مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر

حسن إمامي*
(هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما لم تكتمل باقتراحات ومساهمات الآخرين الذين يتشاركون معنا همّا واحدا جميلا: النهوض بكرامة الإنسان وحقوقه، والمساهمة في تنمية وجوده وعيشه، كما ثقافته وفكره، داخل مجال منظومة قيم عالمية كلها تسامح وتعايش وسلم ومودة وأخوة بين الشعوب والأمم).
المقدمة الأولى
لقد صدق جيل دولوز الفيلسوف الفرنسي (1925/1995)، حينما اعتبر الفلسفة رحلة وتاريخا وتطورا للمفاهيم (الفلسفة صناعة للمفاهيم). ونحن إذ نتناول موضوعا مركبا مثل هذا، يتحتم علينا تحديد إطار مناسب لكل مفهوم، منفتح على متغيرات المعادلات الطارئة عليه حين تفاعله كحقل وكموضوع اشتغال مع حقول ومواضيع مرتبطة به.
سنتساءل عمّ ستكونه الثقافة العربية، ومعها الموروث الثقافي، والموروث الفكري وغيرهما. حقول كبيرة ممتدة في التاريخ والجغرافيا وتنوع الشعوب والأمم واللغات والبيئات والامتداد الخاص والعام لكل تجمع بشري قد يشكل قبيلة أو منطقة أو مذهبا متبعا أو طبقة اقتصادية واجتماعية وسياسية منتجة لما هو ثقافي وفكري وعقائدي. وتتجلى لنا الصعوبة الموضوعية في إمكانية الإحاطة والتحليل الجامع وغير المهمِل لعناصر لها دورها في الحدوث والتشكل ثقافةً وفكرا واعتقادا.
كما أن تناول الفرد لموضوعٍ ثقافي وفكري يحتاج منه العودة لمن سبقوه أو عايشوه وكانوا أكثر تخصصا ونفادا في تناول الموضوع. كون الفرد لا ينطلق من الصفر في تناوله لموضوع وتبنيه لخطاب وتحليل. وكون الثقافة هي ذلك المؤثر الناعم الذي يوقع تأثيراته في الفهم والوعي والسلوك. وهذا تحديدٌ لها من زاوية وظيفتها في السياق. فدائما هناك مرجعيات تكون أساسية وموجِّهة لوعي الفرد وإدراكه وتفاعله مع موضوع ما. هي علاقة الذات بالموضوع، والتي ستتأثر بما شكلّها كوعي وإدراك إذا.
قد تصبح المقاربة كبيرة وشاسعة لا نلمس لها حظوظ تناولها، خصوصا إذا ما استحضرنا البعد الأنثروبولوجي في تعريف الثقافة. وستكون معه الأنثروبولوجيا الثقافية “نوع من أنواع العلم التي تهتم بدراسة سلوك الإنسان وفقا لتأثره في حياة الجماعة التي يعيش فيها وضمنها، ويشمل هذا التأثر كافة الجوانب الدينية والثقافية والاجتماعية والتراثية”. قد يدخل العمران، كما العادات والتقاليد وأساليب الوعي والإدراك، وطرق معالجة العلاقات مع الطبيعة والظواهر والأشياء، كذا المنجزات والسياسات الكبرى والمشاريع المؤثرة في الجماعة والتاريخ البشري، فنكون أمام فعل الحضارات. ونكون بذلك أمام مشروع كبير لا يسع الفرد وحده الإلمام به في معالجته.
ها نحن أقحمنا بُعدين للثقافة على الأقل، دون أن نكون قد بدأنا في تحليل الموضوع. لذلك سيكون من الأفضل ربط مفهوم الثقافة بالعناصر الأخرى المقترحة في النقاش، ونعني بها علاقة الثقافة بالفكر، وعلاقتها بالموروث أو التراث إذا ما أردنا جعل إطار يوضح الرؤية، وعلاقتها ب”العقائدي” دون أن نكون قد حددنا المراد العقائدي هنا ولذلك سنجعله بين قوسين يؤجلان تجلية ذلك. إنه ربط سيعني بالثقافة أسلوب تناول العناصر الثلاثة ومقاربتها ومَوضَعتها في حياة الفرد والمجتمع والأمة.
وحينما نتحدث عن “الثقافة العربية”، فالإشكال يتعقد رغم تحديدنا لدائرته. لكن المشترك الجامع سيبسط لنا السبيل والسير فيها والجمع والاستنتاج. فمن ناحية إن الثقافة العربية تجربة مشروع امتد في عصرنا الحالي لمدة قرن ونصف على الأقل، إلى يومنا هذا. هو حديث عن العصر الحديث حتى يكون السياق واضحا وموضوعيا: عصر النهضة وظهور التيارات المذهبية التي قاربت العلاقة مع الموروث الثقافي والفكري والعقائدي. نجد الاتجاه القومي والسلفي والليبرالي والاشتراكي، ونجد بزوغ النداءات الهوياتية التي اشتعلت معها الذات وتنازعت الحق والشرعية كما المصداقية التاريخية ومصالحها عموما، فاشتغلت على ما يقوي طرحها وإعادة الاعتبار لموروثها الذي يشكل شخصيتها ووعيها ووجودها المركب في اللاشعور وفي التمثل والتمظهر الخارجي والسلوكي.
هي ذي أرضية لابد لنا من تحدي صعوباتها. وقد سبق لمنظرين ومفكرين تناول موضوع التراث. كان لجيلنا تفاعل مع طروحات محمد عابد الجابري(1935/2010)، ومحمد أركون(1928 /2010)، وحسين مروة (1908/1987)، وغيرهم من الأعلام الذين تبوؤوا صدارة الاهتمام والاشتغال المنهجي المرتبط بالتراث ومدى أهميته في النهوض بمجتمعاتنا. قد نكون قد أغفلنا أسماء مثل مالك بن نبي1905/1973) وغيره من الأعلام، إنما هو المقام الذي يجعلنا نستحضر على سبيل المثال لا الحصر. وعليه ما يمكننا إضافته هو ضرورة الاشتغال النقدي على هذه التجارب الرائدة، وضرورة تشذيبها من التأثير الإيديولوجي الذي قد يكون نعمة مثلما قد يكون نقمة، ذلك أن الخلفية الإيديولوجية تخنق انسيابية التفاعل مع الموروث بالشكل الصحيح والسليم، خصوصا إذا ما ابتعدت عن العلمية والموضوعية وتعصبت لتأويل يحيد عن الحقيقة والوظيفة السليمة.
المقدمة الثانية
الرؤيا في الموروث التاريخي المجتمعي العربي ـ الإسلامي، مرتبطة بما يراه المرء في منامه ويتحقق في الواقع والزمن القرب منها. الرؤيا هي مقدمة الوحي التي يعرفها ويعيشها الأنبياء في تجاربهم الدينية. الرؤيا وقد ارتبطت بالحكماء والأولياء الروحانيين من صوفية وزهاد وأصحاب كرامات. الرؤيا، تلك المنفلتة من القدر لكي تعطي للإنسان أملا في أن يتنبأ بالغد وبما قد يتحكم فيه من ظروف وما يرغب فيه من حقيقة وأمنيات. ولعلها ممتدة في الدلالات لكنها مشتركة في التنبؤ بالآت. لعلها منفلتة من عملية التفكير الواعي المباشر لكي تتسلل في لحظات تختارها هي وتبوح بها إيحاء لصاحبها.
لكن الرؤيا ببعدها الثقافي وتوظيفها الموضوعي والعلمي ستكون رؤيا مرنة ومتغيرة ومواكبة للمتغيرات والحاجيات الأساسية مع كل وضعية. لحظة استراحة الذهن في نومه أو يقظته لكي يشذب ولكي يغربل ولكي يبتعد عن التشويش والضجيج ويخلص إلى استنتاج الأساسي فيما هو مشتغل عليه تفكيرا وتأملا. وهو تصور لا يعني الغموض وعدم الإدراك، أو اللخبطة والفوضى، او الغيبية والهذيانية مع المتخيل الذي نقبض على خيوط تدليه من السماء، بل سيعني واقعية جديدة تبين أهمية المادة المشتغل عليها، ودورها في خدمة الإنسان وتحقيق مصالحه وسعادته وتوازنه مع الحفاظ على مكوناته التاريخية والوجودية التي يتمسك بها لدرجة العقائدية.
في حديثنا عن تجدد العمل بالفكر الأسطوري والخيالي والخرافي، في انفلات عن ميكانيكية العقل ووظائفه المنطقية، ستحضر الرؤيا كعمل تقوم به الطبقة المثقفة والفكرية، صفوة الذهن التي تتنبأ والتي تخطط والتي ترى ما هو أفضل لغد، وما يمكن اقتراحه كحلول وسبل للخروج من المآزق والانخراط في طريق مستقبل أفضل. هذه الصفوة التي لا تأتي من فراغ بقدر ما تأتي من تطور في العلم والمعرفة وتطور في التخصصات التي دأب على التمكن منها أخصائيون وباحثون في ميادين شتى، مستفيدين من عطاء العلم الإنساني ككل غير منغلقين على ذواتهم وثقافتهم.
ومع كل هذا سيكون الاختلاف في التناول والنهل بين فرد وآخر، وبين جماعة وأخرى. ما يجعل تشكل المذاهب والتيارات، حتى إنها قد تصبح متنافرة في خلاف بدل أن تكون متعايشة في اختلاف موضوعي صحي وسوي. وقد جاء في الأثر أن في الاختلاف رحمة.
يمكننا جعل تشبيه يقربنا من هذه الفكرة، بما يقوم به الرسام والفنان التشكيلي، حينما يخلط ويمزج الألوان المناسبة أو يخلقه مما هو متوفر عنده، لكي يعطينا لوحة متناسقة وممتلكة لجمالية مطلوبة في التلقي والاستحسان والاستقبال والتعلق. هكذا سيكون إبداع كل فنان مميزا بخصوصياته ومحققا لجمالية التلقي والقبول، فالمواد واحدة والتشكيل متنوع. ربما هي الثقافة حينما تتنوع مجالات تنزيل عناصرها المشتركة، فنتحدث إذا عن ثقافات داخل المجتمعات العربية الإسلامية، وليس عن ثقافة واحدة.
المقدمة الثالثة
أوحت لنا الفكرة الأخيرة في المقدمة الثانية بالقول إن إطار التحديد للثقافة العربية كان مشروعا قوميا ارتبط بمقاومة ما يهدد محو المشترك بين شعوب، وطمس هويتها المشتركة التي شكلتها تاريخيا ولغويا وفكريا و”عقائديا”. ونحن نعلم أن امتداد الإمبراطورية العثمانية عبر الزمان والمكان، أثر كاختلاف وكصراع وكهيمنة وفرضٍ للتبعية، تغلب القوي على الضعيف، وبحث هذا الضعيف عن آليات دفاع عن الذات وحفاظ عليها، كان من نتائجها الانتصار لمفهوم الثقافة العربية التي توحد مناطق وأقاليم وتجعلها في مواجهة واحدة ضد المهيمِن. ورغم كونه يعترش باسم الدين ويحكم باسمه، فإن جدلية التاريخ والمجتمع والاقتصاد والسياسة تجعله صراعا موضوعيا فيه الرغبة في التغلب والهيمنة وجعل التبعية والدونية للآخر أمام القوي المتغلِّب والمستغِّل لتحقيق مصالحه كأولوية في العلاقة بينهما. ومن أقدار التاريخ الموضوعية أن هناك تجاور للقوى وتفاعل لها مع الآخر. فقد كان صراعا تاريخيا ما يزال مستمرا إلى يومنا هذا بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي. هو جزء من صراع عالمي بين حضارات وقوى سياسية واقتصادية إذا ما استحضرنا باقي الشعوب والدول القائمة عبر التاريخ وعلى امتداد القارات فوق الكرة الأرضية.
هكذا كانت الثقافة العربية المعاصرة على موعد كل مرة مع قوى تهدد مكوناتها التاريخية والهوياتية الثقافية وغيرها. تهدد تماسك تجمعاتها ومصالحها المادية وحريتها وكرامة عيشها. مرة مع المهيمِن العثماني، وأخرى مع المستعمِر الغربي الذي يتجدد ككائن مركب كل حين ويعيد فرض قوته واستغلاله عليه إلى يومنا هذا.
ونتساءل: كيف ستدافع الثقافة العربية عن كينونتها وشرعيتها التاريخية والفكرية والاعتقادية أمام هذه القوى؟ وكيف سيكون عليه الوضع اليوم وغدا أمام ما يقع ويستمر من عمليات تدمير واحتقار ومحو وإقصاء ممنهج للثقافة العربية كلما رأى الآخر القوي أنها تهدد تفوقه وتميزه ومصالحه؟
المقدمة الرابعة
ربما ستكون هذه المقدمة وديعة وهادئة في التأمل، متابعة لما يحقق التطور السلمي والطبيعي والإيجابي الذي تنشده الشعوب داخل مشروع سلام عالمي تتبناه الهيئات الأممية والحقوقية والثقافية والتنموية المرتبطة بها. ولعل هذا ما نحتاجه اليوم لأجل تصحيح ما يقع على أرض الواقع الدولي من صراعات ظاهرة وخفية، سلبية تؤثر في مصير الإنسانية المستقبلي ومصير أطفالها رمز البراءة الملائكي كل حين. وقد جربت الشعوب العربية التيار القومي، وذهبت به أبعد حدود ممكنة وليست نهائية، لأجل تحقيق استقلالية وجودية وسياسية ولأجل مواجهة الآخر المناقض والسالب لحقوقها ومصالحها، خصوصا وأنها تعاني من الاستغلال كما قلنا ومن استمرار عجرفة وهيمنة وتحكم القِوى الأقوى وليس العظمى في حياته، فتسلبها حرية القرار والاختيار وحرية التنفيذ المستقل والمحقق لمصالحها أولا.
يا لهذا الوجع الذي يبدو مستمرا حتى في لحظات التفكير السلمي والمنطلق من قيم إنسانية راقية. إنه الواقع الموضوعي الذي لا يرتفع عن الحقيقة القائمة والمرة ربما. لكن، لا يمكننا التوقف عن الحياة، أو كما يقول محمود درويش: على هذه الأرض ما يستحق الحياة. وهنا نعلم قيمة الشعر وقيمة الإبداع والفن وحرية التعبير في تحقيق حياة كريمة وحرة للإنسان داخل مجتمعاتنا كما داخل المجتمعات البشرية ككل. وحتى لا نغطي الشمس بالغربال، فقد دافع عن كرامة شعوبنا من هم ليسوا بمنتمين مباشرة للثقافة العربية الإسلامية. فكيف نفسر هذه المفارقة الغريبة، بين من يصون وبين من يخون؟ !
المقدمة الخامسة
يبدو أن عنوان المداخلة أو العرض أو الرأي المطلوب، ينتظر منا وصفات علاجية وتغذية لاستمرار وتطور الحياة لهذا الجسد العربي، الذي وصفه عبد الكبير الخطيبي بالجريح. وسيكون الفرد ـ الذات مطالبا بالمساهمة الإيجابية بما يحقق الحياة والكرامة والحرية. سنكون مطالبين بإعطاء القيمة للذات ولثقافتها وفكرها ومنظومتها العقدية وخصوصياتها التي تستقل بها دون أن تكون تبتعد بها عن الانتماء والمشاركة الإنسانية العامة في الوجود والحياة والتواصل والتبادل الحضاري والثقافي والفكري الراقي.
المقدمة السادسة
*جعل الرابط بين الحقول والمكونات في بناء شخصية الإنسان*
تحضر مجالات التكوين والتشكيل، لكن تغيب الروابط المنطقية والتكاملية التي تتعاضد في تحقيق الأهداف. وكالبنيان المرصوص هو هذا الإنسان، لا يمكنك أن تبني مرافق منه دون مراعاة البناء الموازي للمرافق الأخرى
كطفل: فضاء الأسرة، مناخها التربوي والوجداني والعاطفي، رعايتها واحتضانها للشخص في نموه النفسي والعقلي والسلوكي والاجتماعي.
كشاب: تتأرجح سنوات عمره بين صبا ويفاعة ونضج ورشد. رعاية متكاملة بين التربية والتعليم والرياضة والتكوين والترفيه… لكن ما نلاحظه اليوم هو وجود لون شارخ بين المرافق. مجال الحياة المدرسية مفصول عن الحياة الرياضية وعن الثقافية وعن مجال المهارات الحياتية. كثرة المؤسسات وغياب تكامل الأدوار. تصبح المؤسسة مقدسة بهرميتها وإداريتها الصنمية غير المنتجة منعدمة بغياب وظيفتها وتحقيق أهدافها.
مثال بسيط: كيفية تدبير شأن القراءة والمطالعة داخل المكتبات وغياب تأطير للفرد داخلها. غياب مشروع يجعل الإنسان محور العمل والحدث. ربط المحتوى المستهلك في فضاءات المكتبات بالمقررات والمواد الدراسية. يعني أن تكون الورشة مجالا تطبيقيا وتنزيليا مسترجعا لغاياته من خلال التفاعل مع المكتبات.
ربط مادة التواصل بأنشطة المسرح والتعبير. أن تنتقل الورشات من القسم إلى فوق الخشبة مثلما ينتقل من درس نظري في كرة السلة إلى الممارسة في الملعب.
ربط التكوين المعرفي بالتكوين التطبيقي. مثال: جعل السنة التعليمية موزعة بين التكوين الدراسي والتكوين المهني والمهاراتي. حينما يحصل الفرد على باكالوريا تكون عنده مقدمات أساسية تؤهله للأهم ولأجل اختيارات حياتية ما بعد الباكلوريا، إضافة إلى آفاقه الأكاديمية والجامعية العليا.
مثالان يجعلنا الاشتغال الثقافي نبتة متبرعمة ومنتجة إذا واكبنا صيرورتها بتفان وإتقان.
*-*-*
ربما هي منطلقات وتصورات فردية تحاول إقناع المتلقي بأهميتها وأولويتها، وتنتظر تفاعله وتجاوبه معها. هكذا يبقى المكتوب مفتوحا للتفاعل وتبادل الآراء والاقتراحات، وتشاركِ كما تقاسمِ التجارب، وتصحيح المواقف لأجل المُضي قدما بأقل ما يمكن من الهفوات والتعثرات. وهكذا ستأتي اقتراحات هذا المقال داعية إلى تبادل وتشارك وتقاسم، مؤمنة بنسبية وقابلية للتطور واحترام الآخر ورأي الآخر، وأنه لا اكتمال إلا بالآخر المغاير حتى نحقق الانتصار للإنسانية ككل.
ـ الاهتمام بالإنسان وكرامته وحقوقه.
ـ النهوض ببيئة العيش وتوفير الأساسيات التي تضمن الحقوق الأممية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ـ الاهتمام بالتنمية الشاملة والتي تساهم فيها جميع المكونات لأجل استمرار ما يشكل الحياة الثقافية والفكرية والعقائدية واحترامها وتوفير الضروري لأصحابها.
ـ ربط المشاريع التنموية بالحياة الثقافية وجعل قوانين يؤطرها دستور لحماية العمران الثقافي والإرث الثقافي الذي يشكل أوكسجين الشعوب ويحقق لها راحتها وأمنها الروحي والوجودي والمادي معه.
ـ الرقي بالحياة المجتمعية لكي يهتم الفرد بالثقافة والحياة الثقافية. وهذا يعني الرقي المستدام بالتربية والتعليم، وتوفير المؤسسات والفضاءات والمرافق التي تحمي وتجعل الحياة للثقافة والفكر. ورغم كون هذا يبدو قائما وموجودا، إلا أنه يعني كذلك حمايته ومحاربة ما يضعف قيمته.
ـ الابتعاد ما أمكن عن الصراعات الإيديولوجية في تدبير الشأن العام والمشترك المجتمعي، والابتعاد عن محاولات إقصائها للآخر وطمسها لحقوقه الثقافية والفكرية وغيرها.
ـ تخصيص ميزانيات مبرمجة في الميزانيات السنوية التي تشرعها برلمانات الأنظمة والحكومات لأجل مزيد بنية تحتية، وحقوق معيشية وصيانة للموروث الثقافي والفكري بحسب التخصصات والمجالات. فلا يعقل أن نجد منطقة لها إرث تاريخي كبير، ولا توجد بها معاهد أو متاحف أو دور خاصة لهذه الشخصيات التاريخية المعنوية التي شكلت جزءا من تاريخها وأمجادها. وفي ذلك طبعا نهوض بالمجال سياحيا وتنمويا، إلى جانب النهوض الثقافي والفكري.
ـ الاعتزاز بالذات وباللغة وإعطائها قيمتها الاعتبارية والمادية التي تجعلها بثقة في النفس وثقة في المجتمع، لا تفكر في هجرة سرية أو اغترابية. وهنا نقول إنه كلما تحققت كرامة وعدالة وديمقراطية، أمكننا الافتخار بالذات والتراث وبالثقافة الخاصة بنا.
ويبقى أنه ما لا يدرك كله لا يترك بعضه. هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما لم تكتمل باقتراحات ومساهمات الآخرين الذين يتشاركون معنا همّا واحدا جميلا: النهوض بكرامة الإنسان وحقوقه، والمساهمة في تنمية وجوده وعيشه، كما ثقافته وفكره، داخل مجال منظومة قيم عالمية كلها تسامح وتعايش وسلم ومودة وأخوة بين الشعوب والأمم. ونحن أمة اِقرأ، وأمة القرآن الذي جاء فيه قول الله تعالى: (يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكركم عند الله أتقاكم) من سورة الحجرات، الآية 13.
ملحق:
ماذا استفدنا من تجارب السابقين؟
على مستوى التعدد والتنوع:
كانت هناك تيارات، وكانت هناك صراعات. وإذا كان الصراع ظاهرة صحية تاريخيا، كونه يحقق جدلية واختبار لما يمكنه أن يستمر ويقدر على ذلك مما لا يمكنه ذلك، فإننا سنقول بضرورة مراجعة عوامل وعناصر هذا الصراع ـ الديالكتيكي، حتى نعيد النظر فيه وفيما يمكننا أن نرجعه للتوظيف والحياة بقدر حاجتنا له وضرورته فيها.
كانت هناك صراعات وتباينات إيديولوجية وسياسية في التناول والتنزيل. وكان لها تأثير على الموضوعي وعلى الواقعي. ولا يمكن أن نقول إن الصالح هو الذي دام واستدام بقدر ما سنقول إن القوي نسبيا هو الذي دام ويريد الاستدامة. لكن ما بني على باطل سينكشف وينفضح ولن يستمر مع الأجيال.
ارتبط الإيديولوجي بالسياسي وطُلب من الثقافي والفكري إعطاء الشرعية والموالاة، وكانت النتائج كارثية على مستوى تدبير الصراعات والاختلافات. ذلك أننا لسنا بدول ديمقراطية وإن كانت الديمقراطية في حد ذاتها مطلبا مثاليا لا يتحقق إلا بالتوافق والتراضي والتعايش والتسامح وبالعدل والمساواة وتوفير الحقوق والمساواة أمام القانون والقضاء. ديمقراطية تجعل كل الطبقات المجتمعية ملتزمة بنواميسها الجديدة غير متعصبة لسيادة قروسطية أو عصبية متشجنة ضيقة. فهلا استفدنا من كل الأخطاء السابقة وبنينا مشروعا مجتمعيا جديدا بديلا؟ كفانا حروبا إقليمية وطائفية، وكفانا استمرارية لرجعية قضايا وتجاوزها التاريخ فأصبحت تهدم حاضرنا ومستقبلنا بدل أن تكون صالحة فيهما.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي