الهايكو العربي .. بين المجاملة ورَصانة التأسيس (الجزء الرابع)
توفيق أبوخميس*
“لا يوجد نص لا ينتمي إلى جنس، ولا يوجد جنس ليس له نص. التجنيس هو العقد غير المكتوب بين الكاتب والقارئ لتوجيه القراءة”.
جيرار جينيت *1
حين تتحول المجاملة إلى ثقافة، والترقيع إلى منهج، والتبرير إلى دفاع، والتطبيل إلى وسيلة لتغليف الحقيقة، لا تعود المشكلة في التقييم الأدبي وحده .. بل في البيئة التي تمنع اكتشاف الخطأ وتصحيحه ..!
من المعروف أن الجنس الأدبي هو كيان ثابت بقوانينه ومكوناته سواء كانت النظرية منها أو التطبيقية، حيث يتعارف عليها من يدخل ويخوض مضمارها من الناس، إلى حين أن يصبح الجنس قاعدة معيارية في تعرف النصوص والخطابات والأشكال، والتمييز بينها تجنيساً وتنميطاً وتنويعا. ويتحدد الجنس الأدبي بوجود قواسم مشتركة أو مختلفة بين مجموعة من النصوص، باعتبارها بنيات ثابتة متكررة ومتواترة من جهة، أو بنيات متغيرة ومتحولة من جهة أخرى. وهذا ما يجعل تلك النصوص والخطابات تصنف داخل صيغة كَلَامِيّة واحدة أو جنس أو نوع أو نمط أدبي خاص بنوعيته. وإن كانت هناك عناصر اختلاف ثانوية، فهي لا تؤثر بشكل من الأشكال على الجنس الأدبي؛ لأن المهم هو ما يتضمنه من عناصر أساسية راسخة وثابتة، وكلما نكص جنس أدبي، ظهر على إثره جنس أدبي آخر توالداً وتناسلاً وانبثاقا.
إن التفاعل بين الأجناس الأدبية لا يتنافى مع تمايز كل جنس بأسلوبه الخاص به، وإذ كان البلاغيون القدامى لم يضعوا اليد على هذه الخصائص المميزة، فقد كان لعنايتهم الكبيرة بالشعر الأثر القوي في تثبيت وصياغة أصوله الجمالية وسماته الأسلوبية، التي لم يحظ بها جنس أدبي آخر.
حيث أن لأي جنس أدبي صفات جمالية نابعة من تقاليده الخاصة في التعبير، وهذه التقاليد هي مكوناته الفنية الخاصة الثابتة التي تفرض نفسها على أي مبدع مهما كانت أصالته في الخلق الفني، كما أنها تفرض نفسها على القارئ في ممارسته النقدية والتأويلية. وبذلك يصبح الجنس الأدبي معياراً يوجه الإبداع والنقد معاً. ولأجل هذا فإن ما نسميه بأساسيات البنية تنطوي على ضرب من الأطر تحتوي داخل محيطها “الأسس” التي تشمل أي استخدام فني خاص لأي جنس تنتمي إليه.
وهنا استشهد بقول الناقد الادبي المغربي الأستاذ عبدالفتاح كيليطو: “التجنيس هو الذي يمنح النص شرعيته داخل الثقافة؛ فالنص الذي بلا جنس أدبي واضح يبدو كالمتشرد الذي لا يحمل أوراق هوية، فيصعب على المؤسسة النقدية استقباله”
وفي المحصلة غرضنا هنا إثبات أن ما يدعى بالتجنيس الأدبي، لا بد أن يكون له إطار فني يرسم له حدود ويخط له سماته، وذلك تجنباً للوقوع في متاهات التأويل من قبل الناقد والمتلقي على حد سواء.
إن أكبر مشكلة تواجه توطين هذا الفن الأدبي الجميل في وطننا العربي وتقف حجر عثرة أمام انتشاره بشكل السليم هم أولئك الذين نصبوا أنفسهم منظرين ونقاد لهذا الفن وهم لا يملكون أي دراية بالنقد ومعاييره.
وأيضاً من عيوبنا الواضحة في المشهد الأدبي والنقدي وفي مجال كتابة الهايكو ونقده: المجاملات المكشوفة ، التي زادت من وجودها وسائل التواصل الاجتماعي.
حيث نقرأ أحياناً بعض النصوص السطحية البسيطة فنجد التعليقات العالية التي تشيد بتميزها، مما يساهم في خداع أصحابها فيظنون أنهم وصلوا لمرحلة التميز والفرادة، خصوصاً حين تصدر تلك التعليقات ممن نصبوا أنفسهم متخصصين.
وما أريد قوله بشكل أكثر تبسيطاً وعلى سبيل المثال لا الحصر بما يقترفه البعض في الهايكو كتابة وتنظيراً عن إستخدام البلاغة في كتابة النصوص حيث لا يعلم أغلب هؤلاء الكتّاب ما هي البلاغة وما يندرج تحت مسماها وأذهب الى أبعد من ذلك حيث أغلبهم لا يعرف ما هو المجاز أو م اهي الكناية والاستعارة ولا يعلم هؤلاء إن كل منها وغيرها ضرب من ضروب البلاغة.
فالأجناس الأدبية ليست مفهوم خاص بكل جماعة أو بلد أو زمن أو دين، فهي تُعدُّ معياراً عاماً يلزم الجميع.
ويبقى مُلحاً تكرار السؤال الذي قد يزعج البعض أيضاً:
هل نحن حقاً نبحث عن الحقيقة التي تساعدنا على تصحيح المسار، أم عن الكلام الجميل الذي يدغدغ مشاعرنا ويجعل صاحب الكتابة يشعر أن كل شيء على ما يرام ..؟!
يتبع ..
شاعر وناقد من الأردن
هوامش:
1* – جيرار جينيت:( 7 يونيو 1930-11 مايو 2018) اكاديمي فرنسي يعد أحد أهم المساهمين في التحليل البنيوي و”نظرية الأشكال الأدبية”. عمل أستاذًا للأدب الفرنسي في جامعة السوربون في باريس. وكان يلقَّب بألقاب عدة، منها: نصير بروست، جرَّاح الكتب، البنيوي المحتال، والمصنِّف.
2 * – عبدالفتاح كيليطو: (مواليد 10 أبريل 1945،المغرب/مدينة الرباط)، هو كاتب وروائي وناقد. مغربي يكتب باللغتين العربية والفرنسية في مجالي الرواية والنقد الأدبي، استثمر المناهج الحديثة لفهم النصوص الكلاسيكية. وهو حاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والآداب عام 2023.‘ كما حصل على جائزة الفرنكوفونية الكبرى التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية؛ تكريماً لمسيرته الأدبية والفكرية المتميزة.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
