنة منصفة، وإقرار بالجدارة والاستحقاق والمكانة.
بدأ الشاعر كتابة هذا الديوان وأخرجه مجزأ على خمسة أجزاء كان أولها سنة 2004م، وواصل تجزيئه حتى بلغ الخمسة أجزاء ثم أصدرها في كتاب، أعطاه رقم 1 وفصل عنونته بـ”المتن“، بأجزائه الخمسة ـ قصائد في المديح النبوي والخلفاء الراشدين”، وألحق به كتابا ثانيا أعطاه رقم 2، وفصل عنونته بـ”الدراسات” ـ مجموعة من الكتاب والنقاد، وأصدرهما معا عن المطبعة والوراقة لوطنية بمراكش سنة 2015م. وواصل إخراج باقي الأجزاء حتى وصلت في يومنا هذا أحد عشر جزءا، في ستة كتب، وبلغ مجموع المتضمن فيها النهائي من الأبيات 18300 بيت.
وسنقتصر في هذه الدراسة على الكتاب الأول والثاني.
وجاءت قصائد الديوان المتضمنة في الكتاب الأول على أشكال تقصيدية مختلفة (3)، تجمع بين القصيدة الطويلة جدا، التي تتوزعها عدة أجزاء من الديوان (الهمزية في ثلاثة أقسام ضمتها الأجزاء الثلاثة الأولى من الديوان، وفي 2341 بيتا)؛ وقصائد مطولة ـ بانت سعاد ـ البردة ـ المرتجية (ج 1) ـ السينية ـ كل مدح فيك مختصر ـ الدالية (ج 2) ـ حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين أو الشمقمقية النبوية ـ روضة النسرين في سيرة سيد المرسلين (ج 5)؛ وقصائد متفرقة، وهي قصائد مختلفة الأحجام، وهي دون الطول، وتبقى في حدود التوسط أو القصر، وقيلت في مناسبات عدة، عُرِّف بها أو سُكِت عنها، وخُصص لها الجزءُ الرابع بقسميه، وأُعطي لكل قسم عنوان: نبويات (17 ق) (صص 201 ـ 256)، وأعذاق النور (6 ق) (صص 257 ـ 286)، وبعضٌ من الجزء الخامس، تتقدمه مجموعة من القصائد (16) (صص 311 ـ 346)، وتختمه مجموعة ثانية (15 ق) (صص 395 ـ 418)، وتفصل بينهما المطولتان: حديقة الرياحين وروضة النسرين.
وأما الكتاب الثاني الذي أعطاه المصنف رقم 2، وفصل عنونته بـ”الدراسات”، ونسبه لـ “مجموعة من الكتاب والنقاد”، فقد جاء في 224 صفحة، واحتوى على عشر دراسات حول ما تقدم نشره من ديوان على النهج، وثلاث نشرات لتغطيات صحفية للديوان في جائد ورقية وإلكترونية.
وقفة للتمييز بين التأليف والتصنيف:
أريد هنا أن ألفت إلى مسألة غاية في الدقة، وسنعتبرها بعد بسطها من المسلمات البديهية، ولكنها قبل ذلك تحتاج إلى لفت انتباه، ووقفة للطرح والتفهم وإزالة اللبس. وتلك النقطة هي توضيح الفرق بين التأليف والتصنيف. فما هو ذلك الفرق يا ترُى؟
حينما يشرع الشاعر في كتابة شعره وإلى حدود استواء القصيدة، فإنه يبقى في حدود التأليف، وكل قصيدة تتلوها بعدها إلى أن تستوي، وتستوي بعدها عشرات القصائد، بل ومئاتها، فإنها تُبقي الشاعر مؤلفا ما لم يجمع شعره بين دفتي كتاب، مراعيا شروط الكتاب، وسواء أخرجه أم لا. وحينما يفكر مؤلف الأشعار، هو أو غيره، في جمعها في “ديوان” بالاسم التخصصي للمصنَّف الشعري، أو في أعمال كاملة، أو لنسميه كتابا، أو مصنَّفا، فإنه يتجاوز مرحلة التأليف إلى مرحلة التصنيف، وعلى هذا فكل الشعراء مؤلفون، وليسوا جميعا مصنفين، إذ ليس كل مؤلف بمصنف، وعكس ذلك فليس كل مصنف بمؤلف. وإذا نجح الشاعر في الجمع بين الحسنيين فهو قمة في مجاله، ونقطة كمالية تحسب له، ويستحق أن يقوَّم من خلالها مؤلفا ومصنفا.
التأنق في التأليف في ديوان على النهج:
من خلال هذه النقطة سنحاول ترصد المهارات التأليفية عند الشاعر إسماعيل زويريق، والتي اكتسبها عبر تأليفه لقصائده المئات، التي ضمتها مختلف دواوينه 00، المنشورة وغير المنشورة، وكذا تلك التي اكتسبها من ممارسته للتأليف خارج الشعر، من خلال أعماله 00 المختلفة. ويعكس هذا الزخم من التجربة التأليفية أن للرجل قد راكم ما لا يستهان به في مجاله، وسيحرص ما أمكنه ذلك على تفعيله في ديوانه هذا باعتباره عصارة تجاربه، وباعتبار أن ما يشده إليه من الميثاق الروحي، والصدق العاطفي، والالتزام الديني، قوي ومتين، وهو ما لم يتوفر له، ولن يتوفر له، في أعمال أخرى خارج “على النهج”، لا قبله ولا بعده.
ملامح التأليف:
تُعتبر القصيدة هي المادة الأساسية التي يشتغل عليها كل شاعر في مرحلة التأليف، بما حوته من عناوين ونصوص ومرتفقات، يعمد الشاعر إلى إرفاقها بها، لغاية في نفسه، ويريد إشراك القارئ فيها، وتقاسمها معه.
1ـ الحجم الكتابي للقصيدة:
ولقد كانت للتأليف عند الشاعر زويريق ملامح، تحاصر الدارس في قالب الشعر العمودي، وتتخذ منه حجميين:
ـ حجم القطعة:
وهو نادر جدا لا يَرِد إلا مرة واحدة فريدة على صورة أبيات ثلاثة، جعلها كالتطعيم لعنوان القسم الثاني: أعذاق النور من الجزء الرابع (ص 257)، وبهذا يقول الشاعر بأن رهانه مع التطويل وليس مع القِصَر، وأن القصر ليس مبتغاه في هذا الديوان، على الأقل، وإن كان، فإنه سيبقى كالعنوان، أو ما يمكن أن تُطعَّم به صفحة العنوان؛
ـ حجم القصيدة:
تختلف أحجام القصائد الخمس والستين وتجمع بين القطعة الصغيرة والمطولة الضخمة. ففي القصائد التي أتت في أقل من مائة بيت، نجد 35 قصيدة، وهو الحجم المسيطر على الديوان من حيث عدد النصوص لا من حيث كم الأبيات. ويتراوح عدد أبياته بين ثلاثة أبيات، وهي التي جُعلت كالتوطئة للقسم الثاني من الجزء الرابع (ص 257)؛ وبين تسعة أبيات في نص واحد: (عن الذنب عينية جميلة ص 253). واثنى عشر بيتا في حائية واحدة (ليلة القدر ص 252)؛ وخمسة عشر بيتا في ستة قصائد: لاميتان (ولى الشباب ص 2 ـ 253. الوصل يشفع لي ص5 ـ 316)؛ ونونيتان (طائر الطلح ص 235. غنى الطوير ص 1ـ 322)؛ وبائية (دعاء ص 256)؛ ورائية (رأيتك في القلب نورا ص 284)… وثلاثة وتسعين بيتا (نفسي بحب رسول الله صص 3 ـ 207)؛ وستة وتسعين بيتا (نفحات من سيرته العطرة صص 3 ـ 227)؛ وسبعة وتسعين بيتا (بانت سعاد صص 13 ـ 19).
كما نجد في حدود المائة وأقل من المائتين أربع قصائد، تتكون من مائة وثمانية أبيات ()؛ ومائة وتسعة أبيات ()؛ ومائة وخمسة وعشرين بيتا ()؛ ومائة واثنين وأربعين بيتا ().
ونجد في حدود الثلاثمائة قصيدتان، واحدة بثلاثمائة وأربعة أبيات (البردة = يا شاكي البان 1/ 21 ـ 36)؛ وأخرى بثلاثمائة وخمسة عشر بيتا (روضة النسرين 5/ 375 ـ 392).
وفي حدود الأربعمائة هناك قصيدة واحدة (لحظات في مقام النجوى 4/ 259 ـ 280).
ومما كان في حدود الخمسمائة توجد قصيدة واحدة (حديقة الرياحين 4/ 347 ـ 374).
وتأتي المطولة الكبرى الشامخة في ألفين وثلاثمائة وواحد وأربعين بيتا، وهي “الهمزية” بأقسامها الثلاثة، المتوزعة على الأجزاء الثلاثة الأولى من الديوان.
2ـ الشكل الكتابي للقصيدة:
تأتي النصوص الشعرية في ديوان “على النهج”، التي اتخذت حجم القصيدة في صورة شكلين كتابيين:
ـ شكل القصيدة العمودية:
يستعمل الشاعر شكل القصيدة العمودية في معظمه مبنيا على الشطرين في ثلاث وستين قصيدة من أصل خمس وستين. وإن كانت جميع هذه القصائد قد وحدت الشكل، إلا أنها نوعت فيما يخص وحدة الروي، إذ اعتمدتها في القصائد كلها (62 قصيدة) ما عدا واحدة مزدوجة (روضة النسرين في سيرة المبشرين).
ـ شكل القصيدة المقطعية:
وقد تحققت عند الشاعر في قصيدتين (رباعيات ـ لحظات في مقام النجوى). وهي قصيدة تعتمد نظام المقاطع المتوازنة، وتتخلى عن نظام الشطرين لتتعامل مع نظام البيت في شطر أو سطر، والذي يمكن أن يفيد وحدة البيت. وتكون إما عبارة عن شكل مقطعي يتكرر (مقطع رباعي ـ مقطع خماسية)؛ وإما مجموعة مقطعية تتكون من أربعة مقاطع بنظام مقطع من بيتين تتلوه ثلاثة مقاطع رباعية، والمجموعة كلها معروضة في صفحة واحدة، والبيتان الأولان بمثابة لازمة تتكرر في مطلع كل مجموعة مقطعية.
3ـ المنحى الموضوعي:
يصب الديوان على النهج” في منحى موضوعي واحد هو المديح النبوي، ويكسر هذه الوحدة العامة بالتنويع بين الحب والشوق والمدح وشكوى الحال والإقرار بالذنب والتضرع والتوسل والسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسير صحابته والمولديات والتصدي للرد على الحاقدين، والدفاع عن حوزته صلى الله عليه وسلم.
4ـ البناء التأليفي:
أ ـ العنوان:
تأتي العناوين عند إسماعيل زويريق في الأجزاء الخمسة لديوانه على النهج على نوعين: عناوين القصائد أو العناوين الخارجية؛ وعناوين مقاطع من القصائد أو عناوين داخلية.
أولا: عناوين القصائد أو العناوين الخارجية:
وسيتم التطرق في هذا الجانب للعناوين الرئيسية للقصائد، وما قد يرتفق بها من كتابة نثرية، تتقدم عليها، أو تأتي بعده، تقدم توضيحات فيما يخص القصيدة.
1ـ وقفة على العناوين:
يضم ديوان “على النهج” خمسا وستسن قصيدة، لكل قصيدة عنوانها، ويمكن أن نتناول هذه العناوين من جانبين: الحجم والمصدر.
أ ـ الحجم:
أتت العناوين الستة والخمسون على أحجام مختلفة تتراوح بين الكلمة الواحدة والعشر كلمات، وسيطرت العناوين ذات الكلمتين على العناوين إذ عَنْوَنت ستا وعشرين قصيدة ـ أي ما يفوق ثلث قصائد الديوان ـ بينما كان العنوان ذو العشر كلمات في أدنى كم بقصيدة واحدة.
| عدد كلمات العنوان |
العناوين |
| كلمة | المرتجية ـ الهمزية ـ البردة ـ السينية ـ الدالية ـ رباعيات ـ رمضان ـ دعاء ـ نصحتك ـ تشوق ـ الكأس ـ ذكرانی ـ الخاتمة ـ دائي ـ آمنت. |
| كلمتان | بانت سعاد ـ شلت يمينك ـ أيها القس ـ ليلة القدر ـ ولى الشباب ـ عن الذنب ـ مناجاة نورانية ـ همي الغيث ـ عسعس الليل ـ ولد المصطفى ـ غنى الطوير ـ غزلت فيك ـ طائر الطلح ـ عام الفيل ـ مولد النور ـ انتشار الدعوة ـ قبل الهجرة ـ الله والفتح ـ الهجرة النبوية ـ مشكاة الحق ـ قرنت حياتي ـ مكة المكرمة ـ ضاق صدري ـ هيج الشوق ـ زجرت الحلم ـ يا فؤادي. |
| 3 كلمات | يا شاكي البان ـ رفقا حمام المنحنى ـ سوف أسقيك مهينا ـ لا تكن غبيا ـ يا من تصدق ـ الوصل يشفع لي ـ من ذا ينسى ـ في جبل النور ـ النور في الإسلام ـ يا عاشق الشعر ـ إنما القبر مراح. |
| 4 كلمات | كل مديح فيك مختصر ـ مشعل الحب ليس يخبو ـ نفحات من سيرته العطرة (ص) ـ لحظات في مقام النجوى ـ لي في رحمة الله ـ رأيتك في القلب نورا ـ سناك لكل قلب رداء – غن يا شاعر النخيل ـ انظر إلى هذا الوجود ـ محمد يا خير الورى ـ ما نحن إلا عرب ـ ذكرى المولد النبوي الشريف ـ حال الجزيرة قبل البعثة ـ حال الأمة العربية الآن ـ وقفة عابرة على معجزاته (ص) ـ طوبى لمن عرف الإسلام. |
| 5 كلمات | السينية في مدح خير البرية ـ نفسي بحب رسول الله لاهجة ـ ما الذي يغري في الزمان ـ يسر فإن ظلال الموت تقترب ـ ومضات من أخلاق الرسول الأعظم ـ روضة النسرين في سيرة المبشرين ـ نفحات من سيرة المبشرين بالجنة ـ |
| 6 كلمات | حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين ـ حال الأمة العربية في عهد الرسول ـ |
| 10 كلمات | الدالية في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية ـ |
وكان التطويل ونَهْج الإطالة ديدن الشاعر، الذي حكمه، لا في القصائد وحدها، وإنما طال عناوين القصائد أيضا، ولذلك طالت العناوين طولا ملفتا، فرضه الإصرار على استيقاء تلك العناوين من عبارات القصيدة، فبلغت أربع كلمات (ست عشرة قصيدة)، وخمسة (سبع قصائد)، وستة (قصيدتان)، وعشرة (قصيدة واحدة)؛ بينما كان تطلبها للاختصار في العنوان قليلا جدا، إذ لم تتجاوز عناوين القصائد، التي أتت في كلمة واحدة، خمس عشرة قصيدة، أي أقل من ثلث مجموع قصائد الديوان.
ب ـ المصدر:
وقد استمد الشاعر عناوينه من مصادر مختلفة، يمكن حدها في خمسة، أهمها استمدادها من النص بطرق شتى (ثلاثة)، ثم من عنوان لنص آخر، أو من عبارة داخل نص آخر، أو صياغتها صفة فنية للنص، أو اقتراحا موافقا لموضوع النص.
ب ـ 1ـ استمداد العنوان من النص:
انتحى الشاعر الطريقة التقليدية في اقتراح عناوين لقصائده، فكان معظمها يستمد عنوانه، من نص القصيدة، وفي أغلب الأحيان من مطلعها، وكان العنوان المستمد من القصيدة يتخذ صورا، ويُستمد من مواقع منها، سيتم تفصيلها كالآتي:
ب ـ 1ـ 1ـ نقل أمين:
ـ من المطلع: وهي طريقة تقليدية لجأ إليها الرواة في أوائل تدوين الشعر لتمييز القصائد عن بعضها، فكانوا يذكرون القصيدة بمطلعها كاملا، أو ببعض كلمات من أوله. والطريقة نفسها حكمت الشاعر إسماعيل زويريق للتمييز بين قصائده، فميز خمسا وعشرين قصيدة بمطلعها، وغالبا أوله، ويتعلق الأمر بالقصائد التالية: رفقا حمام المنحنى ـ شلت يمينك ـ ولى الشباب ـ عن الذنب ـ يا من تصدِّق ـ همى الغيث ـ نصحتك ـ عسعس الليل ـ ولد المصطفى ـ غن يا شاعر النخيل ـ انظر إلى هذا الوجود ـ غنى الطوير ـ غزلت فيك ـ من ذا ينسي ـ طائر الطلح ـ يسر فإن ظلال الموت تقترب ـ دائي ـ يا عاشق الشعر ـ قرنت حياتي ـ خبرتك ـ آمنت ـ ضاق صدري ـ هيج الشوق ـ زجرت الحلم ـ يا فؤادي؛ وقد تكون ثاني كلمة من المطلع (ذكراني).
ـ من المطلع وغيره: وربما كان اختيار عنوان القصيدة من المطلع وتكرر في غيره، مما يمنحه فرص صلاحيته ليختار كعنوان مناسب وأكثر جاذبية، لتعدد مناسبات مصادفة القارئ له داخل النص. وكانت لهذا الإيراد وجوه عدة، منها: تكرار لفظ العنوان في المطلع والختم (ليلة القدر)؛ وتكراره في مطلع القصيدة ومطلع مقطع منها ـ الثاني ـ (الكأس)؛ وتكراره في آخر الشطر ألأول من المطلع وفي آخر البيت الخامس من القصيدة (مشكاة الحق)؛ وتكراره ثلاث مرات: في أول المطلع وفي وسط القصيدة، وفي أحد أبياتها الأخيرة (أيها القس).
ـ من الختم: وكما للمطلع أهميته البنائية في القصيدة، فللختم مثل تلك الأهمية، ولذلك وجده الشاعر زويريق مثيرا جدا ليختار منه عناوين قصائده، وخاصة من شطره الأول، كما في “مشعل الحب ليس يخبو” و”النور في الإسلام”.
من غير المطلع والختم: وخارج المطلع والختم ورد العنوان في بيت من أبيات القصيدة الأخرى، بدايات أو وسطا أو نهايات، وذلك مثلما نجده في الشطر الأول من البيت الثاني (إنما القبر براح)؛ أو في أول البيت ما قبل الأخير (رأيتك في القلب نورا)؛ أو في أول البيت التاسع عشر من قصيدة تتكون من 00 أبيات (نفسي بحب رسول الله لاهجة)؛ أو نجد العنوان يتكرر في بداية أربعة أبيات متوالية وسط النص (ما الذي يغري في الزمان)؛ وقد يقتصر الإيراد داخل القصيدة على جزء من العنوان ـ نصفه ـ كما هو حال كلمة “مكة”، التي تتكررت في القصيدة 00 مرات (مكة المكرمة).
ب ـ 1ـ 2ـ نقل مع تحريف قليل: ما بين العبارة الأصلية في القصيدة، في مطلعها، أو داخلها، ونقلها لتتخذ موضعها ضمن العنوان، يتصرف الشاعر فيها تصرفا بسيطا ليلائمها مع طبيعته، وغالبا ما يكون التصرف بسيطا باستبدال حرف في قصيدته “كل مديح فيك مختصر”، والأصل من المطلع “فيه مختصر”؛ أو بحذف حرف من عنوان القصيدة “لي في رحمة الله”، والأصل من أول الختم: “فلي في رحمة الله”؛ أو بحذف عبارة في قصيدته “ما نحن إلا عرب” وجاء الأصل من داخل النص:
فنحن ما نحن أيا حكامنا إلا عرب
أو بإضافة كلمة إلى العنوان “الوصل يشفع لي”، والأصل من أول المطلع: “الوصل يشفع إن هجرتَ…”؛ أو باستبدال حرف وحذف عبارة من العنوان “سوف أسقيك مهينا”، والأصل من الشطر الثاني من الختم: “سوف أسقيه من كؤوسي مهينا”؛ أو بتغيير التركيب في العنوان “سناك لكل قلب رداء”، والأصل من البيت ما قبل الأخير:
أنت يا نور الله في كل شيء لـسـناه فــي كــل قــــلب رداء
ب ـ 1ـ 3ـ نقل مع تكييف وتحوير لما يناسب العنوان: ينقل الشاعر من القصيدة عبارة (أرجوك أيا خير من يرتجى)، التي وردت في البيت الثاني، فيقوم بتحويرها واختزالها فيما يمكن أن يناسب العنوان (المرتجية).
ب ـ 1ـ 4ـ نقل لموضوع النص مع اقتراح لما يوافقه: ينطلق الشاعر من موضوع النص العام، الذي يستوعبه ويختزله في لفظة، أو ألفاظ (رمضان ـ دعاء ـ تشوق ـ ذكرى المولد الشريف)، يقترحها عنوانا له، على الرغم من أنها لا ترد فيه.
ب ـ 2ـ استمداد العنوان من النص ومن خارجه:
من التقنيات التأليفية التي لجأ إليها الشاعر زويريق في اختيار عناوين قصائد “على النهج”، المزاوجة بين مصدرين للاختيار: من نص قصيدته التي تحمل العنوان، ومن قصيدة أخرى شهيرة يعارضها، فينقل عنوانها كما هو أو معدلا فيه؛ أو ينقل عبارة من عباراتها مع إدخال تعديل عليها.
ب ـ 2ـ 1ـ من النص ومن عنوان لنص آخر: ينقل الشاعر العنوان من مطلع القصيدة، نقلا حرفيا (بانت سعاد)، ويجده موافقا لمطلع وعنوان القصيدة الأصلية التي عارضها، ويرى في ذلك مساعدا على التنبيه على الأصل؛ وقد ينقله مع التغيير فيه قليلا (يا شاكي البان)، لا يكاد يخفي الأصل (يا ظبية البان) الشهير المعروف لصاحبه “الشريف الرضي”، ومطلعه:
يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ لِيَهنَكِ اليَومَ أَنَّ القَلبَ مَرعاكِ
ب ـ 2ـ 2ـ من النص ومن عبارة داخل نص آخر: يتجاوز زويريق عنوان القصيدة المعارضة (البردة المسماة بالكواكب الدرية في مدح خير البرية)، ليختار عنوانا لقصيدته من داخلها، ومن إحدى عبارات بيت من أبياتها (من يعتصم بك يا خير الورى شرفا)، وإن كان لا يبقي على حالته الأصلية، بل يدخل عليه تعديلا بسيطا (محمد يا خير الورى شرفا) حينما جعله من عبارات قصيدته، وي أول البيت ثاني ما قبل الأخير.
ب ـ 3ـ استمداد العنوان من خارج النص:
يلجأ الشاعر أحيانا إلى استمداد عناوينه من نصوص أخرى اشتهرت في مدح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو وجه من وجوه المعارضة، التي فعلها بنجاح كبير في هذا الديوان، لا لافتقاره إلى العناوين أو لعجزه عن تأليف العشرات منها، ولكن للتدليل على تلك النصوص، وتبيين صلته بها، والتعاقد مع القارئ على تلك الصلة منذ بداية اتصاله بقصيدة الشاعر، ولحجز موقع له داخل دائرة الاشتهار، التي رسمتها تلك النصوص، ومنذ عقود، في مجال المقروء الشعري الرفيع والمتأنق. وقد سلك لهذا سبيلين:
ب ـ 3ـ 1ـ استمداد العنوان كاملا: يستعير الشاعر عنوان قصيدته من عنوان آخر لقصيدة أخرى، تُنسب لأحد كبار أعلام الشعر، وأحد فرسان هذا النوع الشعري، الذي ارتضى التأليف فيه، وهو ما فعله مع قصيدتين، إحداهما هي الأطول على الإطلاق مما كتبه الشاعر (الهمزية)؛ والأخرى هي تلك التي كانت فاتحة لانطلاقة هذا النوع الشعري، وكانت فاتحة خير على الشعراء، وشرعت باب الإلهام فيه واسعا، لم يفتأ الشعراء يواصلون التأليف فيه، وإلى يوم الناس هذا، وسيواصلون ذلك إلى ما شاء الله (البردة).
ب ـ 3ـ 2ـ استمداد العنوان مع زيادة عليه: يأخذ الشاعر ديوان قصيدة من المشتهرات في مجال المديح النبوي (حديقة ابن الونّان)، ويعلن بذلك انخراطه في نوعها الشعري، ويضيف إصراره على تطلب جمال هذا النوع أينما كان، لأنه أصبح شغوفا به، ينقب عن قعل السالفين فيه، ولا يرتضي إلا أن يحجز لنفسه مكانة إلى جانب كل من اشتهر فيه، ليغدو بذلك لا أحد المشتهرين، ولكن أكثر المشتهرين شهرة. ولعل الزيادة في العنوان الأصلي لابن الونان “حديقة الرياحين” تكشف شيئا من ذلك.
ب ـ 4ـ استمداد العنوان من وصف للنص:
يحضر الهاجس التأليفي عند الشاعر في العنوان وبقوة، وقد لامسنا بعضا من صوره فيما تقدم، وربما كانت خفية وتحتاج إلى إجلاء، وربما حجبها عن القارئ امتزاجها بغيرها، وتداخلها معه، ولكنها في بعض العناوين أتت خالصة محضة، تدل على نفسها، وتكشف عن طابعها، وتقول للقارئ أنا هنا فلا تتجاوزني، حتى تقف علي. فكانت عناوينها واصفة لها وصفا تأليفيا، يتخذ سبيله بالوصف الفني لها، وبطرق شتى، أو تعضيد ذلك الوصف بكشف عن موضوعها ومادتها.
ب ـ 4ـ 1ـ وصف فني للنص:
كانت بعض العناوين واصفة وصفا فنيا دقيقا للقصائد، تعرض بعض جوانبه المميزة لها، والتي يريد واضع العنوان التنبيه عليها، وإشراك القارئ في الاهتمام به، وإدراك أهميته، التي لا تقتصر على اهتمام الشاعر بالجانب الموضوعي فقط من خلال المديح النبوي، وإنما تلفت إلى عنايته بالجانب التأليفي، والخاصية الكتابية، والصياغة الفنية، التي يُقدَّم بها. ونجد ذلك متمثلا في ممارسات تأليفية ثلاث:
ـ خاصية تأليفية مقطعية: باعتماد شكل شعري، قوامه المقاطع الرباعية، في قصيدة تعنونت بالخاصية نفسها (رباعيات)؛
ـ خاصية تأليفية تجنيسية مع رصد الموضوع: تعتمد الانتقاء التمييزي، والاصطفاء التجويدي للمادة التي تقدمها (نفحات)، وتزاوج بين القالب الشعري واللون التأليفي (السيرة)، لتقدم لنا نصوصا تتمازج من خلالها لغة الشعر بمادة السرد، ما يعطينا تجنيسا متميزا داخل الشعر وداخل السرد قليلا ما التُفت إليه (نفحات من سيرته العطرة ص ـ نفحات من سيرة المبشرين بالجنة)؛
ـ خاصية تأليفية اختزالية مع رصد الموضوع: ينتهج التأليف عند الشاعر نهج التلخيص والاختزال، ومهما يكتب، نظرا لا لوفرة المادة التي يمتاح منها كتابته وحسب، وإنما أيضا لعظم تلك المادة، ووفرة دلالاتها، وغنى إيحاءاتها، ووهج تجلياتها، وتمدد أبعادها، في ظل فساحة الروح، وعظمة الأخلاق (ومضات من أخلاق الرسول الأعظم ـ لحظات في مقام النجوى).
ب ـ 4ـ 2ـ وصف فني للنص وتفصيل مميِّز في العنوان:
التجأ الشاعر إلى اقتراض طريقة المصنفين والبيبليوغرافيين في تقديم الأعمال والمصنفات من خلال عناوينها، وعملهم على تقديم تعريف مركز وجد مختصر من خلال تلك العناوين، إما الأصلية، أو بإضافة لاحقة توضيحية إليها (في …)، تقرب محتواها. وقد لجأ الشاعر إلى ذلك من خلال سلوكين تأليفيين:
ـ خاصية تأليفية تأنقية مع تصنيف الموضوع: يحاول الشاعر أن يرصد نهجه التأليفي في قصيدته، فيختار لها عنوانا متأنقا متجملا، يعكس طريقة تصرفه في المادة التأليفية، ويرصد بعده الجمالي (حديقة الرياحين)، ولا يرى ذلك كافيا في تقريب النص فيعمد إلى إلحاق إضافة توضح مجال التأليف (في سيرة سيد المرسلين)، ليصبح العنوان كاملا (حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين)، والشأن نفسه وقع في قصيدة (روضة النسرين في سيرة المبشرين)؛
خاصية إيقاعية تنغيمية مع تصنيف الموضوع: وقد يكون رصد النهج التأليفي عند زويريق مرة أخرى باقتناص الصبغة الإيقاعية التنغيمية للقصيدة، من خلال ترصد رويها (السنية ـ الدالية)، ولا يكون ذلك كافيا لتقريب النص، وقد يكون مدعاة لاختلاطه بعناوين نصوص أخرى، تشاركه العنوان نفسه، فيلجأ الشاعر إلى طريقة المصنفين والبيبليوغرافيين في الاستعانة باللاحقة التوضحية والتفصيلية، لتأتي العناوين على صورة: “السينية في مدح خير البرية”، و”الدالية في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية”.
تلك كانت طرق تأليف الشاعر إسماعيل زويريق لعناوين قصائده، وهي عملية لا يُستهان بها، لأن تأليف العنوان يقتضي من الاستعداد والجهد والتركيز ما يتطلبه تأليف النص الذي يحمله برمته، وربما فاق ذلك. وكانت للشاعر قدرات فائقة، وبراعات رائقة، مكنته من تأليف عناوين نصوصه، فجاءت بهيجة نضرة، يانعة عطرة، خلابة ، جدابة آسرة.
2 ـ وقفة على مرتفقات العناوين:
يقوم الشاعر في بعض قصائده بإرفاق عنوانها بنص نثري، يرى له من الأهمية ما يستوجب تدوينه، ويقدم فيه بعض المعلومات المفيدة في توضيح بعض جنبات النص، ويكون إما قبل العنوان، أو بعده.
2 ـ 1ـ قبل العنوان:
تأتي كتابة تتقدم العنوان، وقد وردت في بداية قصيدتين. وتعرض للباعث على قول النص ـ قصيدة وموضوعا وصاحبا ـ وزمانه، وسياقة القول إلى المعني به (وإلى هذا أقول… نص في3 أسطر، من قصيدة لا تكن غبيا 248) ـ أو تُعرِّف بالباعث على القول شاعرا وقصيدة ومطلعا، وتحديد مكانة القصيدة التأليفية (وبهذه القصيدة أتممت الجزء الخامس من ديواني على النهج: من ذا ينسى 332).
2 ـ 2 ـ بعد العنوان:
قد يطول حتى يكاد يأتي على صفحة كاملة (ذكرى المولد الشريف)، وصفحةٍ ونصف (حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين 347)، وصفحتين (طوبى لمن عرف الإسلام 3 ـ 394)
لجأ الشاعر وعلى عادة كثير من الشعراء إلى إتباع عنوان النص بكتابة نثرية بعده ترصد العنوان الرسائلي والتعريف بالمرسل إليه ـ “إلى تيري جونز القس الذي أراد أن يحرق القرآن” ـ (شلت يمينك 239) ـ “إلى ذلك الذي تكلم في حبيبة رسول الله أم المؤمنين عائشة” ـ (سوف أسقيك مهينا 243) ـ “ردا على القس الذي أحرق نسخا من القرآن” ـ (أيها القس 246) (ج 4) ـ آية قرآنية الجو العام “وها نحن نسمع من أهل الكتاب أذى كثيرا “إلى كل أولئك وعلى رأسهم سام باسيلي منتج فيلم براءة المسلمين المسيء للرسول الأعظم” (نصحتك 311) ـ شرح العنوان ورمزيته (الكأس 324) ـ تقديم النص المعارض وصاحبه ومكان استماعه وأثره فيه (غزلت فيك 330) ـ تقديم النص المعارض في ستة أبيات والتعريف به كاملا ودرجة التأثر به، وغاية الشاعر من قصيدته وحصر عدد أبياتها (ذكرى المولد الشريف 339) ـ التعريف بصاحب النص المعارض وتقديم ثلاثة أبيات من أوله وبعد أبياته ولقب والده واتصال الشاعر بالسلطان وعناية الشراح بها، وتقويم الشاعر لها (حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين 347) ـ نص الخطاب الي ألقاه الشاعر بحضور عبد الواحد بيترسون بالمجلس العلمي بمراكش لإلقاء محاضرته حول “الإسلام في الدانمارك” (طوبى لمن عرف الإسلام 395) ـ إلى ذلك الذي قال أنا لا يهمني ما كتبته عن الرسول” (زجرت الحلم 417).
ب ـ بناء النص:
تعتمد البناءات المنهجية للنصوص، صغرت أم كبرت، طالت أم قصرت، تحدت أم تقطعت، باعتبارها تأليفا متكاملا، هندسة بنائية، مصرَّح بها ومعلَنة، أو مسكوت عنها وضمنية، غالبا ما تقوم على الأركان الثلاثة: مقدمة وختما ومحتوى رئيسيا. وقد وردت ملامح لهذه الهندسة في قصائد الشاعر، وسنحاول رصدها من خلال الوقوف على تجلياتها في قصائده.
ب ـ 1ـ طبيعة المقدمة:
من صور المقدمة ما يحمل مؤشرات تدل على أنه كذلك، وله عنوان يوحي أو يصرح بأنه مقدمة، أو معزول على صورة مقطع، يفصله بياض عما بعده؛ ومنها ما لا تحمل أي مؤشر، ولكن للقارئ أن يدركها بخبرته القرائية، بحصافته، بقدرته على استيعاب بناء النص. والشأن نفسه بالنسبة للخاتمة. ونجد للمقدمة صورا مختلفة من الحضور، تم حصرها في التالي:
ـ المقدمة مميزة بعنوان: تفرض المقدمة نفسها في الإنتاجات بأحد المؤشرات الثلاثة: بتموقعها وبعنوانها وبمحتواها ومعناه، وقد وردت عند زويريق بهذه المؤشرات جميعها، فقد تأتي متقدمة على القصيدة، وعلى المقطع الأول منها، وتكون إما مصرحا بها، بلفظة “استهلال” (الهمزية ق 2، ق 3)، أو لفظة “المقدمة” (حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين)، وإما ملمحا إلى كونها مقدمة، وذلك بتموقعها من القصيدة وبمعنى محتواها، كأن يكون بلفظة “إشراقات” (الهمزية ق 1)، أو بلفظة “نفحات” (روضة النسرين في سيرة سيد المبشرين)؛
ـ المقدمة معزولة ببياض: يتخلص الشاعر في بعض مقدمات قصائده من العناوين لها، الصريحة أو الملمحة، ويكتفي للتدليل عليها بعزلها ببياض عن المقاطع الموالية لها، ويترك لنباهة القارئ مهمة اكتشافها وحصرها. وقد حصل ذلك مع مجموعة من القصائد (بانت سعاد ـ البردة أو يا شاكي البان ـ المرتجية (ج 1) ـ السينية ـ كل مديح فيك مختصر ـ الدالية ـ نفسي بحب رسول الله لاهجة (ج 2) ـ ومضات ـ شلت يمينك (ج 4) ـ ولد المصطفى ـ ذكرى المولد الشريف ـ النور في الإسلام ـ مكة المكرمة ـ إنما القبر براح (ج 5))؛ ويُتطلب من هذه النباهة تيقظا أكثر، واشتغالا أكبر، حينما تتجاوز المقدمة المقطع الواحد، فتأتي في جملة من المقاطع معزولة عن بعضها ببياض، ويتطلب منها اكتشافها وتحديدها والتوقف عند نهايته (ولادة الرسول: المقاطع 1، 2، 3 ـ لحظات في مقام النجوى: وهي قصيدة خماسية وردت مقدمتها في ستة مقاطع)؛
ـ المقدمة غير مميزة: قد لا يوجد ما يساعد على تمييز المقدمة من عنوان وبياض، فترد المقدمة متصلة بما بعدها، وللقارئ أن يبذل مجهودا أكبر لاكتشافها، وقد حصل ذلك في عدة قصائد (مشعل الحق ـ ما الذي يغري ـ ليلة القدر ـ يا من تصدق ـ رأيتك في القلب نورا ـ عسعس ـ همى الغيث ـ سناك لكل ـ تشوق ـ غن يا شاعر ـ الكأس ـ غزلت فيك ـ من ذا ينسي ـ ذكراني ـ مشكاة الحق ـ زجرت الحلم)، ويوحي بالحيف في حقها حينما نجد أن هذه القصائد قد تم تمييز خاتمتها، وأُشِّر عليها؛ أو مُيزت باقي مقاطعها دون المقدمة والخاتمة، فشربا معا نخب ما طالهما من حيف (رفقا حمام المنحنى ـ نصحتك ـ الوصل يشفع لي)؛
ب ـ 2ـ طبيعة الخاتمة:
مثلما كان للمقدمة صور للتأشير عليها، كذلك سيؤشر على الخاتمة بصور مميزة، فهل هي نفس صور التأشير على المقدمة؟
ـ الخاتمة مميزة بعنوان: اختار الشاعر للتدليل على الخاتمة ثلاث صور: منها ما كانت تصريحية بلفظها “الخاتمة”، وذلك في قصيدتين: الهمزية (ق 3) ـ حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين؛ ومنها ما كان متوافقا عليه منذ بدايات التأليف الإسلامي، ويتعلق الأمر بالدعاء، وقد أعطي له عنوان دلالي: “يا إلهي” (الهمزية ق 1)؛ ومنها ما كان تقويما زمنيا للأحداث، تحت عنوان “بعد عام” (الهمزية ق 2)؛
ـ الخاتمة مميزة ببياض: تُميَّز الخاتمة أحيانا بغير العنوان، مثلها مثل المقدمة، فيلجأ الشاعر إلى البياض، يفصلها عما سبقها من مقاطع القصيدة الأخرى، وقد تحقق ذلك في جملة قصائد (مشعل الحق ـ مالذي يغري ـ ليلة القدر ـ يا من تصدق ـ رأيتك في القلب نورا ـ عسعس ـ همى الغيث ـ سناك لكل ـ تشوق ـ غن يا شاعر ـ الكأس ـ غزلت فيك ـ من ذا ينسي ـ ذكراني ـ مشكاة الحق ـ زجرت الحلم)؛ وقد لا تكتفي الخاتمة بالمقطع الواحد، فتصر على أن تتعدد مقاطعها حتى تبلغ الثلاثة (لحظات في مقام النجوى القصيدة الخماسية)، وربما الخمسة (ولادة الرسول)، وتتحدث عن النصح بالالتزام بدين محمد؛
ـ الخاتمة غير مميزة ببياض: تعمد الخاتمة أحيانا إلى إخفاء نفسها عن القارئ، وتدعوه إلى اكتشافها، فلا تميز نفسها لا بالبياض ولا بغيره (الدالية)، على الرغم من أن المقاطع الأخرى غيرها داخل القصيدة مميزة (رفقا حمام المنحنى ـ نصحتك ـ الوصل يشفع لي)؛
ـ غياب الخاتمة: على الرغم من أن القصيدة مركبة من مقاطع معنونة، إلا أن الخاتمة لا تحصل منها على نصيب، فتُسقط عنها، وذلك ما نجده في قصيدة “روضة النسرين في سيرة سيد المبشرين”.
وسواء صُرح بالخاتمة أو لم يصرح بها، فُرزت عن غيرها ام اتصلت به، فإنه لا يفوتنا أن نسجل وقوع تفاوت شديد في حجم الخواتم الموضوعة للقصائد، مع العلم أنه لا يوجد مقياس لذلك، بل إن الختم يبقى رهينا باختيار الشاعر أولا ومدى توفقه في ذلك الاختيار، وبحجم النص ثانيا، وفي اقترانه بالمقدمة نوعا ومحتوى وحجما.
ثانيا: عناوين مقاطع من القصائد أو عناوين داخلية:
نظرا لكون قصائد الشاعر إسماعيل زويريق في معظمها مطولات إذ أن 00 تفوق الخمسين بيتا من مجموع قصائد الديوان الخمس والستين، فإنه سيكون من حيث منهج التأليف مضطرا لتقطيعها مقاطع وقطعا ومقطوعات ومقطعات وقطعا، وتقسيمها تقسيمات وأقساما وقسما، تسهل عليه عملية البناء وتجعلها واضحة أمامه، وتيسر له سبل التعامل معها، والشأن نفسه يريد أن يتيحه للقارئ. وكانت عملية التقطيع تتم بطريقتين:
ـ طريقة التقطيع المعزول بالبياض، والذي لا يحمل أي عنوان، بل إن البياض يغدو عند الشاعر وسيلة من وسائل العنونة، تنضاف إلى ما كان متعارفا من عنونة بالأرقام والحروف والألفاظ والعبارات. وبالبياض لا يسمح الشاعر لنفسه باقتراح العنوان الذي يعتبر تكثيفا متناهيا للنص، بل يترك للقارئ مهمة اكتشاف محتوى المقطع وتجميع دلالته وتكثيفها، واقتراح ما يناسبها من العناوين؛
ـ طريقة التقطيع المفروز بالعنوان: بحيث تحمل القصيدة عنوانا أساسيا، سميناه قبلا “عنوانا خارجيا”، وتنقسم إلى جملة مقاطع كل مقطع أو مجموعة من المقاطع تحمل عنوانا، وقد ارتأينا تسميتها بـ”العناوين الداخلية. وقد سلك الشعر في سبيل تقسيم القصيدة 00 مسلكا:
1ـ مسلك جعل القصيدة أقساما:
عمد شاعرنا إلى تقسيم القصيدة إلى أقسام، وقد ساعده على ذلك طولها المفرط، فقد كانت قصيدة “الهمزية” المكونة من ألفين وثلاثمائة وواحد وأربعين بيتا تفرض منهجيا أن تتوزع على عدة دواوين، وأن يحمل كل ديوان قسما منها، أعطاه الشاعر هذا اللقب التأليفي (القسم)، وأعطى لكل قسم عنوانه الخاص به، وتحت كل قسم مقاطع معنونة، وتحت كل مقطع معنون إما مقطع واحد، أو مجموعة مقاطع يتقدم أولها العنوان ويفصل بقيتها بياض.
وقد جاء التقسيم على الصورة التالية:
ـ القسم 1 (في رحاب المدينة المنورة) في الجزء الأول من الديوان، في 00 بيتا؛
ـ القسم 2 (في عرصات النور: مكة المكرمة) في الجزء الثاني من الديوان، في 00 بيتا؛
ـ القسم الثالث (ومضات من حياة الخلفاء الراشدين) في الجزء الثالث من الديوان، في 00 بيتا.
2ـ مسلك جعل القسم مؤلفا:
يتعامل الشاعر مع قسم من القصيدة (القسم الثالث من الهمزية) وكأنه تأليف خاص مستقل، له بواباته المدخلية والمخرجية (المقدمة والخاتمة)، وبينهما عدة مباحث، يعطي لها عنوانها، ويقسمها هي الأخرى تقسيما منهجيا، فيجعل لها مدخلها ومخرجها ومحتوياتها التفصيلية. وتكشف مواد هذا القسم ـ التي تم عرضها قبيل قليل ـ عن النهج التأليفي والطابع الاستقلالي، اللذين يحكمانه بوضوح شديد.
ويتضح من عرض هذه العناوين أنها انقسمت إلى مقاطع تأليفية ـ ستة تقريبا ـ مدخلية (استهلال)، ومخرجية (الخاتمة)، وأربعة مقاطع كبرى (مباحث)، تشكل جوهر محتوى القسم (أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ عمر الفاروق رضي الله عنه ـ عثمان ذو النورين رضي الله عنه ـ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه). ويتخذ كل مقطع اسم الخليفة المرصود له عنوانا، وتحته ترد عناوين تفصيلية في سيرة ذلك الخليفة. وهذا في حد ذاته نهج تأليفي آخر، وُفِّق إليه الشاعر، وبرهن من خلاله عن تنوع طاقاته التأليفية، ومراكمة خبراته فيها.
لقد كان تعامل الشاعر مع حياة كل خليفة من الخلفاء الراشدين مختلفا من الناحية المنهجية، مما أكسب تأليفه لها تنويعا فيما بينها، ومخالفة للمألف في كتابة التراجم بشكل عام. فإذا كان يوافق الكتابة الترجمية موافقة كلية في الابتداء بمحكِّم العلمية (اسم المترجم له الكامل وما يتصل به)، فإنه مزج بين ماوفقتها ومخالفته في الختم، فعادة ما تُنهى التراجم بمحكِّم الوفاة، وقد وافقها الشاعر في ترجمتين على الأقل (أبو بكر الصديق رضي الله عنه (وفاته رضي الله عنه) ـ عمر الفاروق رضي الله عنه (الاستشهاد)، وخالفها حين قدم الوفاة في ترجمة علي بن ابي طالب (استشهاده رضي الله عنه)، جعلها عنوانا للمقطع الثاني، واختار خاتمة غير مألوفة لها (شجاعته). كما نوع في حجم تعامله مع التراجم، ففصل تفصيلا في سيرة كل من عمر (عشرة مقاطع)، واختصر قليلا في سيرة كل من أبي بكر وعلي (ستة مقاطع)، واختصر اختصارا شديدا في سيرة عثمان (مقطعان)، حسب ما يقر في وجدانه لكل شخصية من تقدير، وما يجده لديه من تجاوب مع مجريات حياتها.
3ـ مسلك جعل القسم مقاطع:
عمد الشاعر بسبب الطول المشار إليه آنفا إلى تقطيع القسم من القصيدة إلى جملة من المقاطع، تعامل معها بتعاملين مختلفين:
ـ عنونة المقطع بالكلمات أو العبارات: وهو ما يتمثل في مقاطع تقدمتها عناوين لغوية، عبارة عن كلمة، أو مجموعة من الكلمات (عبارة)، يختلف كمها بحسب طول القسم، وبحسب خيارات الشاعر، التي يملك وحده سلطة تقديرها. وهكذا يجد القارئ نفسها أما عناوين داخلية للقسم من القصيدة، مختلفة الكم والحجم، وهي بصورة:
ـ الهمزية ـ القسم 1 (في رحاب المدينة المنورة): وتضمن خمسة عشر عنوانا داخليا، تراوح عدد كلماته بين الكلمة الواحدة والخمس كلمات، وهي كما جاءت مرتبة في القسم:
إشراقات ـ یا رسول الله ـ معجزاته صلى الله عليه وسلم ـ طيبة المنورة ـ المسجد النبوي ـ ها هنا يرقد الهدى ـ الروضة الشريفة ـ البقيع ـ جبل أحد ـ مسجد قباء ـ مسجد القبلتين ـ مسجد الغمامة ـ حدائق النخيل ـ الإياب ـ يا إلهى.
ـ الهمزية ـ القسم 2 (في عرصات النور: مكة المكرمة): وبه أحد عشر عنوانا مقطعيا، اتخذ له ما بين الكلمة والثلاث، وهي مرتبة من القسم:
استهلال ـ في رحاب مكة ـ البيت المشرف ـ ماء زمزم ـ الصفا والمروة ـ عرفات ـ منى ـ ربي ـ صل على الهادي ـ ويح نفسي ـ بعد عام ـ
ـ الهمزية ـ القسم الثالث (ومضات من حياة الخلفاء الراشدين): لقد كان تعامل الشاعر زويريق مع هذا القسم تعاملا متميزا، ذلك أن النهج التأليفي المتعامل مع الكتابة السيرية، أو الترجمية، فرض تأليف القسم مستقلا بمداخله، الافتتاحية والاختتامية، وتقسيم ما بينهما بعدد الخلفاء الراشدين، وترتيب مادة سيرة كل خليفة ترتيبا خاصا، يتوافق ومقتضيات حياته، وأهم الأحداث التي طبعتها وميزتها، فكان تعاملها مع سيرة أبي بكر بغير تعامله مع سيرة عمر، وكذلك بالنسبة لبقية الخلفاء، مما منح للشاعر فرصة لتحقيق التفاوت في عدد العناوين، وللتنويع فيها، وفي ترتيب المواد والمقاطع. وكانت عناوين هذا القسم الخمسة والعشرين بالشكل التالي:
ـ استهلال؛
ـ أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ التحاق الرسول بالرفيق الأعلى ـ البيعة ـ حروب الردة ـ جمع القرآن الكريم ـ وفاته رضي الله عنه؛
ـ عمر الفاروق رضي الله عنه ـ هجرته ـ عمر والتحاق الرسول الأعظم بالرفيق الأعلى (ص) ـ عمر وعام الرمادة ـ عمر والطفل الفطيم ـ عمر وعمرو بن العاص ـ عمر وأموال الدولة ـ عمر والشورى ـ عمر وأقاربه ـ الاستشهاد؛
ـ عثمان ذو النورين رضي الله عنه ـ جولة في سفر حياته الخالد؛
ـ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ـ استشهاده رضي الله عنه ـ نومه رضي الله عنه في فراش الرسول ـ علي وعمرو بن عبد وُدّ ـ قبسات من سيرته رضي الله عنه ـ شجاعته؛
ـ الخاتمة.
4 ـ مسلك جعل القصيدة مؤلفا:
غلبت الخاصية التأليفية المتكاملة أحيانا على الشاعر ـ المؤلِّف، فكان حريصا على أن تكتمل قصيدته اكتمالا منهجيا بينا، محدد المعالم والفواصل والمقاطع الكبرى، فأتى متوفرا على “المقدمة”، و”الخاتمة”، وعناصر تأليفية بينهما تمتد من زمن الولادة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وتظلل عصر الشاعر، وتستخلص الحكمة والمغزى من ذلك الجرد. وقد تحقق ذلك في قصيدة “حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين”، التي اتخذت البناء التأليفي الآتي:
المقدمة ـ
عام الفيل ـ مولد النور ـ حال الجزيرة قبل البعثة ـ في جبل النور ـ انتشار الدعوة ـ قبل الهجرة ـ الهجرة النبوية ـ الله والفتح ـ حال الأمة العربية في عهد الرسول ـ حال الأمة العربية الآن ـ وقفة عابرة على معجزاته (ص) ـ
الخاتمة.
5 ـ مسلك جعل القصيدة مقاطع:
حينما يعمد الشاعر ـ المؤلِّف إلى أن يحكم قصيدته بالتقسيم، ويجعلها مقاطع، ليعبر عن سلوكه المنهجي تجاهه، والذي يفرض تقسيما معينا، يفكر فيه ويدركه، ويحاول نقله للقارئ ليتعامل مع القصيدة على ضوئه، ويستحضره خلال قراءتها وفهمها وتحليلها، وإعطائه الاعتبار الصحيح الذي يستحقه. وقد تحققت تلك التقسيمات في جملة كثيرة من القصائد، ولم يكن هذا أمرا مستغربا، لأن التفكير المنهجي، والتأليف بعقلية الباحث الجامع المنقب، والتطويل في القصائد، يفرض التقسيم للتحكم في التأليف؛ ولكن اللافت حقا هو طريقة تقسيمه تلك القصائد، والتي جمعت بين طرق منها:
5ـ 1ـ المقاطع بعناوين لغوية:
وفيها نجد أشكالا مختلفة من العنونة، تجمع بين:
ـ عناوين أسماء أعلام بشريين: ويتشكل بصورتين: إما أن يكون عنوانا مركزيا للمقطع ولا تفصيل تحته، وهو كثير في قصيدة “روضة النسرين في سيرة المبشرين” (أبو بكر الصديق ـ الفاروق عمر بن الخطاب ـ عثمان بن عفان ـ علي بن أبي طالب ـ عبد الرحمن بن عوف ـ سعد بن أبي وقاص ـ الزبير بن العوام ـ طلحة بن عبيد ـ أبو عبيدة بن الجراح ـ سعيد بن زيد)؛ وإما أن يكون عنوانا مركزيا يشتمل على عناوين مقطعية أخرى، كما في القسم الثالث من قصيدة الهمزية “ومضات من حياة الخلفاء الراشدين” ()؛
ـ عناوين حدثية: تتخذ أحداث التاريخ مواضع للعنونة، وتجسد ذلك قصيدة “حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين”، التي أتت عناوينها المقطعية بصورة: المقدمة ـ عام الفيل ـ مولد النور ـ حال الجزيرة قبل البعثة ـ في جبل النور ـ انتشار الدعوة ـ قبل الهجرة ـ الهجرة النبوية ـ الله والفتح ـ حال الأمة العربية في عهد الرسول ـ حال الأمة العربية الآن ـ وقفة عابرة على معجزاته (ص) ـ الخاتمة ؛
ـ عناوين ترجمية أو سيرية: تتخذ من الأعلام وأسمائهم ووقائع حيواتهم مادة لعناوينها، ويتعلق الأمر بقصيدتي “روضة النسرين في سيرة المبشرين” والهمزية في قسمها الثالث الخاص بـ”ومضات من حياة الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم ـ”؛
ـ عناوين متواردة متقاربة الموضع: لا يكاد يميز فيها بين عنوان القصيدة وعنوان المقطع الأول، كما نجده في قصيدة “روضة النسرين في سيرة المبشرين”، التي تحمل عنوان أول مقطع لها “نفحات من سيرة المبشرين بالجنة”، حتى ليتساءل القارئ: هل هما عنوانان لقصيدة واحدة، أم أن الأمر يتعلق بعنوان القصيدة، ثم بعنوان المدخل؟
5ـ 2ـ المقاطع معنونة بالبياض:
يأتي البياض المسيطر على سطر فاصل بين كتابة وأخرى، أو بين آخر سالف كتابة وأول تالي كتابة، بمثابة عازل بين الكتابتين، واعتراف باستقلال كل واحد منهما عن الآخر، وتسطير البياض فارق أولا، ومميِّز ثانيا، ومحمل بدلالة ُتعلن نهاية ما تقدم وبداية ما سيأتي. وفي هذا اعتراف بالخاصية العنوانية للبياض. وهذه المميزات لا تتوفر في غير البياض من العناوين، حروفية كانت، أو رقمية، أو مزيجا منهما.
ويمكن للبياض أن يُشرع من طرف المؤلِّف أو المصنِّف، وهما اللذان يمنحانه مشروعية أن يكون عنوانا، ويحددان له موقعه ومساحته، ولكنه لا يمكن أن يُغلق بعد ذلك من طرفهما، بل الذي يعطيه مشروعية الغلق، أو الاستمرار في الفتح، هو القارئ، وله إمكانية جعله مفتوحا على خيارات عنوانية مختلفة، وعلى تعدد دلالات كل عنوان. وهو اغتناء لافت. ويمكن لهذا الاغتناء أن يتنامى ويتكاثر، ويتسع ويتواصل، بتعدد القراء، وتوالي إسهاماتهم في قراءة النص، وترويج حركة دائبة ونشيطة حول النص المقروء.
ب ـ 3ـ البناء الموضوعي:
تمتاح القصيدة المدحية عند الشاعر إسماعيل زويريق عموما مما كرسه تناول مختلف الشعراء، وعلى تباين الحقب والأزمان، والبيئات والظروف، والاتجاهات والمذاهب، وتركز من ذلك على شخص الرسول الكريم بالوصف والمدح لصفاته وخصائصه وكرائمه ومعجزاته، ونسبه وزوجاته وأبنائه وآله، ونبوته ومراحل الدعوة ورسالته، وفضله على صحابته وقومه وعلى البشرية جمعاء. كما تنتقل إلى رصد حال الشاعر من إقرار بالضعف واعتراف بالذنب، ولواذ بحب النبي، وجعل المديح شفيعا، ورجاء الثواب، والالتجاء إلى الله والصلاة على الرسول، والاستغفار والتوسل والدعاء. وتلتفت أيضا إلى رصد التقلبات التي اعترت الأمة، وشكوى حالها وحال أبنائها.
ويختلف البناء للموضوع في كل قصيدة بحسب العناصر، التي يستحضرها الشاعر من مكونات القصيدة المدحية عموما، وطريقة ترتيبها، والأهمية المعطاة لكل منها، والترابطات التي يقيمها بينها، ونجاحها في استحضار دلالاتها وأبعادها، ودرجات تأثيرها، في واقع الناس اليومي، وجوانب الحياة المعاشة، قديما وحديثا وحاضرا.
ج ـ مذيلات النص:
وهي كتابات تأتي في آخر النص، وتكون إما كتابات رقمية أو حروفية، وقد رصدت مسألتين:
ـ التوثيق: ويكون بالأرقام والحروف، أو بالأرقام فقط، لتسجيل تاريخ كتابة القصيدة باعتماد التاريخ الميلادي باليوم والشهر والسنة، وحدث ذلك في قصائد محدودة لا تتجاوز ست قصائد (شلت يمينك 242 ـ سوف أسقيك مهينا 245 ـ أيها القس 247 ـ لا تكن غبيا 249 ـ (ج 4) ـ نصحتك 313 ـ تشوق 322 (ج 5)). وتحقق ذلك بأساليب مختلفة إما اليوم والشهر السنة بالأرقام كلا، أو أن اسم اليوم وتاريخه والشهر بالحرف والسنة وحدها هي التي ظلت بالأرقام [10ـ9ـ2010. 20/9/2010. فاتح أبريل 2011. الأربعاء 30 مارس 2011. الخميس 20 سبتمبر 2012. 24ـ10ـ2012.]. وكُتب معظم هذه القصائد لرصد حالات عدائية ضد الإسلام، والرد عليها؛ وواحدة منها (تشوق) هي التي رصدت حالة اشتياق للرسول صلى الله عليه وسلم وزيارته. فكانت حدثا مهما يستحق التوثيق التاريخي لأنها كانت بمثابة حروب وجدانية ولسانية وبلاغية وإعلامية يخوضها الشاعر ضد أعداء محمد؛ أو حدثا خاصا مؤثرا عميقا في حياة الشاعر (تشوق).
نص توضيحي: وهي كتابات تتوخى تقديم توضيحات حول النص، وقد ذيلت بها أربعة نصوص (شلت يمينك 242 ـ سوف أسقيك مهينا 245 ـ رمضان 251 (ج 4) ـ طوبى لمن عرف الإسلام 396 (ج 5))، تختلف حجما (أقصاها كان 6 أسطر تستهدف إما التعريف بظروف ومناسبات النص، بالمزيد من التفاصيل لما تقدم في أول النص (شلت يمينك)، أو بتكراره (سوف أسقيك مهينا)، أو باختصاره وتحديد مكانه وزمانه (طوبى لمن عرف الإسلام)؛ وإما تحديد الاتجاه الفني للنص ـ المعارضة ـ والأصل المعارض وصاحبه ومصدره (رمضان). وجميع النصوص المذيلة بتوضيح مناسبتها مفتتح لها بنص نثري.
د ـ الإطار الفني:
يحاول الكثير ممن تعرض للقصيدة المدحية عند الشاعر إسماعيل زويريق أن يحشرها في خانة واحدة، هي أضيق من أن تتسع لقوتها وعظمتها وسمو همة صاحبها، وتلك الخانة هي “المعارضة” والمعارضات. وتعني المعارضة المحاكاة والمجاراة، أو لنقل بمفهوم أعم التقليد، وتقدم لها مقابلات أخرى متداولة في نقدنا القديم من مثل: المقابلة والمحاذاة والمماثلة، وغيرها مما استُجلب من النقد الحديث كالنصية والتناص والتناصية والتعالق النصي والاتساعية.
ولقد كانت المعارضة أسلوب تأليفي قديم في الشعر العربي، ظهر منذ أوائل عهوده، ووصلتنا من نماذجه داخل العهد الواحد ذاك الذي كان من قصيدتي امرئ القيس وعلقمة الفحل، التي حكَّمت أم جندب بينهما، وذاك الذي كان من أمر شعراء النقائض؛ ووصلتنا من العهدين المختلفين مما يمكِّنه احتذاء التالي للسالف معارضة الأخطل لكعب بن زهير، والكميت لعمرو بن كلثوم، وأبي تمام لبشار، والبحتري لطرفة بن العبد.
ومثلما سافرت المعارضة بالشعراء خارج أزمانهم، طوحت بهم خارج أوطانهم وبيئاتهم، فربطت بين ابن هانئ من المغرب والمتنبي من المشرق، وبين ابن شرف القيرواني وجرير في لاميته.
وكانت القفزة أحيانا قوية جدا بحيث ربطت شعراء من العصر الحديث بشاعر من العصر العباسي، شد أنظارهم بقصيدته المتميزة (البحتري في سينيته وأحمد شوقي (1864 ـ 1932م) وعبد الله بن عمر بلخير السعودي (1915 ـ 2002م).
وفي المديح النبوي كانت المعارضة عماد القول، وتمحور معظمها حول “بردة” كعب بن زهير (بانت سعاد)، وحول “بردة” و”همزية” البوصيري، فكان كل من يتقصد القول في هذا الفن لا يجد مهربا من الولوج إليه عبر هذه النصوص الثلاثة.
ولم تقتصر المعارضة على فن واحد من القول، بل خرجت من الشعر لتكتسح فنون القول الأخرى، كالرسائل (الخوارزمي وبديع الزمان)، والمقامات (ابن دريد وبديع الزمان والحريري وابن شرف القيرواني)، بل إنه ليمكن القول بأن ما من فن قولي يعصى عليها، فهي حاضرة في كل الفنون متى أريد لها الحضور.
ومما يلفت النظر أن الكثير من الدارسين عملوا على حصر قصائد المديح النبوي عند إسماعيل زويريق في مجال المعارضات، وإن كان جزء كبير منها يخالف هاته الصفة، لأنه كان نابعا من إحساس الشاعر الخاص في تفاعله مع لحظات وذكريا وأحداث، فردية أو جماعية، يعيشها شعب معين، أو قطر جغرافي محدد، أو تعم الأمة الإسلامية، وتتشارك الاحتفاء بها والتأثر لها، والتفاعل معها. وكل ما كان على سبيل المعارضة فقد حاول الشاعر التنبيه عليه، إما من خلال العناوين، أو من خلال العبارات والمعاني، أو من خلال الأوزان والأعاريض والقوافي والأروية، وإما من خلال تلك المرتفقات، التي كانت تتقدم العنوان، أو تتخلف عنه، أو تذيل القصيدة، والتي لم يكن الشاعر يخفيها، بل إنه كان يعتز بإتيانها، ويضع نفسه في مضمار المنافسة، التي قد ترفعه، أو تساويه مع نده، أو تتأخر به عنه. ولأن ثقته في نفسه كبيرة، ولأن تيقنه من قدراته الشعرية أكيدة، ولأن تمسكه بصدق عاطفته المكينة، وتشبثه بقوة عقيدته الراسخة، لا تدبدب فيه، فإنه كان يعلن دخوله المضمار، ويستعد للنزال، وهو متيقن أنه لن يكون مهزوما، بل إنه سيأتي في المراتب المشرفة، إن لم تكن المتقدمة أو الأولى.
غير أن ما يجب التنبه له في المعارضة عند زويريق أنها لا تكتفي بتوظيفها على سبيل المجاراة والمماثلة والتقليد، وإنما تريد التعلم ممن تقدم في تواضع العالم العارف، والمحاكاة لما اعتُرف له بالجدارة والاستحقاق، على سبيل إثبات الذات والقدرات، والتجاوز والتفوق على من حاز الفضل، واحتل الصدر، وتنصب على عرش التقديم، ونال حظه من التتويج والتفخيم.
كما أن تقصده للمعارضة لا يبتغي من خلاله لفت الانتباه إلى شعره، وإنما ترد لديه على سبيل نوع من الاعتراف لمن سبقوا إلى تناول الموضوع، ولمن تقدموا فيه، ونوع من الشكر للذين ألفوا فيه، وإحاطتهم بما يستحقونه من التقدير البليغ، والتنويه الجليل، وقضاء لحظات مهيبة، ممتعة وشيقة، في حضرتهم البهية، واستدعاء القارئ لمقاسمة جمال اللحظة، وبهاء الشعر، وجلال الإبداع.
ثم إن الحرص على المزيد من لفت الانتباه إلى أعمالهم، لا يقتصر على مجاراة أعمال الكبار والعظام والقدماء، بل ومن الناشئين في زمنه، ومن هم في سن أبنائه أيضا، اعترافا منه بشاعريتهم، وتقويما لإنتاجهم، وتشجيعا لهم على مواصلة العمل، في مجال المديح النبوي وفي غيره، فأن يقلِّد الصغيرُ الكبير، والكبيرَ سنا وشاعرية، أمر عادي ووارد، ولكن أن يقلد الكبير الصغير، والصغيرَ سنا وشاعرية، فهو المثير واللافت حقا. فشاعرية زويريق تجعله يهيم بقصيدة المديح كيفما كانت، ومهما كان عمن صدرت، وفي أي بلاد الأرض نبتت، ويزيد هياما بها كلما راقت واستجادت، وحلت واستطابت. لقد حولت المعارضة الشاعر زويريق إلى باحث نقِّير، وجمّاعة نقِّيب، يتتبع كل ما قيل في هذا الموضوع، ويدرسه درس فاحص مقلب، ومتمحص معقِّب، ويقومه بميزان الموضوعية والاحتراف، وبمعايير العدل والإنصاف، فإذا بلغ منه مبلغ الرضى، وحاز من نفسه الإعجاب والتقدير، عبَّر عن كل ذلك بالنسج على منواله، والنخل بغرباله، ووضع أقل غايته في أن يبلغ مبلغه، وأن ينهج منهجه، فإن حقق ذلك الأقل، ومع الكثير من الشعراء العظام، والفطاحل الكبير، فقد كان الأكثر عظمة، والأكبر كبرا، وأما إن زاد على ذلك القليل، بأن يتجاوز المعارَض بأشواط، بل وبشوط، فلا عظمة إلا عظمته، ولا كبَر إلا كبَره.
وهكذا فالمعارضة عند شاعرنا لا تقف عند التطلع إلى مستوى النص المعارض، وإلى بلوغ درجة شاعرية صاحبه، وإنما تستشرف تجاوزه أيضا، والتفوق عليه، والاعتراف حين ذكر ذلك النص بأنه ليس واحد الميدان، بل هناك مزاحم منافس، ومجادب مشاوس، يُذكر إلى جنبه، ويُوضع في مدرجه. فإذا تحقق ذلك في العديد من النصوص لشاعرنا، فهو حقا فحل الميدان، وفارس الرهان.
لقد كانت المعارضة في ديوان “على النهج” مجالا لإبراز القدرات، وأسلوبا للإبداع، وقد ولجها الشاعر لا للاعتراف له بالشاعرية في هذا المجال، وإنما لإثبات التفوق فيه، ولنزع الجدارة والاستحقاق من غيره، فهو شاعر المديح النبوي في هذا الزمان وبلا منازع، بل وفي كل الأزمان، فهل من مدافع؟!.
إشكالات التأليف:
للتأليف إشكالاته العديدة، والتي يمكن أن يطرح بعضا منها مع كل مؤلِّف، شاعر وغيره، ويمكن أن يقتصر على جانب منها، متعارف ومتداول، مما يعكس نوع مقاربته لقضية التأليف، والتي لا يمكن أن تكون إلا مقياسا للمؤلِّف، ودرجته من الاعتياد والغرابة، إذ المؤلِّف المتميِّز هو الذي يخوض مغامرة التأليف، ويقتحم مجاهلها، ليثير وجوها مختلفة من الإشكال، ويبعث قضايا مستفزة منه، فيدعو القارئ العادي والناقد المتخصص إلى الوقوف عليها، والتأمل فيها، وفهمها وطرحها لإغناء قضية التأليف، وفتح آفاق منها، وطرح أسئلة محفزة لتجاوزها. وعلى هذا فبقدر ما يثير المؤلِّف من إشكال التأليف، ما يبعثه من قلق فيه، وما يحدثه من ضجة حوله، بقدر ما تكون قامته التأليفية؛ وبقدر ما تخفت وتتضاءل وتهدأ وتستكين، وتغلف نفسها بالصمت، بقدر ما يكون صاحبها عابرا للتأليف، مارا عليه.
ولشد ما يثير متفحِّص ديوان “على النهج” عند تأمله في جانب التأليف فيه، فيدعوه إلى إثارة جوانب كثيرة ومختلفة منه.
ومن تلك الكثرة مسألة ألوان التأليف المختلفة في الديوان، فقد مارس الشاعر الكثير منها، بدءا بالقطعة الشعرية والقصيدة، الشطرية والمقطعة والمزدوجة، والقصيدة المطولة، وبدرجات مختلفة، تقارب المائة بيت، وتتجاوز المئات فالآلاف، والقصيدة المتوسطة والقصيرة، ومعايير حجم كل منهما. والقصيدة الأقسام، والقصيدة المقاطع والقصيدة المقطع، والقسم الجزء من القصيدة، والقسم القصائد، والقصيدة الأجزاء من الديوان، وجزء الديوان الجزء من القصيدة…
ولا يخفى بأن لكل لون من هذه الألوان خصوصيته، وميزاته التأليفية، وقضاياه وصعوباته، وتتطلب الإحاطة بها موسوعية من المهارات والخبرات التأليفية، التي لا يمكن أن تتوفر بسهولة لشخص ما، ولا يمكنه التحكم فيها بمرونة وتلقائية.
وقد استطاع الشاعر أن يحشر هذه الألوان التأليفية المتنوعة والمختلفة، المتداخلة والمتقاطعة، المتناغمة والمتعارضة، في ديوان واحد، وهو ما لا يستطيع الكثير من الشعراء جمع بعضه، ولا أقل أقله، في مجموعة من الدواوين.
ومن تلك الكثرة مسألة المعارضة في التأليف، ونوع فهم الشاعر لها، أهي اكتفاء بحل الأصل في المنسوج عليه، وتوقف عند ذلك؟ أم أنها إضافة وإغناء؟ أم أنها تجاوز وتفوق؟ أم أنها اختراق وإبداع؟ إن عرض هذه المستويات على الديوان قد يدعو الباحث إلى إعادة النظر في الكثير من انطباعاته وفهومه.
ومن تلك الكثرة القصيدة ومكوناتها، عنوانا ونصا ومرتفقات.
فالعنوان إشكال تأليفي واسع وعريض عند زويريق، سواء بتنوع مصادره، أم باختلاف أحجامه، أم بتباين مواقعه، أو بتوحده وتعدده، أو بسبل انتقائه، أو بطرق التصرف فيه ومعه، باقتطاعه من النص أو بابتداعه، والدواعي إلى كل ذلك، وما يعكسه من مهارات تأليفية، وغايات كتابية عند الشاعر، أو بتباين أشكاله: باللغة مرة وبالبياض أخرى، بالتنظيم القار تارة، وبالتنويع المشوش أخرى.
وللنص إشكالاته كذلك، من حيث الحجم والتقسيم والتقطيع والبناء الإيقاعي والبناء الموضوعي، والظواهر البلاغية، والترتيب والتقسيم المنهجيين الداخليين للنص، والخارجيين مع نصوص أخرى، ومداخله ومخارجه ومحتوياته، ولكل منها طرقه وصيغه، وصعوباته وتساؤلاته، وتوسيع فن المديح النبوي وإغناؤه بقضايا العصر.
وتطرح المرتفقات جوانب أخرى من إشكالات التأليف، بفرض حضور النثر إلى جانب الشعر، واستخراج المؤلِّف الناثر من الشاعر، وصور التأليف النثري التي يمكن أن تزاحم القصيدة، ومواقعها وموضوعاتها ودواعيها وغاياتها، ونوع تأثيرها على النص وعلى القارئ، ومدى خدمتها للنص أو تشويشها عليه، وقياس درجة الحاجة إليها، وحجمها ونوعها، ومدى تحققها، ومساءلة هذا التنوع الذي اكتسته، وما يحققه من خدمة للقصيدة، ودواعيه: ألأن الشاعر كان بصدد البحث له عن نظام خاص لارتفاق النثر بالشعر؟ أم لأنه كان يتوخى التنويع والتفنن فيه؟ أو أن الأمور كلها كانت عفوية ولم يعر الشاعر لارتباطها بالنص اعتبار تأليفيا؟
ومن ذلك الكثير أيضا التحول الذي حمله الديوان عن شخصية الشاعر، والذي أخرج صاحب “على النهج” من مجرد شاعر ذي صورة واحدة، إلى الشاعر ذي الصور المتعددة، برسم صور جديدة مختلفة ومتنوعة له، ستغني بورتريه الشاعر وفق ما حفظته موسوعة التأليف عنه، وتنقله إلى صورة شاعر باحث، ثم إلى شاعر متخصص، ثم إلى شاعر سبّاق، يتميز بالبحث له عن تحطيم الرقم القياسي في المديح النبوي، وكلها صور جديدة علينا، وتغير النظرة إلى حقيقة الشاعر، أو لنقل إلى حقيقة المؤلِّف، الذي خرج عن صورة الطفرة في التأليف، التي تقرن بين نضج الإحساس وتدفق العبارة على اللسان، ليستوي كل ذلك شعرا، إلى مؤلف باحث منقب، يبحث له عن مادته ويجمعها ويدرسها، ويستفيد مما تزخر به من إمكانيات تأليفية، وقدرات ومهارات وبراعات، والحرص على التمكن منها، ثم البحث عن سبل التفوق عليها، بالتطوير والإغناء والإضافة ووضع اللمسة الخاصة.
ومن أخير ذلك الكثير، وليس آخره، بناء القصيدة الموضوعي وعناصره وتنوعه، وأشكال التنويع ودواعيه، وقد وفر لنا الشاعر مادة خصبة ووفيرة لذلك بتقديمه لعشرات القصائد ـ في هذا المدروس ومئاته فيما لم يدرس ـ وي موضوع واحد وموحد، سيسهل على الباحث ترصد أنواع التأليف وسبله وإمكاناته، والتغيرات التي طرأت عليه عند الشاعر الحديث، وسيمكن من رسم خريطة بنائية دقيقة وعلمية إلى حد كبير عن مكونات وضوابط البناء الموضوعي لقصيدة المديح النبوي، وثوابته التأليفية، واختراقاته وآفاقه.
كانت هذه بعض إشكالات التأليف، التي طرحها ديوان “على النهج”، مما سمحت به هذه العجالة، وليس كلها، وتحت كل إشكال، وكل نقطة منه، ما قد يتطلب مجهودا ووقتا، ويكشف جوانب هامة من التأليف، ويعمق الفهم للظاهرة، وخاصة في الشعر، ويدعو إلى تغيير الكثير من الأحكام والمواقف.
التألق في التصنيف في ديوان على النهج:
بداية تجدر الإشارة حين إثارة قضية التصنيف، إلى أنها عالة على التأليف، فهو المرحلة البانية والأساسية والممهدة للتصنيف، ولولا التأليف ما كان هناك تصنيف، فالشاعر المصنف ـ إن تحقق فيه ذلك ـ يدين بالكثير من الفضل، بل والفضل كله، للشاعر المؤلف، ويضيف إليه أنه يعكس وجها آخر من وجوهه، لا علاقة له بمستواه من التأليف، ويمكن أن يحكم عليه منه بدرجات تتراوح بين النجاح الباهر والفشل الذريع.
ملامح التصنيف:
ملامح التصنيف غير ملامح التأليف، ذلك أن التصنيف، وفي الشعر، يشتغل على مادة خام، مكتمِلة مهيَّأة، هي مجموع القصائد التي أنتجها الشاعر عبر محطات مختلفة من حياته وبدافع ظروف متباينة، قد أخرجها للناس مجزأة، أو ظلت محفوظة لديه في أوراقه الخاصة، حتى قرر يوما بعثها من مرقدها، فيكون لقاءها الأول معه بين دفتي مصنف، تنتظم في سياق خاص، بتقسيم يختاره لها المصنِّف، وبترتيب معين، وتتجاور إلى جنب بعضها، وتؤثر فيما بعدها، ويدفع آخرها إلى إعادة قراءة أولها، ويضع لها بوابات مدخلية وفق ما يراه، ويقتضيه مجموع التأليف، ويقترح لها بوابات مخرجية وفق كل ذلك أيضا.
يمكن الحديث حين التصدي للتصنيف عند مصنِّف معين، عن عمليات تصنيفية، يتصورها ويعمد إلى إخضاع مصنَّفه إليها، ويكون ذلك بطريقتين: إما بتقديم فرش نظري عنها، يَبْسُط فيه مُعتزَمه ويشرحه ويفصِّل فيه، وقد يتطرق لدواعيه وأفضاله على التصنيف، وغالبا ما يقع ذلك في التماهيد والمقدمات؛ وإما بالعمد مباشرة إلى الإجراء دون تقديم ولا بسط ولا شرح، فيرى القارئ المادة التأليفية، تخضع لجملة من الإجراءات والعمليات، عليه أن يدركها، وأن يتلمس دواعيها، ويستشف فوائدها، وله بعد ذلك أن يتقبلها أو يردها، مدافعا او مهاجما. وبناء عليه، يمكن أن نميز بين مصنِّف يجمع بين البسط لعمله بالفرش النظري لعملياته التصنيفية، ويتبعه بالتنزيل له؛ وآخر يمر مباشرة إلى الإجراء، ويكون بمثابة مصنِّف إجرائي.
ومن هنا نصل إلى أن زويريق كان مصنِّفا إجرائيا في العمليات التصنيفية، التي قام بها خلال تجزيئه للديوان، أو في تعامله مع البناء الكلي للديوان. وكان كذلك مصنِّفا مبدعا، يغير تلك العمليات من جزء لآخر، ويجنب القارئ الوقوع في الرتابة والملل، ويخوض به رحلة استكشافية في كل جزء، بحيث لا يمكن لجزء سابق أن يرسم مسار الجزء الموالي من حيث التصنيف، ولا أن يتكهن بالذي سيكون عليه، ولو بأبسط التقريب، ولكن كل جزء يبقى مفاجأة مكتومة حتى يطرح نفسه بين يدي قارئه، وله بعد ذلك أن يكتشف بنفسه نظامه التصنيفي، والعمليات التي انبنى عليها.
وقد صنف الشاعر إسماعيل زويريق أشعاره في خمسة أجزاء، ضمنها ديوانا سماه “على النهج”، وتعامل مع الأجزاء غير تعامله مع الديوان، لاختلاف طبيعة كل منها، مما اقتضى أن يفرد كلا التصنيفين بتعامل خاص.
أولا: ملامح التصنيف في الجزء من الديوان:
إن الحديث عن أجزاء الديوان يقتضي الحديث عن تجارب مختلفة بعدد أجزاء الديوان الخمسة، التي قد تكرر بعضها، وقد تتخذ كل واحدة منها مسارها الخاص، فتتعدد التجارب، وتغتني المغامرة مع المصنِّف، ويغري الاكتشاف بالموصلة معه في استمتاع غامر، وإعجاب شديد.
ويمكن أن تتعدد التجارب في كل جزء من أجزاء الديوان، ومن جوانب مختلفة، بما في ذلك عتباته، المُدخِلة والمُخرِجة، وما يساق بينهما من قصائد، لا تقبل أن تكون عتبة من العتبات، وإنما جوهر التأليف. وفي كل نقطة من هذه النقط ينفتح في وجه المصنِّف باب واسع من الحرية، يمكِّنه من عرض خياراته التصنيفية، التي يفضلها، ويراها مناسبة لعمله، ويحرص على أن يعرضه على القارئ من خلالها.
وفعلا فقد اختار الشاعر لكل جزء قالبا تصنيفيا غير الذي اختاره للذي يليه، على الرغم من وحدة العنوان والمادة والغاية من التأليف والغرض من التصنيف، مما جعل تلك القوالب التصنيفية الخمسة، التي جعلت كل قالب في جزء، تشكِّل ملامح المنهج التصنيفي في مجال الشعر عند زويريق.
1ـ العمليات التصنيفية:
1ـ 1ـ العنونة:
اختار المصنِّف أن يخصص اسما للعملية التصنيفية، الذي هو بصدد القيام بها، ليتعاقد عليها مع نفسه أولا، ثم مع القارئ ثانيا، ولتحكم كل الخطوات التي ستندرج تحتها. واختار لذلك عنوانا مركبا من شقين: أصلي وفرعي، الأصلي عنوان الديوان، والفرعي تجزئ ترتيبي للأصلي، على صورة: “على النهج ـ الجزء الأول”. فأما العنوان الأصلي فسيتم الوقوف عليه حين تناول ملا مح التصنيف في الديوان، وأما الفرعي فهو ما سيتم تناوله الآن، إذ سلك الشاعر ـ المصنِّف في سبيل تعامله مع عنوان الجزء مسلكين: تجزيئي (الجزء)؛ وترقيمي حروفي (الأول ـ الثاني ـ الثالث ـ الرابع ـ الخامس). وكانت الغاية منهما إشعار القارئ بأن الرحلة مع الديوان ستكون طويلة، وستحتاج استنهاض همة، واستقواء بالصبر، واستطالة نفَس، لأن إعلان البداية معلوم ومحدَّد ومتوافق عليه، ولكن ما من أفق لحد النهاية، ولا وعد بذلك.
2ـ العتبات:
جرت العادة أن يكون لكل مصنَّف مداخل، على اختلاف مسمياتها وأنواعها ومحتوياتها ودوافعها؛ ومخارج، على تنوعها وتنوع رغبة المصنِف فيها، والدواعي التي تستدعيها، والفوائد الجالبة لها. ولذلك فإن لكل مصنَّف مداخله ومخارجه، التي تميزه عن غيره، وتثبت أهميتها، وسداد اختيار المصنِّف لها، ومنها يمكن اعتماد أحكام على جودة التصنيف من رداءته.
1ـ 2ـ 1ـ المداخل:
لكل جزء من الأجزاء الخمسة مدخل على الأقل (ج 4)، وربما فاق هذا العدد حتى يصل إلى حدود التسعة (ج 5)، وهي مداخل مختلفة الكُتاب والأحجام والأنماط.
أ ـ كُتابها:
كانت كتابة المداخل كلها من طرف الشاعر ولم يند عن ذلك إلا مدخل لأول جزء كتبه الباحث محمد زهير (مقدمة الجزء الأول من ديوان على النهج صص7 ـ 12)، وبعدها انبرى الشاعر لكتابة مداخل ديوانه، فل لأنه لم يكن مرتاحا لما كُتب؟ أم لمن سيكتب؟ أم لأن في نفسه أشياء عايشها أثناء إنشاء الديوان ولم يجد من يوصلها للقارئ أكثر من نفسه، لأن هل مكة أدرى بشعابها؟ أم لأنه كان لا يريد إزعاج أصدقائه ومعارفه من الباحثين بتجشيمهم مهمة كتابة المداخل، وهي مهمة صعبة ثقيلة المؤونة عند من يقدرها حق قدرها، فآثر تحمُّل ذلك عنهم، نظرا لما عُرف عنه من دماثة أخلاقه، التي تجنبه التثقيل على الآخرين، وحرصه على أن يكون خفيف الظل حيثما حل وارتحل، وأينما ذُكر وعُرف.
ب ـ أحجامها:
تتراوح أحجامها ما بين الثلاثة أسطر (القسم الثاني أعذاق النور تحته ثلاثة أبيات ص 257). وقد تملأ الصفحة والصفحات وإلى حدود الخمس صفحات (مقدمة الجزء الخامس صص 295 ـ 299)، والست صفحات (مقدمة الجزء الأول من ديوان على النهج ـ محمد زهير صص7 ـ 12)، والثماني صفحات (توطئة صص 123 ـ 130). وكلما تكاثرت على أبواب مدخل من مداخل جزء من الديوان كلما شغلت حيزا أكبر، وتطلبت من القارئ جهدا أكثر، فلا تكاد تسلمه لقراءة الديوان إلا بعد خض وشد، وأخذ ورد، بما تحمله من تعدد مباحثها، وتنوع موادها، واختلاف قضاياها المثارة، فقد بلغت مداخل الجزء الخامس على سبيل المثال عشرون صفحة (صص 290 ـ 309).
ج ـ أنماطها:
جاءت بمختلف اللغات، منها لغة الشعر (القسم الثاني أعذاق النور تحته ثلاثة أبيات ص 257) ولغة النثر. وتنوعت ألوان النثر ما بين الشكر والإهداء والكلمة (كلمة للشاعر صص 73 ـ 75) والرسالة والتوطئة (صص 123 ـ 130)، والمقدمة بالمفرد (مقدمة الجزء الأول من ديوان على النهج ـ محمد زهير صص7 ـ 12 ـ كلمة للشاعر صص 73 ـ 75)؛ والجمع: (مقدمات: كلمة عابرة صص291 ـ 294)، والدراسة بأنواعها التحليلية (مقدمة الجزء الخامس صص 295 ـ 299 ـ المطولات في الشعر العربي: رجع على بدء ص 305)، والإحصائية (1ـ المجموعات الشعرية في المدائح النبوية ص 300 ـ 2ـ الشعراء المكثرون في المديح النبوي ص 300 ـ 3ـ أصحاب المطولات ص 302 ـ أصحاب الدواوين الشعرية في مدح الرسول صص 303 ـ 304 ـ أصحاب المطولات صص 306 ـ 309).
1ـ 2ـ 2ـ المخارج:
أ ـ غياب المخارج:
على عكس الاغتناء والتنويع والتطويل، الذي عرفته العتبات المدخلية، لم يسعف الحظ أي جزء من الديوان بأن يحظى ولو بعتبة مخرجية، وكيفما كانت لغتها ونوعها وحجمها، ومهما يكن صاحبها. وقد يضعنا هذا الوضع أمام بعض الإشكالات التصنيفية مفادها:
لماذا لا يختار المصنفون من يكتب لهم اختتامات او تقويمات أو وقفات نهائية أو نهايات لأعمالهم، وبمسميات مختلفة، وكتاب متغيرين، مثلما يحرصون على ذلك في أوائل أعمالهم، والتي قد تشمل أنواع التقديم من مقدمة وتصدير وتوطئة، وقد يختلف كتابها حتى ليبلغون الاثنين والثلاثة؟
ولماذا يصر المصنف على كتابة خاتمته هو شخصيا، ولا يريد لأي كتابة أخرى لغيره أن تتلوها، على عكس المقدمة التي يتسامح فيها مع غيره، ويفسح له المجال، وقد يفسحه لأكثر من واحد، ولا يحصره بحجم معين؟
ويطرح إشكال آخر في تصنيف الدواوين، التي لا أقول تستعصي على الختم وإن كان بإمكان البعض أن يفكر بهذه الطريقة، ولكن أقول لا تستجيب للختم بالصورة المتعارفة، ولكنها مع ذلك تستوجب أن تختم، ولها حقها المنهجي في ذلك، وقد يختتمها الشاعر بقصيدة معدة خصيصا للختم، يدل على ذلك عنوانها أو موضوعها، وكما وجدنا هنا مع الشاعر إسماعيل زويريق (“الخاتمة” (الهمزية القسم 3) ـ الخاتمة مميزة بعنوان وموضوعها الدعاء: “يا إلهي” (الهمزية القسم 1)؛ وموضوعها التقويم الزمني: “بعد عام” (الهمزية القسم 2) ـ (حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين)).
وفي حال عدم توافر ذلك، أيمكن اعتبار أي قصيدة، مرتبة في ذيل القصائد، تفرض أن تكون ختما بحكم اقتراح صاحب الديوان لها، وبحكم الموقع (آخر قصائد الديوان ـ نهاية الديوان)؟
أيحق لأي قصيدة حصلت على الوضع في آخر الديوان أن تعتبر ختما له، وبالتالي فإن لكل قصيدة تضمنها الديوان حظها في أن تكون هي الخاتمة له، شريطة أن يحالفها الحظ فتأتي في الترتيب أخيرة، وإن وجب ألا يعد الترتيب في الأخير دائما مصادفة في القصد، ولا محالفة في الحظ، وإنما قد نعتبره أحيانا عثار حظ، وتقليل شأن؟
ب ـ الفهرسة:
من مخرجات التصنيف الفهارس بشتى أنواعها، والتي تحاول ا، تيسر سبل الوصول إلى مادة المصنَّف بسهولة، وغايتها تقريب مادته، وإظهار مختلف اوجهها، وإبراز أهميتها، ووضعها بطرق علمية محكَمة تحت أنظار القراء. وقد اكتفى زويريق في أجزاء ديوانه بفهرس واحد، وهو فهرس الموضوعات، وكان بمثابة دفة القيادة للتحكم فيما يحتويه الكِتاب من محتويات ـ مداخل وقصائد ـ والتأشير على مواقع تواجدها منه. ولم تُلحق بالمصنِّف فهارس أخرى، مما يمكن بفضلها تسهيل عمليات القراءة على القارئ، ولذلك فعليه القيام بباقي العمليات الأخرى، إن احتاج لها، لأن المصنِّف كان مؤلفا وليس دارسا ولا محققا.
1ـ 3ـ بين العتبات:
فيما بين العتبات، أو ما يمكن أن نسميه أيضا “بين المداخل والمخارج”، أو خارجها، تُساق المادة الجوهرية للتأليف، ويتم العمد إلى عرضها في شكل تصنيفي ما، للقارئ أن يحكم، بعد التعامل معه، بتوفقه من عدمه، وله أن يحدد أسباب ذلك ومسؤولياته، وكيف كان من الممكن تجنبها، لعله يفيد الأعمال التصنيفية القابلة كي تتجنبه وتستفيد من الهفوات فتصححها، أو من التوفقات فتنميها وتطورها.
وقد يتساءل المرء ما الذي يمكن أن يفعله شاعر، وهو يصنف ديوانه، أو أي مصنِّف، وهو يعرض لعمل شعري بالتصنيف؟
ليس بوسعه أن يفعل الشيء الكثير، عدا أن يقدم القصائد مُقسَّمة وفق التقسيمات الشائعة والمستهلكة (المواضيع أو الأغراض ـ الأوزان ـ النصوص كاملة: قصائد وقطع، ثم النصوص غير الكاملة: الأشطر ـ الثابت نسبته والمنحول)، مرتبة بالترتيبات المعروفة والمحدودة، والخاضعة للمعايير المتعارفة (الروي ـ الزمن)، وهي ضوابط تقيد من الخيارات التصنيفية المتاحة أمام المصنِّف، وتأخذ بخناقه، وتضيِّق من مجال حريته، وميله إلى التنويع والمخالفة، فتأتي الأعمال الشعرية المصنَّفة، يكرر بعضها بعضا، وتجترُّ نفس الأسس المنهجية.
فهل خضع شاعرنا المصنِّف، لما هَمَّ بعملية التصنيف، لهذا المتعارف، وسار على نهج غيره من مصنفي الشعر، أم أن له محاولات تميزية، حاول من خلالها إغناء التجربة التصنيفية للشعر، كشاعر يدلي بدلوه في هذا المجال، ويعرض أسس التصنيف للشعر، وكما يراها شاعر مبدع، وليس كما يراها مصنف محترف للتصنيف، ولكنه يبقى وافدا من خارج الإبداع الشعري؟ فإن كان وحصل، فما هي مقومات هذه التجربة؟ وما المميَّز فيها؟ وهل حالفها التوفيق؟ وما درجاته فيها، والتي يمكن عدها إسهاما في مناهج تصنيف الشعر، وتطويرا لها وإغناء لمقوماتها؟ ألا يمكن أن نقيس، من خلال أعمال زويريق، إسهام الشعراء في حركة التصنيف ومناهجه وهو ينكبون على إخراج أشعارهم؟ وهل سيقومون بالأدوار نفسها وهم يخرجون أشعار غيرهم؟
إن استعراض عمل الشاعر التصنيفي يمكننا من ملاحظة ثلاث عمليات أساسية قام بها أثناء تصنيفه لديوانه “على النهج”، ويمكن حصرها في عمليات تجزئ مادة الديوان، وتقسيمها، وترتيبها.
1ـ 3ـ 1ـ تجزئ المادة التأليفية:
عمد المصنِّف إلى تجزئ المادة التأليفية، أو محتوى الكِتاب، التي كانت عبارة عن قصائد شعرية فعرضها بطرق شتى، وجعل لكل جزء محتواه، واختار له طريقة عرضه. وقد كان تعامله مع القصائد المعروضة إما بعرضها كاملة، سواء أكانت قصيرة أو متوسطة الطول، وحتى بعض الطوال (). وأما القصيدة الأطول ـ الهمزية في 2341 بيتا ـ فقد اضطر إلى تقسيمها أقساما ثلاثة، وعرض كل قسم في جزء من الأجزاء الثلاثة الأولى، مرة متأخرا في الجزء، وأخرى متقدما فيه، وثالثة مستقلا به. وقد يعرض آنا القصيدة القصيرة ويتبعها بالطويلة، وقد يقوم آنا أخرى بعكس ذلك. ولكن الملاحظ أنه ليس هناك نظام يحكم طريقة العرض، ولا تصور مخطط له، ينظم المادة التأليفية، ويختار لها طرق عرضها، وسبل ترتيبها، وأساليب تقديمها. ويبقى الجامع بين محتويات الأجزاء هو موضوعها الواحد الموحَّد، والذي يدور حول المديح النبوي، بمنظور تاريخي وتقليدي، يستعيد رؤى السابقين، وتجديدي حداثي يقدم رؤية هذا العصر وأهله له، وانشغالاتهم فيما يخصه.
أ ـ التجزئ مع الاختلاف الكمي:
لم تكن محتويات كل جزء مساوية لمحتويات غيره من حيث كم القصائد، ولا عدد الأبيات، بل كان لكل جزء حجمه الكمي المختلف، والمغري بشد القارئ إليه حتى نهايته، وتشوقه يزداد كلما قطع معه شوطا، وطوى صفحات.
وقد جاء ذلك الاختلاف الكمي على الصورة التالية:
| أجزاء الديوان | عدد القصائد | عدد الأبيات | عدد الصفحات |
| الجزء الأول | 3
وقسم من قصيدة |
962 | 63 |
| الجزء الثاني | 3
وقسم من قصيدة |
668 | 48 |
| الجزء الثالث | قسم من قصيدة | 1125 | 80 |
| الجزء الرابع | 23 | 1388 | 88 |
| الجزء الخامس | 35 | 1911 | 131 |
ولم يقتصر الاختلاف الكمي بين أجزاء الديوان على عدد القصائد، ولا على عدد الأبيات، ولا على عدد الصفحات، بل تجاوز ذلك إلى محتوياتها، مما مكن القارئ من التقلب بين ألوان تأليفية وتصنيفية غير مكررة، وكشف كذلك عن نضج تصنيفي متنام عند الشاعر ـ المصنِّف.
ب ـ التجزئ مع التنويع الموضوعي:
كانت المواد التأليفية محكومة بالتنوع، كانت المواد التأليفية محكومة بالتنوع، وحين إخضاعها للتصنيف رافقها التنويع من جزء لآخر، بحيث أن الجزأين الأولين تكونا من قسم من قصيدة (الهمزية) مع مجموعة من القصائد المختلفة من حيث محتواها وأصلها المعارض وصاحبه وزمنه ونهجه التأليفي، وكل قسم من “الهمزية” كان مختلفا عن الآخر في موضوعه وحجمه، بحيث أن القسم الأول جاء تحت عنوان “في رحاب المدينة المنورة”، والقسم الثاني بعنوان “في عرصات النور: مكة المكرمة”؛
بينما اقتصر الجزء الثالث على القسم الثالث من “الهمزية” وحده، ولم تلحق به أية قصيدة أخرى؛ وأتى الجزآن الرابع مشتملا على مجموعة من القصائد ولكنه بتقسيم خاص، في حين أن الجزء الخامس اشتمل أيضا على مجموعة من القصائد المختلفة، ولكن بدون تقسيم. وكانت قصائد الجزأين الرابع والخامس على تعددها وكثرتها مختلفة من حيث الموضوع، ومن حيث التوجه والبناء والحجم.
ج ـ تجزئ المادة التأليفية:
لم يعمد الشاعر المصنف إلى استنساخ تجربته التصنيفية من جزء إلى آخر، لأن شيطان الشعر والإبداع يركبه حتى وهو مصنِّف، وخالف عادة المصنفين المحترفين، الذين غالبا ما يميلون، في حال جزأوا عملا ما إلى أجزاء، إلى الخضوع لنظام تصنيفي واحد في جميع الأجزاء، وبالصرامة الأكاديمية المعهودة والمطلوبة، فجاء كل جزء لديه مُشَكَّل بطريقة خاصة، ومركَّب من عناصر مختلفة، وحتى وإن تشابهت، وكانت هي العناصر نفسها، فإن الشاعر يقدمها بطريقة مختلفة من جزء لآخر.
فإذا كان الجزء الأول والثاني يكادان يتماثلان في نوع المادة التأليفية ـ قصائد ـ وكمها ـ ثلاثة قصائد وقسم من قصيدة مطولة ـ فإن التجزئ اقتضى تقديم قسم أول من “الهمزية” في الجزء الأول، وقسم ثان منها في الجزء الثاني. واقتصر الجزء الثالث على قسم ثالث وأخير منها، بينما احتوى الجزء الرابع على ثلاث وعشرين قصيدة، والجزء الخامس على ثلاث وثلاثين قصيدة، تشطرها قصيدتان طويلتان (“حديقة الرياحين” و”روضة النسرين في سيرة المبشرين”) إلى شطرين، كل شطر يشتمل على كم شبه متعادل من القصائد (15/ 16).
1ـ 3ـ 2ـ تقسيم المادة التأليفية:
إن تعامل المصنفات مع مواد التأليف، واستعراض ألوان التقسيم المنجزة فيها، يجعلنا نفهم بأن له موجبات ملزمة تفرضه فرضا، وتقف خارج إرادة المصنِّف، فلا يجد مهربا منها، ومهما أبدى من استعداد للتحكم فيها، والتغلب عليها، فلا يجد إلى ذلك منفذا. ولعل أبرزها طول النصوص وحجمها الكمي، والمدة الزمنية التي تتطلبها كتابتها، فتنشأ متفرقة في الزمن وتخرج للناس متفرقة في الطبع، ثم المنهج وما يفرضه من تقسيم، يوجب إخراج الأقسام معزولة، أو مجزأة. كما أن النص غير التام يستدعي تقسيمه إلى أقسام متواصلة، يتمم بعضها بعضا، ولا تنتهي إلا بانتهائه، ولغزارة الإنتاج دور في فرض التقسيم، وهي غزارة لا تعني الكم الكثير المتوفر، ولكن قد تعني أيضا الكم الكثير المتواصل. ولا يمكن أن نغفل ما للموضوع من دور في التقسيم (النبي في المدينة ـ النبي في مكة ـ الخلفاء الراشدون).
وعلى هذا، فقد يعمد المصنفون إلى تقسيم المادة التأليفية لدواعي عدة، منها ما هو منهجي، ومنها ما هو موضوعي، ومنها ما هو كمي، ومنها ما هو زمني، ومنها ما هو فني، ومنها ما يكون لداع طباعي. وعلى هذه الدواعي يمكن أن تبنى ألوان التقسيم، فنجد ضمنها:
ـ التقسيم بِداع منهجي: يحدث داخل العمل التام، المكون من جزء واحد، تدعو إليه بعض الضرورات المنهجية أثناء التعامل مع الموضوع، فيكون مقسما إلى أقسام كبرى، أو أبواب، وغيرها؛
ـ التقسيم بداع موضوعي: حينما يكون موضوع التأليف متشعبا يقوم على جوانب، تتطلب تقسيمه أقساما موضوعية، كل قسم يوفر من المادة ما يستلزم أن تقدم مفصولة؛
ـ التقسيم بداع كمي: بحيث يكون طول الموضوع سببا في تقسيمه؛
ـ التقسيم بداع زمني: وذلك إذا كانت مدة التأليف ممتدة، ومقسمة على فترات، وكل فترة توفر من المادة ما يكفي ليخرج للناس في جزء؛
ـ التقسيم بداع فني: حينما يقرر المصنف، أو المشرف الفني، إخراج الكتاب مجزأ وفق تصورات فنية، تتحكم في حجم الجزء ومحتواه وعناصر ترابطه بالأجزاء الأخرى؛
ـ التقسيم بِداع تجزيئي: يحصل داخل التجزئ وهو تفصيل يلجأ إليه المصنف داخل الجزء من الكتاب حينما يكون مجزأ إلى عدة أجزاء.
ويمكن التمييز بين أشكال مختلفة من التقسيم، لعلها محصورة في ثلاثة: صريح وضمني وغائب.
فأما التقسيم الصريح الذي يعلن في الجزء من الكتاب، ويعلَّم عليه، ويميز تمييزا لفظيا أو عدديا، أو هما معا، أو بعبارة تتضمن الاسم والترقيم الترتيبي (عناوين)، ويأتي الشكل الصريح في المصنفات الشعرية التجزيئية بطرق عرض مختلفة، يمكن أن يُذكر من بين ما ورد منها عند زويريق، وقد عُلِّم عليه بلفظة “القسم”:
ـ الجزء أقسام: الجزء يقسم ويشتمل على أقسامه كلها ومثاله الجزء الرابع الذي كان مكونا من قسمين: القسم الأول: نبويات ـ والقسم الثاني: أعذاق النور؛
ـ الجزء قسم وحده: يشتمل الجزء على قسم وحده، وقد جسده الجزء الثالث الذي اقتصر على قسم واحد، هو القسم الثالث من “الهمزية” (ومضات من حياة الخلفاء الراشدين)؛
ـ الجزء قسم وقصائد: لا يشتمل الجزء على القسم وحده بل تكمله قصائد أخرى، ومنه الجزآن الأول، الذي احتوى على القسم الأول من “الهمزية”، تتقدمه ثلاث قصائد (بانت سعاد ـ البردة : يا شاكي البان ـ المرتجية)؛ والجزء الثاني الذي احتوى على القسم الثاني من “الهمزية”، يتقدم ثلاث قصائد (السينية في مدح خير البرية ـ كل مديح فيك مختصر ـ الدالية في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية)؛
ـ القسم جزء من قصيدة: وينطبق على الجزء الذي كان قسما وحده؛
ـ القسم واحد من أقسام ثلاثة، تتشكل منها القصيدة: مثلما تحقق في الأجزاء الثلاثة الأولى، التي ضم كل منها قسما من قصيدة (الهمزية)، انحصرت أقسامها في ثلاثة؛
ـ القسم قصائد مختلفة ومتعددة: وهو ما مثله الجزء الرابع بقسميه، بحيث احتوى الأول منهما على سبع عشرة قصيدة (القسم الأول: نبويات)، والثاني منهما على ست قصائد (القسم الثاني: أعذاق النور)؛
وأما التقسيم الضمني فيُعنى به التقسيم غير المميَّز، ولا المعلَّم، وغير الخاضع لأية عنونة، ويعتمد على يقظة القارئ، التي يمكن أن تتنبه للتقسيم، فتقف عليه، وتحدد معالمه وأدواره وسماته، ويمكن أن يخفى عليها.
فكل مصنَّف، كامل أو جزء منه، يغيب عنه التقسيم، ولا يصرح بإخضاعه له، يدخل ضمن هذا اللون. ولم ينج عند شاعرنا من التقسيم إلا الجزء الخامس، الذي كان مجموعة من القصائد المتفاوتة في الطول والموضوع (ثلاث وثلاثون قصيدة)، ولكنها غير خاضعة لأي تقسيم مسمى، أو معلَّم عليه، ما عدا توسط مطولتين (“حديقة الرياحين” (500 بيت)، و”روضة النسرين في سيرة المبشرين” (315 بيت)) لشطري باقي القصائد بـ 15 قصيدة في جهة، و16 قصيدة في جهة أخرى، مما يشي بأن الديوان مقسم إلى قسمين تفصل بينهما المطولتان.
وهكذا فالأجزاء الخمسة من الديوان يغلب عليهما التقسيم الصريح، ويندر الضمني.
3ـ 3ـ 3ـ ترتيب المادة التأليفية:
إن طرق الترتيب المتعارفة في تصنيف الدواوين الشعرية، كاملة أو مجزأة، لا تخرج عن خمسة ألوان من الترتيب، نذكر من بينها الترتيب الأبجدي حسب حرف الروي، وقد يُلجأ إلى ترتيب كل حرف حسب حركته الإعرابية؛ وهناك الترتيب وفق الموضوعات؛ والترتيب حسب زمن الكتابة؛ والترتيب حسب الثابت النسبة للشاعر والمنحول عليه؛ والترتيب وفق المتعارف المشهور له والمجهول. وقد كان للمشتغلين على تصنيف الدواوين الشعرية خيارات متفاوتة في اعتماد طريقة دون أخرى، وبدرجة من الصرامة المختلفة كذلك من مصنِّف إلى آخر.
وأما شاعرنا فلم يكن لديه خيار من هذه الخيارات، وخارجها يمكن أن نتلمس لديه ملمحين لخيارين: فقد كان ذوقيا في ترتيبه لقصائده داخل كل جزء، بحيث يقدم أحيانا القصائد التامة على القسم من القصيدة (الجزء الأول)، وأحيانا يعكس ذلك (الجزء الثاني)؛ وكان محكوما بزمن التأليف الذي يفرض حشر القصائد والأقسام التي ألفت بين الزمنين: زمن آخر إصدار وزمن طبع الجزء المتضمِّن لقصيدة ما. ولم نتحدث هنا عن الطريقة في الترتيب بقدر ما تحدثنا عن الملمحين، اللذين يمكن أن ينضجهما ما صدر عقب هذه الأجزاء الخمسة.
4ـ إشكالات التصنيف التجزيئي:
يطرح التصنيف التجزيئي جملة من الملاحظات، تثير بعض الأسئلة على المطالع، وقد تتكرر وتلح، وتتوارد وتتلون، وتتعمق حتى تنقلب إلى إشكالات حقيقية، تذهب بالباحث في سبل مختلفة، وتتقلب عليه في وجوه متشاكلة، لا يسعه إلا أن يحصرها، ويحاول أن يصوغها، وبعض منها ما كان حول التداخل بين التأليف والتصنيف؛ وحول التجزئ أهو حُكم بالتماثل أم إتاحة للتنويع؟ وحول غياب الختم؛ وحول المخارج المشتركة.
4ـ 1ـ التداخل بين التأليف والتصنيف:
في بداية هذه الدراسة تم الحرص على التمييز بين التأليف والتصنيف، وتم تحديد حقل اشتغال كل منهما ومحتواه، وزمنيهما، والقائم بكل منهما. وكان كل ذلك وجيها ومعتمَدا. ولكننا في أحد أجزاء ديوان “على النهج” وُوجهنا بتداخل بين العمليتين معا وزمنهما والقائم بهما، وخاصة في الجزء الثالث الذي كان قسما ثالثا وأخيرا من القصيدة المطولة “الهمزية” (2341 بيتا)، تحدث فيه الشاعر عن سير الخلفاء الراشدين الأربعة، وجعل لهذا التأليف مدخله (استهلال)، ومخرجه (الخاتمة)، حتى لأنه يكاد يبدو مصنَّفا مكتمل الجوانب والمناحي والخصائص والعمليات، لولا أن المصنِّف احتاج أن يقدِّم له بـ”توطئة”. فهل حصل في الجزء الثالث تداخل بين التأليف والتصنيف؟ هل انطلق الشاعر في تأليفه للجزء الثالث من منظور المصنِّف، وتعامل بتصوره، وحُكِم بعملياته؟ هل تراجع عن ذلك حين استواء التأليف، وقرر أن يضيف عملية تصنيفية بالتمهيد للجزء (توطئة) خارج افتتاح التأليف (استهلال)، فبرهن على أنه في التوطئة كان مصنِّفا، وفي الاستهلال كان مؤلِّفا؟
إنها واحدة من إشكاليات التصنيف، التي تطفو حينما يزاوج القائم على الكتاب بين مهمتي التأليف والتصنيف، فتتداخل لديه مهام المهمتين، ويخرج من الواحدة إلى الأخرى دون أن يشعر، ثم يعاود التراجع إلى من حيث خرج، ودون أن يتنبه أيضا.
4ـ 2ـ التجزئ أهو حُكم بالتماثل أم إتاحة للتنويع؟
غالبا ما يميل المصنفون المجزؤون لأعمالهم إلى نقل البناء التصنيفي للجزء الأول إلى غيره من الأجزاء، وكأنهم بالكاد عثروا عليه، أو وكأنهم بعد تفكر وتأمل طويل هداهم إليه، وبعد معاودة نظر شاقة أوقفتهم عليه، وبعد مكابدة مضنية وتعب لأجله، حصلوا عليه، ووُفِّقوا إليه، فاستحسنوه، ولن يفرطوا فيه، ولن يتحولوا عنه. فتبدو الأجزاء وكأنها تنسخ بعضها، فلا يجد المصنف مشقة تصنيفية، ولا يحتاج لبذل جهد عند كل جزء، بل يتنقل بين الأجزاء بيسر وسهولة. وبعد إعداد البناء التصنيفي، لم يعد يحتاج إلا لتوفير المادة التأليفية، ليصبها فيه، وليسوقها عبره. وعلى قدر ما يحس بلذة الراحة التصنيفية على قدر ما ينقل جزءا من ذلك للقارئ، وينقل إليه معه إدخال عقله في نوبة من الكسل الذهني، والارتخاء الفكري، ويوهمه بنوع من الترف العقلي، الذي يعطل طاقته المميِّزة له كإنسان وقارئ، ينمو بقدر ما يُعرض عليه، ويتطور بحسب ما يُقدَّم إليه، ويُحاصَر بما يُعاوَد عرضه عليه، ويُكرَّر تقديمه إليه، فإن كثرت الأجزاء، وقع المحذور من ملل وسأم، وربما تجاوزه إلى التبرم وتولية الأدبار، ليجد القارئ أن عقله وفكره في عطلة، تحرمه من اكتشاف قوالب تصنيفية جديدة، وليجد المصنِّف نفسه عاجزا عن الإسهام في إغناء مجال التصنيف.
وأما إذا ما خالف المصنِّف المجزِّئ هذا المسار، ومال عنه إلى المخالفة بين الأجزاء، واقتراح بناء تصنيفي مختلِف لكل جزء، يكد ذهنه من أجل التوصل إليه، ويلزم تفكيره بأن يعرض المادة التأليفية بصور بنائية مختلفة، فيزاوج بين المفاجأتين والجِدتين: ما يحمله الجزء من مادة تأليفية، وهي بالطبع ستكون مختلفة عما تضمنه غيره مما سبق أو لحق من الأجزاء؛ وما يحمله الجزء من بناء تصنيفي يعرض من خلاله المادة. فيكون المصنِّف قد اخترع وأبدع، واستمتع وأمتع، ونمى في القارئ هذه الطاقة، ودعاه إلى ألا يتكل على المطروق المتعارَف، وألا يجعل ديدنه النسخ والتكرار، بل ليتطلب التجديد أينما كان، وعلى وجه أي سبيل بالإمكان.
ولقد كان زويريق في تجزيئه لديوانه “على النهج” على هذه الصفة، وساعيا خلف هذه الصبغة، لا يرتاح إلا لتجديد، ولا يعرض إلا كل جديد، فقد نشأ الرجل على هذا وتَعوَّد. فمما أخبرني به أستاذي محمد الطوكي ـ بارك الله في عمره ـ أنه كان زميلا لشاعرنا في المرحلة الإعدادية عند أستاذهم الجرموني ـ تولاه الله برحمته ـ وحينما يطلب منهم إنجاز موضوع إنشائي معين، فإن التلميذ زويريق كان يقدمه منظوما شعرا، ليبرهن منذ صباه على أنه شاعر موهوب مبدع، يكتب الجميع غيره النثر ـ وهم مطالبون بذلك ومرغمون عليه ـ ويخالفهم هو التوجه، فيكتب الشعر.
4ـ 3ـ غياب الختم:
سبقت الإشارة في ملامح التصنيف في الجزء من الديوان، حين تناول المخارج، والتركيز على غيابها، إلى قضية الختم في التصنيف في الشعر، وأوجهه المستشكلة، وتم طرح تساؤلات قوية وعميقة حولها، والخلوص فيها إلى أن المصنفين في الشعر ـ سواء أكانوا أصحابه الأصليين: مؤلفين، أو كانوا رواة أو جامعين أو محققين أو دارسين ـ اعتادوا على تجاوز تخصيص المصنَّف الشعري ـ ديوانا كان أو جزءا منه ـ بختم شعري أو نثري. فهل يحق، مع هذا الوضع، أن تأخذ القصيدة المرتبة أخيرة، أن تأخذ محله، وتقوم بوظيفته؟ وما هي مواصفات ختم المصنَّف الشعري وأسسه وأدواته وغاياته؟
هل تغييب الختم، بالصورة المتعارَفة كمحطة منهجية تصنيفية، يُعتبر تمردا منهجيا، يرسمه الشعر في إطار تمرداته على مستوى التصنيف؟ هل هو رفض للإطار المنهجي المتعارَف؟ أم إصرار على التميز ولفت الانتباه؟ هل يمكن أن يتحول هذا التمرد، والإصرار على التميز، إلى خصوصية منهجية، تسم التصنيف في الشعر؟ هل أدرك الشعر أن ما هو متعارف من ألوان الختم وطرقه وأساليبه وقضاياه في مختلف التصانيف، لا يتناسب معه، ولا يمكن أن يرتضيه لنفسه؟ هل رفض الختم كما هو متعارَف بتر للمصنَّف؟ أيكون المصنَّف الشعري كاملا منهجيا مع غياب الختم؟ أم يبقى ناقصا وغير تام ومعاقا منهجيا؟ هل رفض الختم يمكن أن يُفهم منه، ومن وجهة نظر التصنيف الشعري، عدم إيمان بالنهاية، وعدم إقرار بالاكتمال، وعدم اعتراف بالوصول إلى الغاية، وتحقق الهدف؟ أم يمكن أن يُفهم منه إصرار على الانفتاح، وتأكيد على المواصلة؛ وأن ترابط حياة الشاعر، وتكامل مساره لشعري، وتتام قصائده، لا يمكن أن يحول دونه تقطع الإنتاج؛ وأن تجزئ الأعمال، وتناثر الإنتاج على مختلَف فترات حياة الشاعر، لا يمكن ان ينتزع عنه تواصل إنتاجه وترابطه، ولا وشائجية مساره الشعري، ولا توثق عرى قصائده وأشعاره، ولا تناغم وانسجام حياته الشعرية؟
ذلك أمر مشكَل حقا، يستوجب بحثا وحده.
4ـ 4ـ المخارج المشتركة:
ما دام التصنيف الشعري يتجاوز عن الختم ـ على الأقل بصورته المتعارَفة ـ ويفرض الإنهاء بغير ختم، أو يفرض ختمه بطريقته الخاصة، ويجعل القارئ أمام عتبة مخرجة ذات طبع خاص، فإنه يأبى إلا أن يعود للرشد التصنيفي، وينزع عنه شيطنة الإبداع، فيندرج ضمن إطار العتبات المخرجة المطروقة، لينهي كل جزء من أجزاء الديوان بفهرس للقصائد، اكتفى له بهذه التسمية، وحشر إليه بترتيب الصفحات عناوين القصائد، وكما هي مثبتة على رؤوسها، مع تغييرات طفيفة، لم أدر ما الداعي إليها؟ ولكنها تستوجب التنبيه عليها (في الفهرس: “كل مديح فيك مختصر”؛ والأصل في النص، وفي لائحة مجمل الأبيات أيضا: “كل مديح فيه مختصر” ـ في الأصل: “نفسي بحب رسول الله لاهجة”؛ وفي الفهرس وفي لائحة مجمل الأبيات: “نفسي بحب رسول الله” ـ في الأصل: “مشعل الحق ليس يخبو” وفي الفهرس وفي لائحة مجمل الأبيات: “مشعل الحق” ـ في الأصل: “ما الذي يغري في الزمان”؛ وفي الفهرس وفي لائحة مجمل الأبيات: “ما الذي يغري” ـ في الأصل: وفي الفهرس: “ومضات من أخلاق الرسول الأعظم”؛ وفي لائحة مجمل الأبيات: “ومضات من أخلاق الرسول” ـ في الأصل وفي الفهرس: “حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين”؛ وفي لائحة مجمل الأبيات: “حديقة الرياحين” ـ في الفهرس، وفي لائحة مجمل الأبيات: “يسر”؛ وفي الأصل “يسر فإن ظلال الموت تقترب” ـ في الأصل وفي الفهرس: “السينية في مدح خير البرية”؛ وفي لائحة مجمل الأبيات: “السينية” ـ في الأصل وفي الفهرس: “الدالية في الرد على من أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية”؛ وفي لائحة مجمل الأبيات: “الدالية” ـ في الأصل: “ذكرى المولد الشريف”؛ وفي الفهرس وفي لائحة مجمل الأبيات: “ذكرى المولد النبوي الشريف” ـ في الأصل، وفي الفهرس: “البردة/ يا شاكي البان”؛ وفي لائحة مجمل الأبيات: “يا شاكي البان” ـ القسم الأول والثاني والثالث من الهمزية في لائحة مجمل الأبيات؛ وفي الأصل والفهرس رقم القسم وعنوانه كاملا ـ ).
ثانيا: ملامح التصنيف في الديوان:
بعد الوقوف على ملامح التصنيف في الجزء من الديوان، ننتقل إلى ملامحه في الديوان، ونعني به الخصائص المنهجية التصنيفية على مستوى الديوان، أو التصنيف الكلي، أو ما كان يُطلق عليه في اصطلاحات التصنيف العربية ـ الإسلامية “المجموع” أو “الجامع”، أو “الجمع”، وقد اختصر لفظ “الديوان” هذه التعابير كلها، لأنه يُفترض فيه أن يضم شعر الشاعر كله. وقد كانت لتصنيف الديوان قديما، وعبر مراحل التصنيف التاريخية، وعند أعلامه، ملامح تصنيفية، تلتقي قطعا مع بعض ملامح التصنيف الحديثة، وتختلف عن بعضها الآخر بالتعديل والزيادة. وتبدأ مع العنوان المرصوص على وجه لغلاف الخارجي، وتنتهي بما رُص على ظهره، وتضم ملامح كثيرة بينهما، سنتعرف عليها تباعا.
1ـ العنونة:
اختار الشاعر لديوانه عنوانا تصنيفيا مختصرا، يتركب من كلمتين، وهما عبارة عن شبه جملة (على النهج). ولعل الاختصار يفرض استحضار ما طرأ على الكلام من تكثيف واختزال وحذف، وما يستوجبه للإحاطة بمعناه شاملا من تقدير وافتراض واحتمال، كلما اتسع كلما قارب المعنى أكثر، ولا يمكن أن ترسم لاتساعه حدود، مضبوطة، ولا دقيقة، لأن الحذف يخفي حقيقة ما حُذف، ولا يساعد على ضبط المقدَّر بصورة تامة، لأن من طبيعة الحذف فتح هامش التكهن والتخمين، والاجتهاد فيهما، والحكم بالتالي بتوسيع متن التقدير.
وهذا العنوان يوسع احتمال تقديراته يمينا وشمالا (… على النهج…)، بدءا وانتهاء، أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا. فهو يترك فراغا للفعل، الذي تتعلق به شبه الجملة، ما بين أسير وأمشي وأخطو وأعبر و… ويمكن أن تُقلب الأفعال إلى مصادر (سيرا ومشيا وخطوا وعبورا…)، أو إلى أسماء، كأسماء الفاعل (سائرا وماشيا وخاطيا وعابرا…).
ولربما أحس القارئ لأول وهلة، وهو أمام هذا التركيب، المنتهي بالاسم (… على النهج) بانغلاقه، وربما سقط ذلك الإحساس، ليبدو مجرد وهم لا يسمح بإتاحة فرصة مواصلة العبارة، وامتداد المعنى، فكل شيء يتوقف عند نهاية العبارة، غير أن مراودة ما تفتأ تفتح فرصة المواصلة شيئا فشيئا بنعت النهج، ليقال: على النهج الموصل والفالح والمنجح…؛ أو بتحدي صفة منتهجيه بتكرار توكيدي ليقال: على النهج نهج الرسول، والشاعر فلان، والشعراء، ومادحي الرسول، والسائرين والماشين والخاطين والعابرين والعاشقين والمحبين والقدماء والمحدثين والمقلدين والمجددين…. وتسترسل هذه التقديرات القبلية والبعدية باحتمالات، يصعب حصرها، أو التكهن بمداها، مما يوسع باب المعنى توسيعا عجيبا، لا يمكن أن تُرسم حدوده، ولا أن تُحصر آفاقه.
إن هذه المراودة الملحة للعنوان، والتي تنتهي به إلى هذا التفجير الإشعاعي، بحيث تتشظى مكوناته الدلالية شظايا لا حصر لها، وتنشطر كل شظية منها بدورها إلى شظايا لا عد لها.
وقد يفضي ذلك بقارئه إلى رسم الدلالة الكبرى والأساسية للعنوان، والتي ترتسم لها مسارا، لم تكن هي المبتدعة له، بل هي السائرة عليه، وعلى خطى آلاف السائرين ممن سبقوها إليه، وقد دُكت الطريق دكا، حتى لم تعد خطى اللاحقين تؤثر في الطريق، ولا تبقي لها أثرا عليه، غير أن احتمالات الإتمام المفتوحة في وجه العنوان وعلى قفاه، في أوله وعلى آخره، تسمح لهذه الدلالة الكبرى والأساسية لترسم لها دلالات متفرعة، كما تتفرع الطرق، وتشق لها ما شاءت من البنيات الطريق الجانبيةوالملتوية والمختصرة والخفية، وهي تغري بما لهامش من سحر، وبما للفرع من جاذبية، لا توجد في الغالب في الأساسي. فلم لا يقول زويريق: “على النهج نهجهم ونهجي”، في بداية الزيغ الشعري؛ ولم لا يغويه الزيغ، فيسحره، ليقلب العبارة إلى القول: “على النهج نهجي”؛ ولم لا يدع الغواية تستبد به، فيقول: على النهج نهج الغاوين، نهج الغاوين، نهج المفتنين، نهج العاشقين المتيمين، نهج الولهين المخمورين، نهج المسكونين المفتونين…
حينما تُرسم امتدادات العبارات، ولا يُعرف لها انحصار، حينها تنفسح آماد الدلالة، ولا تعرف لنفسها بداية ولا نهاية، وإن كانت عرفت لها طريقا ـ على النهج ـ ولا تدرك لامتدادها انكسار ولا انتصارا، انحباسا ولا انفساحا، انغوارا ولا انغمارا، فهي تتوالد وتثرى، وتتدافع وتُغنى، وتتلون بشتى الألوان، وتتشكل بما لا يُحصر من الأشكال.
لقد كان ديوان “على النهج” يعرف مسلكه إلى المديح النبوي، ولكنه يرتاده ارتياد رائد خبير، وباحث نقير، يعرف كيف يصل، ولا يحتاج إلى التدقيق في التفاصيل: على ماذا؟ ومتى؟ ومن أين؟ ولا يحتاج إيجاد الإجابات لأسئلة: ومع من؟ وبماذا؟… ولكنه يكفيه أن يسير ليستمتع بسيره، وليتغنى بعبوره، وليفتتن بالتفاصيل، وليصدف العابرين، فيحدثهم ويحدثونه عن عجائب العشق، وغرائب الافتتان، ولذيذ الشوق، وآسر الهيام.
2ـ الغلاف:
ولوجه غلاف الديوان ألوان متداخلة قليلة، يؤطرها البني من أعلى وأسفل، بما يشبه لون الجلد الآدمي، الذي شلوحته شمس السفر، واكتواء العبور. ويرسم وسطه دائرة غير مكتملة من الحافتين، بما يشبه محجر العين، وقد ضم صورة الشاعر البشوش، وقد حضنه التاريخ التراث، وعانقته الأصالة العربية ـ الإسلامية، وضمته البيئة المغربية، وتوسطه الطريق بدون بداية ولا نهاية، ورافقه النخل بهامته المنتصبة وجلاله، وعراقته الضاربة ومهابه، وصبره المقاوم، وعطائه المداوم.
ولظهر الغلاف بخلفيته البيضاء الناصعة، التي وشحها فن التوريق الإسلامي المتأصل، ورفوف خزانة الشاعر الملأى، التي تشي بغزارة لافتة، وانهمار خصيب، لا تعرف كيف بدأت، ولكنها تجد نفسها في مضمار العطاء، ونهج الكتابة، فانشدت إليهما، دون أن ترى لنفسها قائمة محصورة، ولا غاية محدودة، بل لا زال الانهمار في خصبه، الذي تلوح معالمه في الآفاق، ويحدثنا بلغة الاشتياق، وباعث التطلع، وحافز الاستشراف، ويعمر النفوس أملا، ويضيئها ترقيا، ويلهمها توقعا، لا يرضى لنفسه توقفا.
3ـ العتبات:
للتصنيف عتباته التي تتنوع وتتعدد، وتتوزع على مدخل المصنَّف ومخرجه، وبدايته ونهايته. ولنوع التصنيف دور فعال في تحديد أنواعها، وتقييد ألوانها، وليس له أن يحول دون الابتداع فيها، زيادة ونقصا، إطالة واختصارا، شعرا ونثرا. فما الذي اختاره الشاعر المصنِّف إسماعيل زويريق لديوانه في المديح النبوي من عتبات؟
3ـ 1ـ عتبات مدخل الديوان:
لم تزد عتبات مدخل الديوان عن عتبتين، آثرتا الإيجاز، فلم تتجاوز أطولهما بضعة أسطر (4)، وعدة كلمات (28)، وجمعتا بين المألوف (الإهداء)، فطبعته بالاختصار الشديد (11 كلمة في سطر واحد)؛ وبين النادر القليل (الشكر)، فكانت معه أكثر كرما، وأفسح كلاما.
أ ـ عتبة الشكر:
من الأفضل أن نستعرض عتبة الشكر، كما فضل لها الشاعر المصنِّف أن تكون، وأن تُعرض:
كلمة شكر
إلى الصديق الأعز محمد الحسن الشاوي
أقدم أزكى آيات الشكر والامتنان على تفضله بنشر هذا العمل
وإخراجه إلى الوجود مجتمعا
جزاه الله خيرا وجعله في ميزان حسناته
(ص 3).
هي أولى العتبات المدخلية، وقد اختار لها المصنِّف عنوان “كلمة شكر”، الذي لا يمكن أن يقاس لا بغلبة صيغة المفرد عليه، فالشكر ـ المصدر ـ هو الأصل عند البصريين، ومنه تشتق باقي الصيغ الصرفية؛ والكلمة عند البلاغيين تعني الكلام، الذي لا حصر له، مادته الكلمة، فهي جوهره، وقد لا تُعرف بدايته، ولا تُحد نهايته، فهو الكلمة/ الكلام، الذي هو جوهر الإنسان، ودليل وجوده، ومختصر حياته، وضامن بقائه (قل كلمتك وامش).
والكلام عماد كل فن وروحه، ينطلق صوتا وريحا وروحا، ويتجسد كتابة وأشكالا وألوانا وأنغاما وألحانا، وحركات وإشارات. والأصل في كل هذا الكلام تلك الطاقة الطبيعية، التي خُلقت مع الإنسان، وحمل في جسمه آلاتها، وزرعت في خلقه طاقاتها، وحوَّل الإنسان بعدها كلامه إلى ما شاء من ألوان أل ديدالفنون الأخرى، بما في ذلك الكتابة.
ومثلما كان الكلام انطلاقة فطرية للإنسان، و”نهجا” أساسيا في مسار حياته، فقد كانت الكلمة/ الكلام أول داخل هذا المصنَّف وانطلاقته، لتؤكد على النهج الفطري فيه، والإصرار على المواصلة، وإضافة كلمة الشاعر إلى بحر الكلام الزخار، ولن تكون كلمته كالنقطة من ماء في بحر، بل النقطة الملوِّنة للماء، الفاعلة فيه، والمتفاعلة معه، والمتوسِّعة من خلاله، والمانحة إياه بعض لونها. وكانت الكلمة حاضرة بالشكل (كلمة)، محدَّدة المحتوى (شكر). وإذا كنا اعتدنا عتبة الشكر في البحوث والدراسات، فإننا نادرا ما واجهناها في الدواوين خاصة، وغيرها من بقية المصنفات عامة، وحتى حينما كانت ترد، فإنها تجد لها موقعا في آخر التقديم، وبعبارات متعارفة ومحدودة.
فما هو جديد عتبة الشكر عند زويريق؟
أول جديد هو ما سبقت الإشارة إليه من إحداث الشكر عتبة في مصنَّف الديوان الشعري.
وثاني جديد هو الداعي إليه، بحيث كان الشكر بسبب التفضل بنشر العمل، وإخراجه إلى حيز الوجود مجتمعا، فيكون القائم بذلك فاعل من الفاعلين من التصنيف، وحجز لمكانته، وتحديد لمسؤوليته، واعتراف بدوره، وإقرار بأن التصنيف لا يتوقف على المصنف وحده، بل هناك فاعلون عديدةن في التصنيف، ونجاحه يقوم على تظافر جهودهم، وتكامل إسهاماتهم.
وثالث جديده هو الروح التي تلف عتبة الشاعر هاته، وتعكس شيئا غاليا ونفيسا من روح الشاعر، وطبيعة شخصه، المجبول على الاعتراف للآخرين بأفضالهم، واستوجاب الثناء عليها، ومدحها وحمدها، والجزاء عليها، الجزاء المعنوي (الكلام)، والمجسَّد الكتابي، والمخلَّد في بدايات التصنيف، بل وفي أولى بداياته، لأنه يستحق التقديم على كل ما عداه في نظر المصنِّف، بل إنه عماد التصنيف، لأنه خروج بالمصنَّف من السر إلى العلن، من الباطن إلى الظاهر، من الخفاء إلى الجلاء، من الخوف إلى الاطمئنان، من القلق إلى الارتياح، من التهديد إلى الأمان.
إنه تفعيل للتصنيف، وتبرع بإتحاف الناس به، وتكرم بمشاركته مع القارئ، وفرض لتقاسمه. كما أنه تفعيل للمديح، وإخراجه من دائرة المنشئ الواحد، والقارئ الواحد، والمتملك الواحد، والزمن المحدود، والمكان المحدد، إلى دائرة ما تبرح تتسع، دائرة المنشئين والقراء والمتملكين والأزمان والأمكنة التي لا حد لها، ولا حدود تقف عندها.
وتثير هذه العتبة التصنيفية على وجازتها مجموعة أمور، تستحق التنبيه، عليها والتوقف عندها، من أجل استجلائها، وكشف خاصياتها، وإبراز أهميتها التصنيفية والتأليفية والفنية.
فإذا كنا سابقا، وعلى طول هذه الدراسة، نقدم الأعمال الفكرية على أنها تحول من التأليف إلى التصنيف، وكان ذلك واضحا وجليا فيما قدمناه عن التأليف من خلال خطوات كتابة القصائد مفردة، متضامة في نص واحد أو موزَّعة على أقسام، مقطَّعة أو غير مقطَّعة، محدِّدة عناصر البناء وفواصله أو ساكتة عنها؛ وفيما قدمناه عن التصنيف من خلال تجميع القصائد وأقسام القصائد في أجزاء، وبنائها بناء تصنيفيا، وتجميع الأجزاء في ديوان، وإخراجه بصورة مصنَّف؛ فإننا سنتحدث الآن عن عناصر التصنيف التي تطرح كإطار، ثم يتم تأليف محتوى الإطار، ومثال ذلك تحديد عتبة مدخِلة للمصنَّف، وهي عتبة الشكر، والتحول إلى تأليف ما يناسبها، وتعبئتها به.
ولعل أول ما يلفت إلى هذه العتبة وجازتها، فهي بالكاد تأتي على أربعة أسطر، وهي بقياس حجم كتابة السطر النثري بعيدة عن ذلك، فقد تقف في حدود السطرين أو يزيد فليلا.
وثاني ما يلفت إلى هذه العتبة الخاصية التأليفية التي طبعتها، والتي تحاول التظاهر بتمدد النص، واتساعه وتفرعه، وتعدد أسطره وجمله، وما هو في الحقيقة إلا جملة واحدة، تم إعادة تشكيلها وتوزيعها وتقديمها بصورة تقول إنها عدة جمل وأسطر، تشكل نصا تأليفيا، هو جوهر عتبة الشكر، وإن أعدنا النص إلى صورته التأليفية الأصلية جاء على صورة:
أقدم إلى الصديق الأعز محمد الحسن الشاوي أزكى آيات الشكر والامتنان على تفضله بنشر هذا العمل/ وإخراجه إلى الوجود مجتمعا/ ـ جزاه الله خيرا وجعله في ميزان حسناته ـ
نص ينتهي بجملة دعائية، تتفرع عن المشكور ـ جزاه ـ اعتبرها النظام النحوي جملة اعتراضية، يمكن إسقاطها دون أن يتأثر المعنى، أو يختل البناء.
وعلى قدر التسامح قليلا في حجم العنوان، كان التسامح في بسط النص في أسطر أربعة، التي تتحول إلى جملة رئيسية واحدة تم العبث بأصلها التأليفي، وقُطِّعت تقطيعا فنيا، حاول أن يوهم بالتمدد، وتعدد الأبنية، وتنوع التراكيب، واغتناء التأليف.
وثالث ما يلفت إلى هذه العتبة الخاصية الكتابية، التي أخرجت النص عن صورته التأليفية العادية، وتصرفت فيه بالتقديم والتأخير، حتى كادت أن تُخفي أصله المألوف، وتوهم بأنه شيء غير ذاك. وأخرجت النص أيضا عن صورته الكتابية النثرية المتعارفة، إن عددناه نثرا، وأصل لغته يقول ذلك، وإن خرج عن ذلك الأصل؛ وعن صورته الكتابية الشعرية المتعارفة، إن عددناه شعرا، وطريقة تقديمه كتابيا مشكلا من أسطر تتوسط الصفحة، تقول بأنه شعر. فهل، ونحن مع عتبة الشكر بين ملامح الكتابتين: النثرية والشعرية، يمكن أن نتحدث عن فن ثالث، لا هو بالشعر، ولا هو بالنثر؟
ورابع ما يلفت إلى هذه العتبة خاصية العتبة التقديمية، التي تستفتح سطرها الثاني بلفظة “أقدم“، وهي الجملة المحورية لكلمة الشكر، وكما سبق توضيحه في الخاصية الثانية، ولفظة “أقدم” تصنف هذه المحطة التصنيفية ضمن العتبات (المقدمات)، وتعترف لها بذلك، ولا تقف عند حدوده، بل وتعترف من خلال هذه اللفظة أيضا بطبقات متراكبة من التقديم، وهي، على الأقل، ثلاث: أقدم المصنَّف، وأقدم الشكر، وأقدم التقديم.
وخامس ما يلفت إلى هذه العتبة خاصية التوصيف القرآني للتأليف والتصنيف، باستحضار لفظة “آيات”، وهي وإن كانت تدل لغويا على العلامات أو الأمارات، إلا أن الدلالة الفنية هي التي يجب أن تُجلِّل اللفظة، لأن المصنف والمؤلف معا في مقام فني تأليفي بنائي، وقد فرض ذلك على القارئ وجره إليه، فهل نضيف هذه الخاصية إلى ما سبقت الإشارة إليه، من الفن الثالث الذي يعتمد خصوصياته من الشعر والنثر، وهنا من القرآن، وفي موقع آخر سيأتي من الرسالة؟
وسادس ما يلفت إلى هذه العتبة خاصية بقايا البناء الرسائلي، وكما سبق اكتشافه في دراسة خًصصت لـ”الهاجس التصنيفي ـ الأسس والإواليات”، عند الشاعر المصري محمد الشحات، في دراسة انكبت على دواوينه العشرين، كشفت عن استدانة العتبات المخلية وخاصة الإهداء طابع الرسالة، وإبقائها على بعض ملامحها الشكلية، وأسسها البنائية، وقضاياها الموضوعية. وتجلى ذلك على مستوى عنوان الرسالة، وموضوعها الرئيسي أو محتواها، ودواعي الموضوع أو دواعي الكتابة عموما، فالدعاء. قد تم التصرف في هذه العناصر، بعد استدانتها من أصلها الرسائلي، بطريقة حولتها إلى عناصر بانية لعتبة الشكر، تكاد تستقل بمكوناتها، وتغطي على أصلها. وقد جاءت مكونات عتبة الشكر عند الشاعر المصنِّف محدودة في أربعة، غلب عليها طابع الإيجاز، والقصدية المتناهية:
1ـ المستهدَف بالشكر: يتقدم نص كلمة الشكر، ويتوجه إلى شخص محدد بألقابه واسمه الكامل، على صورة: “إلى الصديق الأعز محمد الحسن الشاوي“، ويحيل هذا العنصر في أصله الرسائلي على عنوان الرسالة، الذي تحول هنا إلى فاتحة للعتبة؛
2ـ موضوع العتبة ومحتواها الرئيسي: الذي تمثل في تحديد موضوع عتبة الشكر، بتسميته (شكر ـ امتنان)، وتحديد مستوياته، وطريقة التعامل معه، وذلك بالقول: “أقدم أزكى آيات الشكر والامتنان“، ويتناسب في الرسالة مع لونها أو الموضوع الذي من أجله أُنشأت؛
3ـ دواعي الشكر: برصد بواعث الشكر ودواعيه، والأسباب الكامنة خلفه، والتي حصرها المصنِّف في سبب واحد، حدده بقوله: “تفضله بنشر هذا العمل، وإخراجه إلى الوجود مجتمعا“، وهي قضية متفرعة عن المحتوى، متممة له، وكذلك تكون في الرسالة أيضا؛
4ـ الدعاء: تم ختم كلمة الشكر بكيل جميل الثناء إلى المستهدف بالشكر، وهو نوع من الجزاء الرباني، والمدخر ليوم تنفع الناس فيه أعمالهم، وقد ساقته العبارة: “جزاه الله خيرا وجعله في ميزان حسناته“، والدعاء من الأختام التي تطبع نهاية الكثير من الرسائل.
وبهذا نكون قد حصرنا عناصر عتبة الشكر، وفي الآن نفسه ربطناها بأصولها الرسائلية، ومواقعها منها.
ب ـ عتبة الإهداء:
بعنوان مختصر (الإهداء)، وبأقل ما يكون عليه الاختصار، تم تقديم عتبة الإهداء، وهي من العتبات التي لا يكاد يخلو منها مصنَّف، وغالبا ما يتجاوزها الدارس، وإن كان القارئ يقف عندها وقفة تجعله يبحث عما يميز هذا الإهداء الذي هو بصدد الوقوف عليه، وينصت بتمعن، وبكرم بالوقت، للرسالات التي يريد المصنِّف أن يبعثها من خلاله، فلا يرحل عنه إلا وقد ارتسم في ذهنه ووجدانه شيء كثير مما يخص المصنِّف، وقليل مما يخص العمل، وإن يكن، فهو غير مجد في موضوعه.
تشكل الإهداء بعد لفظة العنوان من سطر واحد، تَوسَّط الصفحة، ورسخ صفة الوجازة والاختصار، بحيث اقتصر على أقل عدد ممكن في كل عناصر الإهداء، إذ لا أقل من الواحد في اللفظة، أو في الجملة، أو في الأسطر. وقد جاء إهداء الشاعر المصنِّف لديوانه “على النهج” بحجم لفظة واحدة في العنوان، وجملة واحدة وسطرا واحد في نص الإهداء. وربما كان المصنِّف أكثر سماحة في عتبة الشكر، إذ تجاوز العدد واحد في لفظ العنوان، وفي أسطر نص الشكر، وإن أبقى عليه في الجملة.
ومن اللافت في هذا الإهداء الاختصار، الذي اعتمد تقنية الحذف، فاستغنى عن الفعل، الذي ترتبط به شبه الجملة، وقد بدأ بها النص:
إلى كل من يرى في هذا العمل المتواضع ما يستحق الثناء (ص 4).
وترك للقارئ تقديره، بما يفسحه التقدير أمامه من تنوع الاختيار، واغتناء الدلالة ـ وكما رأينا في نقطة سابقة ـ وتتوزع مواقع الاختيار بين أول عبارة الإهداء وآخرها، وتتنوع الاختيارات بين اقتراحات بالفعل وحده، وبالفعل مع المفعول به، وبصيغ عدة؛ وبالمصدر وحده، وبالمصدر مع المفعول به، بصيغ عدة؛ وبالاسم. وتتيح عبارة الإهداء للقارئ التعامل مع مجموعة من الاختيارات المتاحة بصورة:
ـ إلى كل من يرى… أهدي/ أقدم/ أعطي/ أمنح/ أهب/ أبعث… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… أهدي كتابي/ عملي/ مصنَّفي/ ديواني… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… أهدي كتابي هذا… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… أهدي هذا الكتاب… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… إهدائي/ تقديمي/ إعطائي/ منحي/ وهبي/ بعثي… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… إهدائي كتابي/ عملي/ مصنَّفي/ ديواني… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… إهدائي كتابي هذا… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… إهدائي هذا الكتاب… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… هديتي هذه… إلى كل من يرى…
ـ إلى كل من يرى… هديتي… إلى كل من يرى…
كما توطد شعرية الإهداء ما تحدثنا عنه من الفن الثالث، وبالأسس التي تم اعتمادها آنفا.
وتقرب عبارة “هذا العمل” العبارة النبوية “هذا كتاب”، أو “هذا كتابي”، وأصلها القرآني “ذلك الكتاب”.
وتقرب الأصلَ الرسائلي، من خلال عناوين الرسائل، الصيغةُ، التي اُفتتح بها نص الإهداء: “إلى كل من يرى…”.
وأما محتوى الإهداء فقد عكس حقيقة علاقة شخصية الشاعر المصنِّف مع عمله وقارئه وأشخاص آخرين، لم يسمح التأليف، ولا التصنيف، باستحضارهم، فتم حشرهم تحت العبارة الجامعة، واللفظة التعميمية: “إلى كل من يرى… “. وهذا اعتراف بدورهم الخفي في التأليف والتصنيف.
وعكس المحتوى أيضا الإحساس بالنضج التصنيفي، واستواء الديوان بين يدي شاعره ومصنِّفه، فصاغ ذلك بالقول: “هذا العمل“.
وعكس من المصنِّف خلقه ودماثة خلقه، وطيبوبة شخصه، بلفظة أخلاقية وجدانية: “المتواضع“، التي تعز في البسطاء والمغمورين، فكيف بالمعروفين والراقين؟
وعكس من المصنَّف خصائصه ومستواه، وتمكنه من حيازة صفات النضج التصنيفي، التي تؤهله لينال احترام القارئ، و”يستحق الثناء” منه. وتحت الثناء تندرج صفات المصنَّف العديدة، التي لا يمكن حصرها، بل هي رهينة بذكاء القارئ واجتهاده في الكشف عنها، وبراعته في إبراز ما لامس فيها، والذي سيختلف حتما عما لامسه غيره منها.
ولعتبة الإهداء عناصرها الأساسية، التي حملها هذا النص، مشكَّلة من:
1ـ موضوع الإهداء تصنيفه: باستعمال صيغة لغوية (فعل أو مصدر أو اسم) تصنف الموضوع، وتحدد ماهيته (أهدي)، وربما استرسلت في تحديد جملة مما يرتبط به ويكمله، وهي هنا محذوفة، ومرهونة بتقدير القارئ لها، ويعين على ذلك عنوان العتبة (الإهداء)؛
2ـ المُهدِي: المصنِّف ـ الشاعر، الذي آثر التواري والتخفي خلف المقدَّر (أهدي)، في مقابل أن يحتفي بالقارئ والمصنّف، ويفضل أن يفسح لهما المجال، ليكونا مركز الاحتفاء، ولينالا كل حظهما منه، فلأحدهما وبالثاني كان التصنيف، ولا قيمة له في غيابهما، والمهدي يحقق ذاته من خلال حضورهما وفعلهما والاحتفاء بهما؛
3ـ المتعلق الحرفي “إلى”: يقف هذا المتعلق شامخا في بداية معظم الإهداءات، وهو يرصد الغاية، ويحجب خلفه الأصل والبداية، أو لنقل نقطة الانطلاق (مِن)، ويقطع عامدا مستبدا الفعل، الذي أوجده (أهدي)، ومتعلقات ذلك الفعل، المقدَّرة والظاهرة (الفاعل والمفعول)، ويستحوذ على الحضور بقوة ظاهرة، وتعنت لافت، ويكون مضطرا لتقبل ما بعده، لأنه لا يستطيع أن يحضر فريدا نشازا، وقد يغالبه ما حذف حتى إذا وجد الفلتة أتى في نهاية عبارة الإهداء (إلى… أهدي ديواني)، وهو في جميع هذه الأحوال لا يتنازل عن التصدر والشموخ والتحكم. وكذلك كان شأنه عند المصنِّف الشاعر، الذي لم يستطع التحكم في قوته، ولا إخضاع جبروته، التي نماها على توالي تاريخ التصنيف، ولكنه أبقى لنفسه إمكانية التعديل فيما يأتي بعده، وحق مخالفة غيره فيما تواتر من عبارات الإهداء، فجاءت عبارته فريدة مبتدعة على صورة:
“إلى كل من يرى في هذا العمل المتواضع ما يستحق الثناء”
4ـ المُهدَى: العمل التصنيفي، ويتعلق الأمر هنا بالديوان الشعري “على النهج”، وفي هذا العنصر يتم التعامل مع الفكر، فهو محور الإهداء، إنشاء ومادة وتلقيا، ويرتقى بالتفكير إلى ربط علاقات عقلية تستجمع ما في الإنسان من كنه راق، وجوهر متعال، يرقى بآدميته عن الماديات والفانيات، التي تشده إلى التحلل، وتوقعه في البهيمية، وتلهيه عن استشعار سرعة الزوال. وعليه فإن إهداء المصنفات سمو بإنسانية الإنسان، وكشف عن أنبل ما يختزنه منها. وقد عكس المصنِّف بعض هذا الجانب حين نعت عمله المُهدَى بالقول: “هذا العمل المتواضع… (فيه) ما يستحق الثناء“، وانفتح على أروع ما في الإنسان، حيث يكشف عن قدراته الساعية البانية لتخليف أجمل الأثر (العمل)؛ وحيث يمتزج العقل بالوجدان، وينعكس على مستوى الأخلاق (المتواضع ـ الثناء)؛ وحيث تقوم قوامة العقل وصرامة الميزان (يستحق)؛ وحيث يتم الحرص على الأثر، الذي يعقب الوجود المادي، ولا ينمحي بانمحائه، ولا يفنى بفنائه، فيكون هدفه البقاء والخلود، ولو إلى حين (الثناء).
5ـ المُهدَى إليه: تتحدد دائرة المهدى إليه بالاعتراف بوجود فاعلين أساسين: يقف أحدهما خلف العمل، وهو معروف ومقصود، وقد كان له فيه دور من الأدوار، يُعترف له بها، ويصر المصنِّف على استحضار هذا الفاعل، وذكره بالاسم أو الصفة أو الدور أو الأثر، بأحدها أو ببعضها أو بها جميعا؛ ويفد الثاني من مستقبل المصنَّف، إذ يمثل المتوقع، غير المعروف وغير المحدَّد، ولكنه يمكن تلخيصه في دوره (القارئ)، فإليه كان المسعى، وبسببه بُذل الجهد، وعليه يُعتمد في تفعيل التصنيف، ومنحه دفقات حياة، تُفعِّله وتتفاعل معه، وتَكْتُب له مداه في الحياة. وقد حضر في إهداء زويريق النوع الثاني “كل من يرى“، الذي وسع دائرته توسيعا غير محصور، واستعمل لفظ التعميم، الموهِم في أوله بلا محدوديته (كل)، والمُقيَّد في تتماته بتقييدات منصفة من المصنِّف ـ وقوام التصنيف الإنصاف ـ مُقيَّدة أولا بتحكيم منظار العقل (من يرى)، ومُقيَّدة ثانيا بتحكيم مقياس الإنصاف، وضبط الموازين، وتغليب معايير الإيجاب (ما يستحق الثناء)؛
تخفي عتبة الإهداء الكثير مما يمكن الفسح فيه، وبتحليل أعمق يثير الكثير من الدلالات الغنية، الكامنة تحت كل عبارة من عباراته على وجازتها، وكل عنصر من عناصره على محدوديتها، لا يسمح المقام بالتوسع فيها أكثر مما تحصل، وبالإمكان الاستفادة مما تقدمت الإشارة إليه سابقا من دراسة حول شعرية الإهداء.
وبهاتين العتبتين المدخِلتين إلى التصنيف نقف على جهود المصنِّف وخياراته، وإمكاناته واستحضاراته، ومستوى تمكنه، ودرجة توفقه، وقدراته العاملة على تركيز جملة من الدلالات الموحية، والإيحاءات الثرية، بما يكشف عن قوة التكثيف والاختزال، اللتين حكمتا هاتين العتبتين.
3ـ 2ـ عتبات مُخْرَج الديوان:
اختار الشاعر ـ المصنِّف إسماعيل زويريق عتبات مخرِجة من الديوان، تحتل آخره، وبعد الانتهاء من عرض القصائد ـ مادة التأليف ـ ومثلما أغرب، على سبيل الإبداع، في جوانب من عتبات المدخل، وجوَّد في جوانب أخرى منها، سيفعل الشيء ذاته مع العتبات المُخرِجة. فأين تجلى ذلك؟
وبدءا، فقد اشتملت عتبات المُخرَج على ثلاث عتبات، هي:
ـ عتبة عنونها المصنِّف بـ”المراجع المعتمدة في أحداث السيرة” (ص 419)؛
ـ عتبة عنونها المصنِّف بـ”الفهارس”، وكانت محتوياتها بالشكل التالي: 1ـ فهرست الجزء الأول ـ 2ـ فهرست الجزء الثاني ـ 3ـ فهرست الجزء الثالث ـ 4ـ فهرست الجزء الرابع ـ 5ـ فهرست الجزء الخامس (صص 421 ـ 426)؛
ـ عتبة عنونها المصنِّف بـ”مجمل أبيات قصائد ديوان على النهج بأجزائه الخمسة” (صص 427 ـ 430)؛
فما عدا عتبة “الفهارس”، التي هي مخرج اعتيادي ومألوف في كل ديوان شعري، بل وفي كل مصنَّف، فالعتبتان الأولى والثالثة غريبتان على طُرق التصنيف في الشعر ومخرجاته. وسنبين تفصيل ذلك في تناول كل واحدة منها.
أ ـ العتبة الاعتيادية: “الفهارس”:
جنح الشاعر عن استعمال اللفظة المفردة (الفهرس)، وكما يتطلبه التصنيف في ديوان واحد، يهدف إلى عرض المادة التأليفية بعناوينها لا غير، إلى استعمال اللفظة بالجمع (الفهارس)، وهو بذلك يخالف المعتاد، لأن فهرس موضوعات الديوان، الذي يعنيه المصنِّف بالعنوان، واحد، وأما استعماله للجمع فلا مبرر له، عدا أنه جمع فهارس كل جزء من الأجزاء الخمسة (1ـ فهرست الجزء الأول ـ 2ـ فهرست الجزء الثاني…)، وبذلك حوَّل الفهرس إلى فهارس، مما يغري القارئ إغراء صادما، لكونه لا يحتوي ألوانا من الفهارس، كما عودتنا مصنفات تحقيق الدواوين، أو مصنفات البحث والدراسة، حينما ترصد هذا العنوان لفهارسها.
وما عدا هذا الإصرار في العنونة على الجمع، الذي حقه الإفراد، وكما اعتادته فهارس الدواوين الشعرية، فالعتبة عادية ومألوفة.
ب ـ العتبتان الخارقتان للاعتياد:
من ضمن العتبات الثلاث، التي ختم بها الشاعر مصنَّفه، كانت هناك عتبتان غير مألوفتين ضمن مخارج الدواوين الشعرية، ولهما وجوه من الغرابة، سنقف عليها في كل منهما.
ب ـ 1ـ عتبة “المراجع المعتمدة في أحداث السيرة“:
لم يسبق لي أن صادفت ديوانا شعريا مختوما بعتبة “المراجع”، قد يكون ذلك عاديا ومألوفا في مصنفات من نوع البحوث والدراسات، أو من نوع الدواوين المحققة، التي كانت مادتها التأليفية مشتت في المصادر. وقد خصص الشاعر ـ المصنِّف هذه العتبة لعرض عناوين مراجع حول السيرة النبوية ـ وكما قال ـ بلغت اثني وعشرين عنوانا، وكانت مراجع مختلفة في زمن كتابتها، وأقدمها يعود إلى أواخر القرن الهجري الثالث، وبعضها إلى القرن الهجري السادس (فضائل الصحابة للنسائي أبي عبد الرحمن أحمد 303ه ـ عمر بن الخطاب لابن الجوزي أبي الفرج عبد الرحمن ـ597ه ـ أحاديث الشعر لعبد الغني المقدسي ـ600ه ـ ديوان الوسائل المتقبلة لابن يخلفتن الفازاري ـ627ه)، ومعظمها يرتمي في أحضان العصر الحديث. وكانت أيضا مختلفة المحتوى ما بين التي تصب في سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (الرحيق المختوم)، والتي تصب في سيرة الخلفاء الراشدين (خلفاء الرسول ـ الخلفاء الراشدون ـ الشيخان ـ عمر الفاروق ـ عم بن الخطاب ـ خلافة علي بن أبي طالب)، والتي تصب في سيرة الصحابة كافة (العقيدة في الصحابة ـ فضائل الصحابة ـ صور من حياة الصحابة ـ أصحاب الرسول ـ رجال حول الرسول ـ رجال ونساء حول الرسول ـ قوم حول الرسول ـ العبقريات الإسلامية). وخرجت عن السيرة أحيانا لتصب في الدراسة البحثية حول المديح النبوي (بناء القصيدة النبوية ـ أدبيات الشوق)، وقد تتوسع حتى تشمل مختلف أوجه الشعر في مراحل تاريخية مختلفة، قديمة كشعر الدعوة الإسلامية (دور الشعر في معركة الدعوة الإسلامية)، وحديثة (تاريخ الشعر العربي الحديث)، أو تتناول مطلق الشعر (أحاديث الشعر)، أو تترصد الجانب الإبداعي منه (ديوان الوسائل المتقبلة ـ الشوقيات المجهولة).
ولم تضم هذه اللائحة المرجعية غير المصنَّفة، بالقطع، إلا القليل مما رجع الشاعر المصنِّف إليه، وأما اللائحة الحصرية فتضم الكثير مما سكت عنه، وهو مذكور ضمن ما عارضه من قصائد وشعرائها ومصادرها، وما كُتب عنها، وتضم الكثير كذلك مما أُلِّف حول الموضوع: مؤلفات وفصول منها ومباحث ومقالات، وما ناقشه في مناسبات عدة، وعقده من مقابلات مع من يهتم بهذا الشأن، أو كان له فيه رأي مما طارحه مع الشاعر في مناسبة من المناسبات. ولقد كانت هذه اللائحة تحمل بعض أصداء الهم الفكري، الذي كان يعالجه الشاعر المصنِّف في دواخله، فهو لم يكن مجرد شاعر أبدع قصيدة، أو بضع قصائد، في المديح النبوي، يحتاج إلى استرجاع مقروءاته السابقة، والتسلح ببراعاته الإبداعية، وإنما كان شاعرا مصنِّفا، باحثا منقبا، قارئا مستجمعا، دارسا محصِّلا، يحتاج إلى حصيدة من التراكمات، وحصيلة من الإنجازات، تؤهله ليكتب مشروعه في المديح النبوي، والذي يتطلع من خلاله لأن يبز السابقين والمعاصرين، القدماء والمحدثين، المقلين والمكثرين، فيكتب الآلاف من الأبيات، حتى يبلغ القدر الذي بلغه اليوم (18 500 بيت)، والذي ليس بالهيِّن، ولا بالمقدور عليه، إلا لمن تسلح بما تسلح به شاعرنا من قدرة على العطاء، وطفرة في الكتابة، وفيض في القريحة، وقدرة على البحث والتنقيب، وصبر على ارصد والتتبع، والتجميع والهضم، والعرض، والأخذ والرد. وما ذلك بميسور إلا للشاعر المصنِّف الباحث المنقب، القارئ الجامع، إسماعيل زويريق، بارك الله في جهده، ووفقه إلى مبتغاه، وحقق مطمحه، وبلغه مرتجاه.
وبهذه العتبة يكون الشاعر المصنِّف قد خرق المألوف في العتبات المخرجة من التصنيف الشعري، ـ الديوان ـ واستحدث فيها ما لم يكن معتادا، وجلب إليها ما كان مألوفا في تصانيف من نوع آخر ـ البحوث والدراسات ـ واقتنع وأقنعنا معه بأن التصور عن مجال الشعر المتلخص في كونه مجرد عكس الانطباع ونقل الإحساس، لم يعد مستساغا، فالشعر بحث وتنقير، وغوص وتنقيب، وفحص وتمحيص، وأن مهمة الشاعر المصنِّف لم تعد هي الكتابة التلقائية ولا الإبداع اللغوي، وإنما هو باحث دارس، يترصد مجهودات السابقين، ويستعرض أعمالهم، وينكب عليها، ويدرسها دراسة واعية مستوعبة، يدرك فوائدها وتوفقاتها، ويحصر زلاتها وخيباتها، ليجني ثمراتها، ويتجنب مطباتها. كما أنه عكس لنا من الشاعر المصنِّف القارئ النهم، والمطلع الموسوعي على موضوعه، والمحيط الملم، والجامع المترصد، للمواد التي يتطلبها.
ب ـ 2ـ عتبة إحصاء عدد الأبيات:
وقد عنونها الشاعر بـ”مجمل أبيات قصائد ديوان على النهج بأجزائه الخمسة”، ويهدف من ورائها إلى ضبط عدد الأبيات، وعلى مستويات ثلاث: عدد أبيات كل قصيدة على حدة؛ وعدد أبيات كل جزء من الديوان؛ وعدد أبيات الديوان بأجزائه الخمسة. وهي مثل سابقتها غير معتادة في عتبات التصانيف الشعرية، بل نكاد نجزم القول بأنها فريدة، وكان موجبها قناعة داخلية عند الشاعر المصنِّف، تتمثل في أنه دخل مضمار سباق المديح النبوي، ومنافسوه من فرسان هذا الميدان الكبار، ومن فطاحل الشعر ورواده الأشاوس، ولقد أثبتوا، بعضهم لقرون، وبعضهم لعقود، بأنهم سباقوه وأبطاله، وكاسبو رهانه، غير أن ثقته في نفسه، وارتكانه إلى ملَكته، واطمئنانه إلى خبرته، شجعه على ركوب هول المنافسة، وخوض غمار المسابقة، فإن لم يفز بها، فقد نال حظ مشاركة الأبطال الميدان، والتنافس معهم على الرهان، وإن فاز ـ وتلك غاية دونها نفث المجهود، وإنهاك المركوب، وتبلد الإحساس، وقطع الأنفاس ـ فذاك هو المرتجى الأوفى، والمبتغى الأكمل.
4ـ بين العتبات:
بين العتبات المُدخِلة والعتبات المُخرِجة، يتربع صلب التصنيف، ليقدم لنا المادة التأليفية مُصنَّفة، وليكشف عن أوجه تعامل المصنِّف مع مادته، وكيف اختار لها أن تصل إلى القارئ، والتي قدَّر لها أن تحوز بها رضاه، وتعكس في الآن نفسه براعته التصنيفية، التي ارتأى أنها أفضل ما يمكن أن يُقدِّم به المادة، وتتناسب معها بدرجة عالية جدا.
وما دام المصنِّف قد اختار تجزئ ديوانه، فقد كفاه التجزئ أكبر مهام التصنيف، ودخل تحتها، وكانت كالتالي:
ـ على النهج ـ الجزء الأول؛
ـ على النهج ـ الجزء الثاني؛
ـ على النهج ـ الجزء الثالث؛
ـ على النهج ـ الجزء الرابع؛
ـ على النهج ـ الجزء الخامس.
وقد فصلنا فيها حين التعرض لها، ضمن “ملامح التصنيف في الجزء من الديوان”، وأما بعد التجزئ، فقد غدت الأمور بسيطة جدا، تقتضي سياقة عدد من الأجزاء ضمن المصنَّف، حددها المصنِّف في خمسة، وكل جزء يحمل عنوانا رقميا، ويحتوي على مادة تأليفية محددة، تعرض بطريقة منهجية، وأسلوب تصنيفي، اختلف من جزء إلى آخر.
5ـ إشكالات التصنيف:
للتصنيف إشكالاته، مثلما كانت للتأليف كذلك، وإن اختلفت أوجهها، وأسئلتها المثارة، وقضاياها المشتبكة. وقد كانت محاولة طرح بعضها في هذه النقطة، ومنها:
5ـ 1ـ أهناك تداخل بين المؤلِّف المصنِّف؟
هل حينما يكتب الشاعر قصيدة من مقطع واحد، وتحت عنوان واحد، يكون هو كنفسه حينما يكتب قصيدة بعدة مقاطع، ولكل مقطع عنوان، وربما تحت العنوان المقطعي عدة مقاطع؟ ألا يكون في الأولى مؤلفا، وفي الثانية مصنفا؟ حينما تطول القصيدة، وتحتاج إلى تفريع، ألا يكون الأمر متعلقا بالتصنيف؟
5ـ 2ـ أيمكن أن تُجَر أوجه التناص من التأليف إلى التصنيف؟
إن تقاطع جملة من عتبات الديوان على مستوى التصنيف، يجعلنا نعيد طرح أسئلة التناص، التي كثيرا ما رُبطت بالتأليف، وارتهنت به، وذلك بالقول: ألا يُعد استعمال عتبات المصنَّف، مدخلة أو مخرجة، محكوما أيضا بأنواع علاقات التناص المتعارفة: تحققا وخرقا وتحويلا؟ وحينها هل يمكن أن نخلي التصنيف مما اعتاد أن يراه الكثيرون من تقنيات تأليفية وتصنيفية مطبقة، وقواعد منزلة، ومما يمكن أن نراه من إبداع في التطبيق، وخرق في التنزيل، واختراق للحجب والحواجز، وتغيير في التقنيات، وقلب في القواعد، وإحداث فيهما، وتغيير في ضوابطهما؟
5ـ 3ـ تواصل التصنيف مع الأجزاء داخل الديوان؟
من القضايا التي تطرحها المصنَّفات المجزَّأة استمرارية التصنيف وتواصله من جزء لآخر، وما قد يعرفه من استراتيجية منهجية، تصنيفية، محكومة بمسارين:
ـ مسار المنهجية الموحَّدة: التي يبنيها المصنِّف في الجزء الأول، ويسير عليها في باقي الأجزاء، منهجية محكَمة محدَّدة المعالم، مضبوطة المداخل والمخارج، بينة المحتويات، وتتواتر دون تغيير يُذكر، سواء تشابهن المحتويات أم اختلفت، ويكون الجهد الأكبر مبذولا في الجزء الأول، وحين الشروع في التصنيف، وباقي الأجزاء سير على نهجه، ونسخ لخطواته ومعالمه، وبعده يجد المصنِّف نفسه في راحة منهجية، وكأن جل عمله، ومنتهى جهده، قد بُذل فيه، وبعدها عمل على نسخه بأمانة في باقي الأجزاء، التي أعقبته، ويصيب شيء من ذلك قارئه، فلا يتنبه منهجيا، ولا تُثار درجة استشعاره المنهجية إلا في الجزء الأول، فإذا تعداه دخل في خمول تصنيفي، وسبات منهجي، لا يتنبه منهما إلا بانتهاء المصنَّف، فيكون قد حُرم من لذة الاكتشاف والمغامرة المنهجية، ومن فائدة الانفتاح والتعرف على الاختلاف المنهجي، وتعدد طرقه وأساليبه، وحصيلة التوع والاغتناء على هذا المستوى؛
ـ مسار المنهجية المتفاوتة: التي تختلف من جزء لآخر بدرجة من الدرجات، ضيقة أو واسعة، قليلة أو كثيرة، طفيفة أو كثيفة، متفاوتة أو متباعدة، ولا دخل في ذلك لتشابه المحتويات أو اختلافها، فيكون المنهج في جزء غيره غفي الجزء الذي يليه، ويستمر ذلك التفاوت إلى آخر جزء، ويعكس ذلك ما بذله المصنِّف من جهد تصنيفي، وكد منهجي قد أتعبه وسيتعب معه قارئه، وإن كان سيعصمه من الملل، وسيدعوه للمقارنة بين كل جزء، ليقف من بين الأجزاء جميعها على الأكثر توفقا والأوسط والأقل توفقا.
ومن بين هذين المسارين، تنبع قضية استشكالية، تسائل جوانبهما، وتطارح حقيقتيهما.
فمن جهة حال تشابه منهجية التصنيف بين الأجزاء، وانتقالها من جزء إلى جزء، انتقال نقل واستنساخ، هل هو تواصل لتكريس الألفة والاعتياد، وكسر حاجز العائق التصنيفي، الذي كان الاصطدام معه في الجزء الأول؟
ومن جهة حال اختلاف منهجية التصنيف بين الأجزاء، ومهما كانت درجة اختلافها، مع الاعتراف بالعائق التصنيفي الذي يحمله الجزء الأول، والصعوبة التي يواجهها القارئ في التأقلم معه، وحاجته لمزيد من الوقت كي يحقق ذلك التأقلم، فهل هو مواصلة لمراكمة الصعوبات والتعقيدات، وتنامي العائق التصنيفي، الذي يحمل كل جزء يعضل منه، فلا يحله الجزء الموالي، حتى يأتي ببعضه الخاص به، ويضيفه إليه، ويراكمه إلى جنبه، وكلما زاد فارق الاختلاف بين الأجزاء، كلما زادت درجة العائق التصنيفي؟
وهل يمكن أن يتحول العائق التصنيفي لكل جزء عائقا تصنيفيا للكل، أي للمصنَّف وللديوان؟ أم هل يمكن القول بأن اجتماع الجزاء يزيد من درجة إعاقتها، ويرفع مستوى تعقيدها؟
5ـ 4ـ التصنيف من التجزئ إلى التركيب:
إذا كان التصنيف منبنيا على الأعمال المركَّبة من أجزاء، والمقسَّمة إليها، بغض النظر عن مدى دقة ذلك التجزيء وصوابه، وضبطه وإحكامه، فإن التصنيف يغدو مركبا من مستويين:
ـ مستوى التصنيف التجزيئي: أي حينما يُخطط المصنِّف للجزء الأول من العمل، ويبني له منهجيته وخطته، ويهيء عناصره، وينتقل من جزء إلى آخر بمادة مختلفة في محتواها وطبعها وحجمها، وربما في جوانب غيرها لا يوفرها هذا الديوان، وبصعوبات متباينة، تتولد من تلك المادة المختلفة، وعن طريقة التعامل معها، والتصور الذي يراه المصنِّف هو الأقرب لإنجاح عرضها وتقريئها. وبناء عليه، فإن الأجزاء ستختلف بدرجة من الدرجات، وستتطلب من المتعامل معها جهدا تصنيفيا، سينعكس، ولا شك، على طريقة عرضها؛
ـ مستوى التصنيف التركيبي: وذلك حينما تُضَم الأجزاء إلى بعضها، وتُرتَّب ترتيبا مرصوصا، وتعرض على نهج مخصوص، يتطلب إعداد المداخل المخارج، وإحكام الروابط، وضمان الانسجام والتناغم، لا بين خارج الأجزاء وحده، وإنما بين داخلها أيضا.
وربما بدا أن الجهد على مستوى التصنيف التجزيئي هو أصعب مما يقع على المستوى التركيبي، وذاك أمر صحيح. وربما كان النجاح في الأول أضمن للنجاح في الثاني. غير أن كل هذا لا يجب أن يحجب عنا طرفا من الإشكال في هذا الانتقال من التجزئ إلى التركيب، أهو بالسهولة التي نتصورها؟ ألا يتحكم الأول في الثاني؟ ألا يمكن أن تخلق السلاسة البادية على الأول درجات من الاعتياص العميق على الثاني؟ وهل لا يمكن أن تنتقل إشكالات الأول، وهي مجزأة بسيطة مفردة، إلى الثاني، فتغدو مركبة متشابكة ومعقدة؟ ألا بمكن أن تنقلب صعوبات التجزئ إلى عوائق ومثبطات في التركيب؟ هل يمكن للتصنيف التركيبي أن يحمل بعض الإجابة، ويجيب عن أسئلة التصنيف التجزيئي، أو على الأقل بعضها، وأن يحل معضلاتها، أم أنه يصبح عاكسا لها هو أيضا، حاملا لبعض آثارها، ومضاعفا لامتدادات أسئلتها، ودرجات انعكاسها؟
5ـ 5ـ أيكون للديوان المصنَّف ختم؟
من توارث الإشكالات، ومدها جسور العبور بين التصنيف الجزئي والكلي، مصادفة إشكال الختم في الديوان، بعد أن صادفناه في الأجزاء منه. وهنا يمكن أن نثير بعض الأسئلة المتعلقة بهذا الجانب، ومنها:
ألم يُنهَ الديوان عمليا؟ وبالتالي ألا يستحق إعلان الإنهاء، ولو المرحلي، وطمأنة القارئ به؟ ألا يمكن تقديم حصيلة الإنجاز، وتحديد معالم المتحقق؟ هل يصعب، أم هل يضر حصر الخطوات المنجحات في نهاية العمل؟ أم عل يستحيل رسم ملامح الصعوبات، ومستوى المعيقات التي اعترضت التصنيف؟ أليس من حق ذات الكاتب أن تعترف لنفسها بالذي واجهته، وأن ترسم حجم الذي كابدته؟ أمن المستحيل أن يرسم المصنِّف في خاتمة عمله منهجيته التصنيفية، وما أجراه من تقسيمات وترتيبات، وما سلكه من سبل في التعامل مع المراد؟
ألا يمكن وعد القارئ بالآتي، ورسم آفاقه؟
أيصعب أن يعرض المصنِّف وجهة نظره حول ما يمكن أن يشغل القارئ من قضايا للتصنيف، كقضية المعارضات الشعرية، أو قضية كتابة أكثر من نص حول موضوع واحد؟ ما الفائدة منه؟ ما الجديد الذي يحمله؟ ما الذي تحقق من ذلك؟
أليس من حق القارئ على المصنِّف أن يتقاسم معه هموم التصنيف التي أزعجت باله، وأقلقت راحته، والتي ستنتقل عدواها قطعا إلى القارئ؟ أليس من حق هذا الأخير أن يعرفها، وأن يتشاركها، وأن يتقاسم الرأي حولها، لعله يجد سبيلا إلى التنفيس من ثقل هم المصنِّف، ويقلل من درجة انزعاجه، وفي الآن نفسه ينير القارئ ويبصِّره، ويساهم في تكوين وجهة نظر توافقية حول ما طُرح من تلك الأمور المزعجة، والقضايا المقلقة؟
هذه جوانب من الإشكال، التي يمكن أن يلامسها الختم، حينما يتوفر بالنسبة للديوان، أو بالنسبة للتصنيف الكلي، وما دام الختم لم ينجز، فإنها ستبقى قائمة مقلقة معلَّقة.
تركيب:
كانت هذه الوقفة مع الشاعر إسماعيل زوريق مؤلفا ومصنفا، في ديوانه على النهج في الكتاب الأول الذي خصص للأجزاء الخمسة الأولى بقصائده الخمسة والستين، وقد أبان الشاعر خلالها عن حبه الشديد لموضوعه وارتباطه به، وتشبته بعقيدته، وإخلاصه لنبيه، وترجم ذلك الحب بما خصصه له من جهد وعمل، وقسط من العمر، لا يعد ضائعا أبدا، وإنما يمكن أن يعتبر أزكى عمر، وما أنجز فيه هو البيان، الذي يلقى الشاعر به ربه، وهو مجاهر به، لا متواريا ولا خجولا منه، لأنه أبقى إنجاز، وأشده ادخارا ونفعا ليوم رب العالمين.
وقد تم الوقوف وإن بعجالة على جانبين من الجوانب الأساسية عند الشاعر، والتي قد لا يُلتفت إليها إلا نادرا، ولكنها تعكس جانبا من شاعريته، وتقوِّم وجها من وجه نضجها، ذانك هما جانبا التأليف والتصنيف.
إننا نحاصر من خلالهما صفة المؤلِّف والمصنِّف في الشاعر إسماعيل زويرق، الشاعر الفحل ذي اللسان المهدار، والصدر الزخار، والمنطق المكثار، والطبع الطافح، والوهج اللافح، والذوق النافح، والقريحة المتوقدة، والسليقة المتوكدة، الفاتن المفتَن في نظم القريض، المارن الممرِّن لمعتاص الفكر، الرائض المروِّض لوحشي اللفظ، البادع المتبدع لغريب الحس، الرائد المرتاد للوعر الشاق، الرائض المروض للمفرك العاق، الراصد المترصد لتفاريج السلوات، الناسج المنسِّج لتبتلات الخلوات، الفاتق المفتق لابتهالات الأسحار، البالغ المبلِّغ لمناجاة الأسمار، الفالق المفلِّق لكنائن الأشعار، الراصع المرصِّع لجواهر الأنثار.
إننا أحسسنا ومن خلالهما أننا في حضرة شاعر إذا أراد قال، وإذا قال أبدع، وكلما أبدع أمتع، وأناخ السامع لديه وأرتع، ولم يترك مجالا للقول.
إننا في حضرة مؤلِّف ومصنِّف إذا أمسك القلم، أسال على شباته زخرف الكلام. ورصف بسواده زاهي النظام، وخلب القارئ بدقيق الإفهام، ورقيق الإلمام، فلا يدع مزادا لمستزيد.
تارودانت في 15 أبريل 2023
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي