الرئيسية / الأعداد / العدد الثامن والسبعون / أعمدة ثابتة 78 / ثم غاب الشعر – محمد دخيسي أبو أسامة

ثم غاب الشعر – محمد دخيسي أبو أسامة

ثم غاب الشعر

محمد دخيسي أبو أسامة

 

-1-

ثم غاب الشعر….

عذرا صديقي الشاعر…

ما عدت أسمع الشعر، لا لقلة عدد الشعراء، بل لكثرتهم اليوم، ولكنهم سيلٌ عرمرم، يشنفون آذاننا بما لذ وطاب من النعم، ديدنهم التعجب، والإعجاب، والعجب… وانزياح عن المعيار دون سبب، وميل إلى النثر بلا وتد أو سبب…

لم نستطع أن نحصي الشعراء، غير أن الحديث عن الشاعر الفحل، أو المفلق غاب، فناب عنه الشعرور والمتشاعر…

ما دافع الكتابة في الموضوع؟

حقيقة، إننا فقدنا الذوق الشعري، ربما لأن المتلقي غير مدرك للتطور الشعري المعاصر؛ بكل تقنياته، ومكنوناته، ونثرياته. أو قد يعود إلى بُعد الشاعر عن ذاته، أو بعده أحيانا عن واقعه؛ وذاك حسب رؤيته للشعر.

السبب الثاني، أنني حاورت شاعرا حول أنواع القصيد. فقال إنه يكتب العمودي؛ وحسب رأيه إن العمودي هو ما يخضع شكل القصيدة فيه إلى الاتجاه العمودي من أعلى لأسفل، أي عكس التفعيلي الذي يخضع لتفعيلات العروض، وينظمه الشاعر وفق نظام الشطرين المتقابلين (البيت الشعري)… إذ ذاك علمت السر المضمر وراء كثرة الشعراء، واستنتجت أن زمن الشعر ولى، وقد يعوض بزمن السرد الطويل، كونه أكثر تعبيرا عن الهم اليومي، والوضع الجماعي، والأفق التخيلي.

هذا حسب ما جاء في بيان الشعر المنظم على هامش لقاء شعري ما..

-2-

ماذا لو كتب الذكاء الاصطناعي نصا بديلا؟؟

وكثير ما هم في حقيقتها، وحقيقتهم وهم يتجاهلونه..

قبل أشهر، وبمناسبة ما، قدمت للذكاء الاصطناعي معطيات شخصية، وطلبت منه نظم قصيدة؛ فكانت المفاجأة أن صاغ ما لم أسطع حبكته، وشنف الآذان، والأبصار ما لم أنتبه إلى قيمته واقعا.. تقاسمت النص مع بعض الأصدقاء؛ فكانت الدهشة مثنى وثلاث ورباع، وبيع الوهم للمتلقي بقصد، وحينما أخبرت من تلقى النص أنه إنتاج الذكاء الاصطناعي، لم يصدق أغلبهم موقفي..

حين سألت الذكاء الاصطناعي عن مدى الاستفادة منه وإليه، كان الجواب كالآتي:

“أراه أمرًا مشروعًا ومفيدًا، لكن قيمته تتوقف على طريقة الاستخدام.

في النصوص الإبداعية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شريكًا في العصف الذهني، واقتراح الصور والاستعارات، وتجريب أساليب مختلفة. لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن التجربة الإنسانية والصوت الشخصي؛ لأن النص الإبداعي لا يستمد قيمته من سلامة اللغة وحدها، بل من فرادة الرؤية وصدق الإحساس.

أما في النقد، فالأمر أكثر حساسية. يستطيع الذكاء الاصطناعي المساعدة في تنظيم الأفكار، ومقارنة القراءات، وكشف بعض التناقضات أو الثغرات، لكنه قد ينتج تحليلًا يبدو عميقًا وهو في الحقيقة عام أو قائم على افتراضات خاطئة. لذلك يبقى دور الناقد في التحقق، والتأويل، وبناء الحجة، أساسيًا.

باختصار: المشكلة ليست في أن يكتب الذكاء الاصطناعي معك، بل في أن يكتب بدلًا منك ثم تنسب النص إلى نفسك دون وعي أو مراجعة

وأفضل استخدام له، في رأيي، هو أن يكون محرّضًا على التفكير لا مُعفيًا منه.”

السؤال المشروع:

هل كل ما نقرؤه عبر مجموعة من الوسائط شخصي، أم أننا نجتر ما لاكته ألسنة CHAT GPT، أو بعض التطبيقات الأخرى؟؟

شخصيا، أكتشف بين الحين والآخر بعض النصوص التي أفوض أمرها لمحكمة النقض، فترفضه شكلا وصوغا..

ومن المعايير التي يمكن أن تكون دليلا على كون النص مصطنعا، نذكر:

غياب الخصوصية الفردية، فالذكاء الاصطناعي يكتب تجربة إنسانية عامة، تصلح لكل حال ومحال، حتى وإن قدمت له معطيات مسبقة، فسيكون النص ذاته الذي ينتجه مع شخص آخر؛

غياب التسلسل المنطقي، فالذكاء الاصطناعي يأتي بعبارات ومقامات متشظية، وبخاصة في المجال النقدي؛

غياب التوثيق، سواء من خلال الاقتباس من النص الأصلي، أم من مرجعيات مسبقة؛

العموميات، إذ قد يصلح المقال النقدي مثلا، لأي نص كيفما كان نوعه؛

هيمنة الصيغ الثنائية، لا يمكن..  بل، وقد يكون… إلا أن…؛

القدرة على جعل النص أو المقال فصيحا جون حاجة إلى التبرير والتعليل؛

الإكثار من المصطلحات النقدية، دون تفسير أو توضيح…

وشكلا، نجد اعتماده على علامات الترقيم، وتجزيء الفقرة إلى جمل؛

شكل بعض أواخر الكلمات، وبخاصة تنوين الفتح

أمام هذه الاقتراحات الشخصية البديلة، نضع أنفسنا أمام واقع لا يصلح إلى أن يكون هروبا منه وإليه:

أين هو الضمير الإنساني الذي يجعل المبدع أو الباحث صادقا مع نفسه، قبل أن ينتقل إلى تقاسم ما يكتب مع غيره؟؟

 

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً