حوار مع المبدع المغربي حسن بيريش

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
لم يكن دربه مفروشاً بالاعتياد؛ فقد خطّ على مدى عقود أثراً لا يمحي، صانعاً مدرسةً خاصة في قراءة الوجوه واكتشاف دواخل الأرواح بعيداً عن التكلف أو التملق. من طنجة العالية التي ترعرعت في تفاصيل روحه، إلى آفاق الكتابة السياسية، وتوثيق السير، والأنطولوجيات الشامخة، مروراً بصحبته الروحية والإبداعية لأيقونة الرواية الراحل محمد شكري، كتب صاحب في حضرة البهاء وما لم يقله لنا الحب ملحمةً من العشق والوفاء لجوهر الإنسان. في هذا اللقاء بمجلة مدارات الثقافية، يزيح حسن بيريش الستار عن دفاتر روحه، ليؤنسن الأسئلة ويغوص في هواجس الإبداع، وتحديات اللغة في زمن السرعة، وعناق المكان والذاكرة، كاشفاً عن بوح مشاريع تتأهب للولادة. إنه حوار يشبه صاحبه؛ عميق كالبحر، دافئ كشمس طنجة، ومؤمن بأن الكلمات الصادقة هي وحدها ما يعيد للخفقان بهاءه الأول.
ورقة عن المبدع حسن بيريش

- مكان الولادة: مدينة طنجة، المغرب.
- التخصص البارز: كاتب وصحافي متخصص في كتابة البورتري الأدبي.
أولاً: المسار الإعلامي والصحافي
راكم الكاتب تجربة إعلامية غنية ومتنوعة، شملت الإدارة الصحفية، والمراسلة، والتعاون مع أبرز الوجوه والمنابر الإعلامية:
- الصحافة المكتوبة:
- أول مراسل ليومية “المساء” في طنجة بعد صدورها (لمدة ستة أشهر).
- مدير مكتب “أسبوعية الوطن الآن” في شمال المغرب لمدة عشر سنوات.
- عمل رفقة الإعلامي الراحل خالد مشبال في أسبوعية “الشمال 2000” (2004 – 2013).
- ترأس تحرير عدة صحف ومجلات مغربية؛ من أبرزها: “صباح اليوم”، “رجال مال وأعمال”، “شمس”، “الفجر”، “صوت طنجة”، وغيرها.
- عضو هيئة تحرير مجلة “حوار” بطنجة.
- الإعلام السمعي البصري والرقمي:
- رئيس تحرير مؤسسة “أباك” للإنتاج السمعي البصري بطنجة (2017).
- رئيس تحرير تلفزيون قرطبة (2017).
- مستشار ثقافي لمؤسسة النشر الوطنية “ومضة” (منذ سنة 2016).
- حل ضيفاً على العديد من القنوات التلفزية والمحطات الإذاعية داخل المغرب وخارجه.
ثانياً: المهام والمسؤوليات الثقافية والنقابية
- في اتحاد كتاب المغرب:
- التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 2001.
- عضو المجلس الإداري لاتحاد كتاب المغرب (منذ سنة 2012).
- نائب رئيس فرع اتحاد كتاب المغرب بطنجة (منذ سنة 2012).
- في النقابة الوطنية للصحافة المغربية:
- مقرر مكتب طنجة للنقابة.
ثالثاً: النشاط الجمعوي والثقافي
- تأسيس ودعم الهيئات المدنية:
- أسس جمعية وطنية ذات بعد دولي، وهي جمعية “ملتقى الفنون والثقافات”.
- عضو مؤسسة محمد أديب السلاوي للثقافة والفكر والحوار.
- ساهم في تأسيس عدة جمعيات ومؤسسات ثقافية بجهة طنجة – تطوان.
- النشاط الثقافي والنقدي (مغربياً وعربياً):
- أنجز سلسلة دراسات نقدية حول التجربة الشعرية لعدد من كبار شعراء المغرب.
- له مراسلات عديدة متبادلة مع كبار أدباء المغرب.
- ألقى عروضا ومداخلات في مجموعة من المؤسسات الجامعية والملتقيات الثقافية بالمغرب.
- ساهم في تكريم شخصيات بارزة من عالم الأدب، الفن، السياسة، والصحافة.
- أجرى حوارات مع أشهر وأكبر المبدعين العرب، نُشرت بصحف ومجلات ذائعة الصيت (مثل: “أخبار الأدب” المصرية، “الحياة” اللندنية، “الأهرام” المصرية)، إضافة إلى الملاحق الثقافية لجرائد “العلم”، “الاتحاد الاشتراكي”، و”الاتحاد الأسبوعي”.
رابعاً: التتويج والاعتراف النقدي والأكاديمي
- جائزة أفضل كاتب بورتري في الصحافة المغربية سنة 2016 من المنظمة المغربية للإعلام الجديد.
- تصنيف أكاديمي: صنفته الدكتورة كوثر جابر ضمن أكبر وأهم كتاب البورتري في العالم العربي، وذلك في أطروحة دكتوراه أُنجزت بجامعة حيفا بفلسطين.
- تلقى عدة شهادات استحقاق ثقافي كبرى من مؤسسات مغربية وعربية وعالمية.
خامساً: المؤلفات والإصدارات
في مجال البورتري الأدبي
- “في حضرة البهاء / بورتريهات بحبر الأنوثة” (2014).
- “مبدعون لا ينطقون عن الهوى / بورتريهات عاشقة” (2015).
- “صناع التفرد / إعلاميون في الواجهة” (2019).
- الخطاب الإبداعي للمرأة / تجوال في نصوص لا تستر عريها – الجزء الأول (2020).
- الخطاب الإبداعي للمرأة / تجوال في نصوص لا تستر عريها – الجزء الثاني (2022).
- “من وحي الغواية / أنا… وهؤلاء” (2022).
- “أسود المغرب في قطر / حلم فاق الخيال” (2022).
في مجال الكتابة السيرية والأنطولوجيات
- “رجال من تطوان” (بالاشتراك مع الكاتب البشير المسري، 2011).
- “بديعة ريان / هذه أنا” (2012).
- “المبتدأ والخبر / جوانب من مذكرات السيرة الذاتية للمهندس العراقي نزار النقيب” (2012).
- “خالد مشبال الإعلامي الذي لم يفقد ظله” (بالاشتراك مع المبدع عبد الرزاق الصمدي، 2014).
- “بن يسف يتكلم” (2015).
- “أنطولوجيا كتاب طنجة / مائة عام من الإبداع” (2024).
- “أنطولوجيا الكاتبة المغربية / سير من الأدب النسائي” (2025).
رفقة الروائي الراحل محمد شكري

رافق الروائي الراحل محمد شكري خلال السنوات الأخيرة من عمره، وأصدر عنه:
- “هكذا تكلم محمد شكري” (حوار، 2001).
- “شكري.. وأنا” (مذكرات، 2011).
- “المعيش قبل المتخيل / حوارات مع محمد شكري” (2013).
في مجال الكتابة الأدبية والعامة
- “الشامل في تراجم الأدباء والنقاد” (2000).
- “طريقك إلى السعادة” (2001).
- “رسائل الغواية / أحاديث بين صحافي وشاعر” (يتضمن رسائله المتبادلة مع الشاعر عبد الكريم الطبال، 2011).
- “ما لم يقله لنا الحب” (2026).
في مجال الكتابة السياسية
- “السلام والأمن ومواقف نتنياهو” (1997).
- “الحقائق الغائبة في الصراع العراقي / الأمريكي” (1998).
- “الجريمة على الطريقة الأمريكية” (2001).
كتب جماعية
- “طنجة نظرات متوازية” (2012).
- “عزيزة يحضيه عمر / امرأة بحجم الحلم” (2022).
سادساً: أعمال تحت الطبع
- “مخابئ المعنى / بورتريهات خارج السرب”.
- “الجنس والوعي الجماعي / تمثلات صورة المرأة في الأمثال الشعبية المغربية”.
- “زَمَنُ الإغْوَاء / مَشَاهِيرُ العَالَمِ فِي طَنْجَة”.
نص الحوار

المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية
1.كيف يرى المبدع حسن بيريش الكتابة بصفة عامة، وما هي رسالتها برأيك؟
أرى الكتابة بوصفها محاولة دائمة لإنقاذ ما يتعرّض فينا وفي العالم من خطر التلاشي. نكتب لأن الحياة، على الرغم من اتساعها، لا تمنحنا دائمًا الوقت الكافي لفهم ما يحدث داخلنا، ولأن بعض الحقائق لا تستطيع أن تعيش إلا في اللغة.
الكتابة، بالنسبة إليّ، ليست ترفًا لغويًّا، ولا استعراضًا للمعرفة، ولا سباقًا نحو الظهور؛ إنها مسؤولية تجاه الإنسان، وتجاه الذاكرة، وتجاه الحقيقة التي كثيرًا ما تُحاصرها المصالح والأوهام والأصوات العالية.
أؤمن بأن الكاتب الحقيقي لا يكتفي بوصف العالم، بقدر ما يحاول أن يضعه موضع السؤال. لا يكتب كي يضيف كلمات جديدة إلى فائض الكلام، وإنما ليمنح المعنى فرصة أخرى للحياة.
وقد تكون رسالة الكتابة أن تقول ما يتواطأ الصمت على إخفائه، وأن تضيء تلك المناطق المعتمة في النفس البشرية التي نخشى الاقتراب منها، أو خلخلتها.
أجمل ما في الكتابة أنها تمنحنا فرصة الاعتراض على النهاية. الأشخاص الذين نحبهم، والأمكنة التي غادرناها، والأحداث التي ظننا أنها انتهت، تستطيع أن تستعيد نبضها داخل نص صادق.
2.من أين استمددت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما أول نص كتبته أو عمل بارز في بداياتك؟
لم أدخل بحر الكتابة من بابه الهادئ، ولم أكن أبحث عن مهنة تضمن لي لقبًا أو موقعًا اجتماعيًّا. أظن أنني دخلته من ذلك الشغف المبكر بالكلمة، ومن فضول تجاه الإنسان، ومن إحساس بأن وراء كل وجه حكاية لا تقولها الملامح كاملة.
كانت الكتابة، منذ بداياتي، محاولة لفهم ما يجري حولي، ثم تحوّلت تدريجيًّا إلى طريقة في النظر إلى العالم، وإلى شكل من أشكال الانتماء إليه والاعتراض عليه في الوقت نفسه.
ومن النصوص التي أعتز بها، أول بورتري كتبته وكان عن الكاتب الراحل محمد زفزاف. بدت تجربة مغايرة، ومنها بدأ الشغف بالبورتري.
لكن البدايات، في تقديري، ليست تاريخًا نضعه على غلاف، ولا جائزة نعلّقها على جدار. إنها تلك اللحظة التي يكتشف فيها المرء أنه لم يعد يستطيع المرور أمام الأشياء مرور العابرين، وأنه مضطر إلى التوقف، والتأمل، وطرح الأسئلة، ثم البحث عن اللغة التي تستطيع أن تحمل ما عجز عن قوله في الحياة اليومية.
ومع مرور السنوات، اتسعت علاقتي بالكتابة، من الإبداع الأدبي إلى الصحافة والبورتريه والاشتغال على الذاكرة الثقافية.
3.أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك أكثر حين تكتب، ولماذا؟
إذا كان عليّ أن أحدّد الصنف الذي أجد فيه نفسي أكثر، فسأقول دون تردد: البورتريه الأدبي. فقد أمضيت أكثر من اثنين وعشرين عامًا في كتابة البورتريهات، ولم يتحوّل هذا الاشتغال، على الرغم من امتداد الزمن، إلى حرفة آلية أو وصفة جاهزة.
ما زلت أتعامل مع كل شخصية باعتبارها عالمًا مستقلًّا، له تضاريسه النفسية، وتناقضاته، وأسراره، ومناطقه التي لا تفتح أبوابها للقراءة السريعة.
البورتريه، كما أفهمه، ليس سيرة ذاتية مختصرة، ولا تجميعًا للإنجازات والألقاب والتواريخ. إنه محاولة للقبض على الجوهر الذي لا يظهر في الصورة الفوتوغرافية، ولا تكشفه المعلومات المتداولة.
قد أكتب عن كاتب، لكنني لا أريد أن أكتفي بعدّ كتبه؛ أريد أن أعرف ماذا فعلت به الكتابة، وماذا فعل هو بالكتابة. وقد أكتب عن شخصية ناجحة، لكن النجاح وحده لا يغويني بقدر ما تغويني الرحلة الإنسانية التي صنعت ذلك النجاح.
لهذا أجد في البورتريه مساحة واسعة للمغامرة اللغوية والفكرية. أستطيع أن أقترب من الشخصية، وأن أختلف معها، وأن أعيد مساءلتها، وأن أستخرج من تفاصيلها الصغيرة دلالات تتجاوزها إلى أسئلة الإنسان والمجتمع.
4. ماذا حقق المبدع حسن بيريش في مجال الكتابة بحكم ارتباطه العميق بها؟
أعتقد أن أهم ما حققته هو أنني استطعت أن أبني لنفسي مسارًا لا يقوم على جنس أدبي واحد، ولا يحبسني في صورة الكاتب الذي ينتظر أن يُعرَف من خلال كتاب بعينه. اشتغلت على المقالة، وعلى البورتريه، وعلى الصحافة الثقافية، وعلى النصوص التأملية، وعلى مشاريع تسعى إلى توثيق الذاكرة الأدبية والإنسانية المغربية.
أعتز بما حققته من حضور في مجال البورتريه، وبالتقدير الذي حظيت به تجربتي، ومنه تكريمي بلقب «ملك البورتري». وأعتز، بالقدر نفسه، بكتبي التي حاولت من خلالها أن أفتح نوافذ مختلفة على الإنسان والمعنى، ومنها «مخابئ المعنى ـ بورتريهات خارج السرب»، و«أسود المغرب في قطر.. حلم فاق الخيال»، وروايتي الأولى “عبد العزيز الزروالي الرجل الذي أراد أن يكون p”، وكتابي الموسوعي “أنطولوجيا كتاب طنجة”، وكتابي الموسوعي “أنطولوجيا الكاتبة المغربية”، وكتابي «ما لم يقله لنا الحب»، الذي يحمل عنوانًا فرعيًّا هو «تفكيك هادئ للخيبة والنضج العاطفي».
غير أنني لا أقيس ما حققته بعدد الكتب وحده، ولا بحجم الحضور الإعلامي. هناك أشياء لا تظهر في الفهارس: قارئ يقول لك إن نصًّا غيّر نظرته إلى شخص، أو كتاب أعاد إليه سؤالًا ظن أنه تجاوزه، أو بورتريه جعله يكتشف إنسانًا لم يكن يعرفه إلا من بعيد. تلك اللحظات تمنح الكاتب معنى إضافيًّا لجهده.
أما ما أطمح إليه، فهو أن تكون كتابتي قد أسهمت، ولو بقدر محدود، في جعل الثقافة المغربية أكثر قدرة على قراءة ذاتها، وفي تقديم شخصياتها إلى القارئ من خلال مقاربات تتجاوز الاحتفاء العابر إلى الفهم العميق.
أعتبر أنني قطعت مسافة، لكنني لا أعتقد أنني وصلت إلى نهاية الطريق. فالكاتب الذي يعلن اكتماله مبكرًا يبدأ، في الغالب، بتكرار نفسه.

المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها
5. ما أبرز التحديات التي تواجهك كمبدع؟ وكيف تتعامل مع حصار الكلمات أو جفاف الإلهام؟
أكبر تحدٍّ يواجهني ليس العثور على الكلمات، بل العثور على الكلمات التي تستحق أن تُكتب.
المفردات متاحة، والقواميس مفتوحة، واللغة العربية بحر لا تنفد مياهه، لكن الصعوبة الحقيقية هي أن تعثر على العبارة التي تقول المعنى من دون أن تبتذله، وعلى المجاز الذي يضيء الفكرة من دون أن يحجبها، وعلى الجملة التي تملك موسيقاها الخاصة من دون أن تقع في استعراض بلاغي فارغ.
أخشى الكتابة المستسهلة أكثر مما أخشى الصمت. وأخشى أن يتحوّل الكاتب، تحت ضغط الإنتاج المتواصل أو الرغبة في الحضور، إلى موظف لدى عاداته اللغوية، يستدعي المجازات نفسها ويعيد تدوير الأفكار ذاتها. لذلك أحاول أن أتعامل مع كل نص بوصفه امتحانًا جديدًا، حتى عندما أكون قد كتبت عشرات النصوص في الموضوع نفسه.
أما جفاف الإلهام، فلا أراه دائمًا عدوًّا ينبغي القضاء عليه. أحيانًا يكون دعوة إلى التريث، وإلى الابتعاد قليلًا عن النص حتى يستعيد صاحبه قدرته على رؤيته من الخارج.
وقد تعلمت أن الكتابة لا تعني الجلوس أمام الورقة طوال الوقت؛ فالكاتب يكتب أيضًا حين يقرأ، وحين يصغي إلى الآخرين، وحين يمشي في مدينة، وحين يراقب تفصيلًا عابرًا، وحين يسمح للتجربة بأن تستقر داخله.
وفي بعض المشاريع، لا يكون التحدي هو غياب الإلهام، بل وفرة المادة وتشابكها، والحاجة إلى الاختيار والحذف وإعادة البناء.
لقد عشت ذلك خلال العمل المتواصل على كتابي «ما لم يقله لنا الحب»، حين استغرقت عملية الكتابة نحو مئة يوم من الاشتغال المكثف. عند تلك النقطة، لا تكفي الرغبة وحدها؛ يصبح الانضباط شرطًا للإبداع، ويصبح التوقف المؤقت ضرورة لحماية النص من صاحبه.
أنا لا أنتظر الإلهام حتى أكتب، ولا أكتب لمجرد إثبات أنني حاضر. أحاول أن أهيئ له مكانًا، وأن أترك له حرية المجيء في الوقت الذي يناسبه.
6. هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟
بالتأكيد. لا أؤمن بوجود كاتب يولد خارج الجغرافيا، حتى عندما يكتب عن عوالم بعيدة. المكان يسكن اللغة، والذاكرة، وطريقة النظر إلى الناس، بل إنه يتسلل إلى ما نعتقد أننا نكتبه بعيدًا عنه.
طنجة، مثلًا، ليست بالنسبة إليّ مجرد مدينة يمكن استحضارها بوصفها خلفية للأحداث؛ إنها فضاء تتقاطع فيه الحكايات والهويات واللغات والذاكرات. مدينة تعلّم من يقترب منها أن الحدود ليست دائمًا خطوطًا تفصل بين العوالم، بل قد تكون نوافذ يتبادل عبرها البشر نظراتهم وأسئلتهم وأحلامهم.
ولذلك أعمل على مشروعي «مشاهير وقعوا في غرام طنجة»، الذي انطلقت فكرته سنة 2018، ثم استأنفت الاشتغال عليه لاحقًا، بهدف استعادة مرحلة استثنائية من تاريخ المدينة، من خلال شخصيات عالمية ارتبطت بها وجدانيًّا وثقافيًّا.
لكن تأثير المكان لا يقتصر على المدينة التي نعيش فيها أو نعرف شوارعها. لقد تعلمت أيضًا أن الخيال يستطيع أن يعبر الجغرافيا من دون أن يدّعي امتلاك التجربة المباشرة.
ففي مشروعي المشترك مع الفوتوغرافية هند الساعدي حول القاهرة، كتبت عن مدينة لم أزرها يومًا، مستندًا إلى صورها وإلى ما راكمته في وجداني من معرفة وافتتان بمصر. كانت تجربة في اكتشاف قدرة الكتابة على بناء جسر بين عين ترى المكان وعدسة تلتقطه، وقلم يحاول أن يمنحه حياة أخرى.
7. كيف ترى العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع؟ وما الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك؟
القراءة بالنسبة إليّ ليست مرحلة تسبق الكتابة ثم تنتهي، هي رفيقتها الدائمة، وشرط من شروط استمرارها. الكاتب الذي لا يقرأ يشبه من يريد أن يواصل السفر بعد أن أغلق جميع النوافذ على العالم. قد يستطيع أن يتحرك قليلًا، لكنه سيبدأ عاجلًا أو آجلًا في الدوران حول نفسه.
منحتني القراءة أكثر من المعرفة، منحتني القدرة على اكتشاف أن الفكرة الواحدة يمكن أن تُرى من زوايا متعددة، وأن اللغة ليست قالبًا جاهزًا نضع فيه المعنى، بل كائن يتغير بحسب علاقتنا به. ومن خلال القراءة، تعلمت أن لكل كاتب إيقاعه، وأن تقليد الأساليب قد يكون مرحلة عابرة، لكن النضج يبدأ حين يتحول التأثر إلى حوار، ثم إلى استقلال.
في تجربتي مع البورتريه، تلعب القراءة دورًا مضاعفًا. لا يمكنني أن أكتب عن شخصية ثقافية بعمق من دون أن أقترب من عالمها، وأقرأ ما أنتجته، وأبحث عن العلاقة بين خطابها المكتوب وصورتها العامة. فالكاتب الذي أكتب عنه ليس مجرد موضوع أمامي، بل تجربة ينبغي أن أفهم سياقها قبل أن أقدم تأويلي لها.
القراءة تمنعني من الاطمئنان إلى أحكامي. كلما ظننت أنني وصلت إلى معنى نهائي، يأتي كتاب ليذكّرني بأن العالم أوسع من قناعاتي، وأن الحقيقة لا تمنح نفسها كاملة لأحد.
وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يصيب الكاتب هو أن يكتفي بقراءة نفسه، وأن يصبح أسيرًا لما يعرفه مسبقًا. لذلك أحاول أن أظل قارئًا فضوليًّا، لأنني لا أريد أن أكتب من مخزون الأمس وحده، بل من أسئلة تتجدد باستمرار.

المحور الثالث: قضايا أدبية عامة
8. كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم، وما أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟
الكتابة العربية تعيش مفارقة واضحة: هناك وفرة في النشر، وتعدد في المنابر، واتساع في إمكانات الوصول إلى القارئ، لكن هذه الوفرة لا تتحول دائمًا إلى حيوية ثقافية موازية. فليس كل كتاب منشور إضافة نوعية، وليس كل حضور رقمي حضورًا أدبيًّا، وليس كل ضجيج حول نص دليلًا على قيمته.
من جهة أخرى، لا يجوز أن نحاكم المشهد الأدبي كله بمنطق التشاؤم. هناك تجارب عربية شديدة الأهمية، وأصوات جديدة تشتغل بوعي على اللغة والذاكرة والجسد والهوية وأسئلة الحرية، وهناك كتاب يغامرون بأشكال جديدة ويبحثون عن مساحات للتعبير خارج القوالب التقليدية. كما أن وسائل النشر الحديثة فتحت أبوابًا أمام أصوات لم تكن تجد طريقها بسهولة إلى المؤسسات الثقافية التقليدية.
التحديات لا تزال كبيرة. من بينها ضعف التوزيع، وارتفاع كلفة الكتاب، ومحدودية القراءة المنتظمة في قطاعات واسعة، وهشاشة العلاقة بين بعض المؤسسات الثقافية والمبدعين، فضلًا عن اختلاط القيمة الأدبية بمعايير الشهرة والتسويق والعلاقات العامة. وأضيف إلى ذلك أزمة النقد الجاد، فنحن نحتاج إلى نقد يقرأ الأعمال فعلًا، ويختلف معها بالحجة، وينصف التجارب من دون مجاملة، بدل الاكتفاء بالمقدمات الاحتفالية والعبارات التي تصلح لوصف كل الكتب ولا تكشف خصوصية أيٍّ منها.
أما الفرصة الكبرى، فهي أن نعيد الاعتبار إلى القارئ، لا باعتباره مستهلكًا للمنتج الثقافي، بل شريكًا في إنتاج المعنى. وأن نخلق جسورًا أوسع بين الآداب العربية، وبين الكاتب والجامعة والمدرسة والمكتبة والإعلام الثقافي.
9. ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكن ترتيب حضورها في ظل تزايد الإصدارات وتنوع المجالات الإبداعية؟
الكتابة النسوية العربية ليست هامشًا في المشهد الأدبي، ولا ملحقًا يُضاف إلى الأدب حين نريد الحديث عن المرأة، بل هي جزء أصيل من التحولات الفكرية والجمالية التي عرفتها الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة. لقد أسهمت كاتبات عربيات في إعادة طرح أسئلة الجسد والحرية والذاكرة والسلطة والعائلة والهوية، وكشفن جوانب من التجربة الإنسانية ظلت طويلًا محكومة بالصمت أو بالتناول الأحادي.
لكنني أتحفظ على فكرة ترتيب الكتابة النسوية في مرتبة واحدة، كما لو أننا أمام كتلة متجانسة. فهناك تفاوت في التجارب والأساليب والرهانات، مثلما هو الحال في الكتابة التي ينتجها الرجال. ثمة نصوص تملك قيمة جمالية وفكرية كبيرة، وأخرى تحتاج إلى مزيد من النضج والاشتغال، ولا ينبغي أن يحجب هذا التفاوت حقيقة أن حضور المرأة في الكتابة العربية بات جزءًا أساسيًّا من حيوية المشهد الثقافي.
كما أنني لا أحب أن يُختزل تقييم الكاتبة في كونها امرأة، حتى عندما تكون قضايا المرأة محورًا مركزيًّا في عملها. ينبغي أن نقرأها أولًا بوصفها مبدعة، وأن نحاكم نصها بمعايير الفن واللغة والابتكار والعمق، من دون إلغاء خصوصية التجربة النسائية أو تجاهل السياقات التي أنتجتها.
وأعتقد أن تزايد الإصدارات النسائية، وتنوعها بين الرواية والشعر والنقد والسيرة والمسرح وغيرها، يفرضان على المؤسسات الثقافية والإعلامية والجامعات أن تتعامل مع هذا الإنتاج باعتباره ثروة معرفية وجمالية تستحق القراءة والنقد والتوثيق، لا مجرد مناسبة للاحتفاء الموسمي.
ومن خلال احتكاكي بالمشهد الثقافي المغربي، وعملي المشترك مع إلهام إحوضيكن، ومتابعتي للمبادرات التي تتيح للكاتبات فرصًا للظهور والحوار والتكريم، ازددت اقتناعًا بأن إنصاف المرأة المبدعة لا يتحقق بالتصفيق وحده، بل بتوفير شروط الاستمرار، وإتاحة المنابر، والاعتراف باستحقاقها الإبداعي.
الكتابة النسوية لا تحتاج إلى مجاملة تُضعفها، بل إلى قراءة عادلة تكشف قوتها، وتناقش أسئلتها، وتمنح تجاربها المكانة التي تستحقها.
10. مع تطور التكنولوجيا، هل يمكن أن نستغني يومًا عن الكتابة وسيلةً للتعبير والتوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي التأثير في مستقبل الكتابة الإبداعية؟
لا أعتقد أن الإنسان سيستغني عن الكتابة ما دام محتاجًا إلى أن يترك أثرًا يتجاوز لحظته الراهنة. قد تتغير الوسائط، وقد تنتقل الكتابة من الورق إلى الشاشات، وقد تتداخل الكلمة مع الصورة والصوت والوسائط التفاعلية، لكن الحاجة إلى التعبير والتوثيق والتأمل لن تختفي بسهولة. الكتابة ليست مجرد تقنية لتسجيل الكلام؛ إنها طريقة في ترتيب الأفكار، واكتشاف العلاقات بين الأشياء، ومراجعة الذات.
أما الذكاء الاصطناعي، فأراه من التحولات التي ينبغي التعامل معها بعقل مفتوح، لا بخوف مطلق ولا بانبهار ساذج. يستطيع أن يساعد في البحث، وتنظيم المادة، واقتراح الاحتمالات، ومراجعة بعض الأخطاء، وتوسيع إمكانات الوصول إلى المعلومات. وهذه أدوات يمكن للكاتب أن يستفيد منها، شرط أن يعرف حدودها وأن يتحمل مسؤولية ما ينشره.
لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نص متماسك، بل ما الذي يجعل النص تجربة إنسانية حقيقية. فالكتابة الإبداعية لا تتكون من سلامة الجمل وحدها، وإنما من علاقة معقدة بين الذاكرة والتجربة والألم والرغبة والتناقض والوعي بالموت والحب والخسارة. يستطيع النظام أن يحاكي أشكال التعبير عن هذه التجارب، لكن المحاكاة لا تعني بالضرورة امتلاك التجربة الإنسانية نفسها.
وأنا، بصفتي كاتبًا اشتغل سنوات طويلة على البورتريه، أعرف أن الإنسان ليس ملفًا من المعلومات. قد أجمع عن شخصية ما عشرات المعطيات الصحيحة، ثم أكتشف أنني لم أقترب بعد من جوهرها. فالمسألة ليست في وفرة البيانات، بل في القدرة على تأويلها، وربطها، وفهم ما وراءها من صمت وتناقض.
لذلك لا أرى أن مستقبل الكتابة محكوم بحرب بين الإنسان والآلة، بل بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بمسؤوليته الإبداعية والأخلاقية. الخطر ليس أن تساعدنا التكنولوجيا على الكتابة، وإنما أن نتنازل لها عن حقنا في التفكير، وأن نخلط بين النص الذي يبدو جميلًا والنص الذي يمتلك ضرورة داخلية تدفعه إلى الوجود.
قد تساعدنا الآلة في العثور على الجملة، لكنها لا ينبغي أن تعفينا من السؤال: لماذا نكتب هذه الجملة أصلًا؟

المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية
12. ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
يصعب عليّ أن أختزل تجربتي في كتاب واحد، لأن الكاتب لا يتشكل عادة تحت تأثير كتاب منفرد، بل من تراكم قراءات ولقاءات وتجارب ومراجعات متواصلة. هناك كتب تفتح أمامنا بابًا، وأخرى تعلمنا كيف نرى، وثالثة تضعنا في مواجهة مع ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن أنفسنا والعالم.
لكنني أستطيع القول إن الكتب التي تركت أثرًا عميقًا فيّ هي تلك التي لم تكتفِ بإقناعي بفكرة، بل غيّرت طريقة طرحي للأسئلة. أحب الكتاب الذي يظل حاضرًا بعد إغلاق صفحته، والذي لا ينتهي مفعوله بانتهاء القراءة، بل يبدأ بعدها.
وبحكم اشتغالي على البورتريه، صارت علاقتي بالكتاب مرتبطة أيضًا بما يكشفه عن صاحبه. أقرأ النص، لكنني أتأمل كذلك الطريقة التي ينظر بها الكاتب إلى الإنسان، وموقفه من السلطة والحرية والحقيقة، وعلاقته باللغة، وما يتركه من مساحات للقارئ كي يفكر ويختلف.
الكتاب الأكثر تأثيرًا في تجربة أي كاتب ليس بالضرورة ذلك الذي يقتبسه كثيرًا، وإنما ذلك الذي يجعله أكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه ما يكتب. فالكتب العظيمة لا تصنع نسخًا من أصحابها، بل تساعدهم على اكتشاف أصواتهم الخاصة.
لهذا لا أريد أن أمنح كتابًا واحدًا لقب الكتاب الذي صنعني؛ فذلك سيكون ظلمًا لرحلة قراءة طويلة، ولأعمال كثيرة شاركت، بدرجات متفاوتة، في بناء ذائقتي. وأظن أنني ما زلت أبحث عن كتب أخرى ستغير بعض ما أعتقده اليوم، وهذا في حد ذاته أحد أسباب استمرار علاقتي بالقراءة والكتابة.
12. ما الكتاب الذي حلمت أن تكتبه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟
هناك كتب لا تغادر الكاتب حتى عندما ينشغل عنها بكتب أخرى. إنها تظل في مكان ما من الذاكرة، تكبر بصمت، وتجمع شذراتها، وتنتظر اللحظة التي يصبح فيها صاحبها مستعدًّا لمواجهتها.
من بين هذه المشاريع، أواصل العمل على كتابي «مشاهير وقعوا في غرام طنجة»، وهو مشروع بدأت فكرته سنة 2018، ثم عرف فترات من التوقف والاستئناف، وأريد له أن يكون أكثر من تجميع لأسماء عالمية زارت المدينة أو ارتبطت بها. أحلم بأن يكون شهادة أدبية وتاريخية على طنجة التي كانت ملتقى للعوالم، وفضاءً للإقامة والعبور والإلهام، ومدينة تركت أثرًا في ذاكرة شخصيات كثيرة من مجالات مختلفة. أريد أن أستعيد من خلاله زمنًا استثنائيًّا من تاريخها، وأن أقدم للقارئ حكايات تتجاوز المعلومة السياحية إلى العلاقة الوجدانية والثقافية بين المدينة ومن مرّوا بها أو أقاموا فيها.
وثمة مشروع آخر يشغلني، هو «بحبر القلب: رسائل من زمن آخر»، الذي يستعيد رسائل بخط اليد تلقيتها من أسماء بارزة في الثقافة المغربية. يهمني في هذا المشروع أن أحفظ شكلًا من أشكال التواصل الثقافي الذي أخذ يتراجع في زمن الرسائل السريعة، وأن أعيد إلى الذاكرة تلك العلاقة الحميمة بين الكاتب وكلمته المكتوبة بخط يده.
الحلم الأبعد من هذه المشاريع جميعًا هو أن أكتب كتابًا يضم خلاصة تجربتي في البورتريه: كيف نكتب الإنسان من دون أن نسجنه في صورة؟ وكيف نقترب من أسراره من دون أن ندّعي امتلاكها؟ وكيف تتحول الكتابة عن الآخرين إلى اكتشاف جديد للذات؟
أعتقد أن بعض الكتب تحتاج إلى أن ننضج بما يكفي لكتابتها. ليست المشكلة دائمًا في الوقت المتاح، بل في المسافة التي ينبغي أن نقطعها داخل أنفسنا قبل أن نكون أهلًا للنص.
13. كيف يرى الإنسان حسن بيريش المبدع حسن بيريش؟
أظن أن الإنسان حسن بيريش أكثر حيرة من الكاتب حسن بيريش، وأكثر قلقًا منه أيضًا. الكاتب يستطيع أن يختار كلماته، وأن يعيد ترتيب جمله، وأن يحذف ما لا يرضيه من نصه؛ أما الإنسان، فليس لديه دائمًا هذا الامتياز. ثمة تجارب نعيشها من دون أن نفهمها في حينها، وأخطاء لا نستطيع محوها، وأسئلة تظل مفتوحة مهما حاولنا أن نجد لها إجابات.
أنظر إلى الكاتب في داخلي باعتباره محاولة مستمرة لترتيب الفوضى، لا دليلًا على أنني انتصرت عليها. أكتب عن الحب والخيبة والنضج العاطفي، لكن الكتابة عن هذه الأشياء لا تجعل صاحبها محصنًا ضدها. وأكتب عن الآخرين، وأحاول أن أقرأ دوافعهم وتناقضاتهم، لكنني أعرف أنني لست خارج الطبيعة البشرية التي أكتب عنها، وأنني بدوري أحمل ما أحمله من ضعف وأحكام متسرعة ومناطق لا أستطيع دائمًا تفسيرها.
ربما لهذا أتمسك بالبورتريه؛ لأنه يعلمني، في كل مرة، أن الإنسان أوسع من صورته، وأن الحكم النهائي عليه ضرب من الغرور. حين أقترب من شخصية وأكتشف فيها تناقضًا لم أكن أتوقعه، أجد نفسي مضطرًّا إلى مراجعة نظرتي، وربما إلى مراجعة شيء من نفسي أيضًا.
أما ما أتمناه لنفسي، فهو ألا أتحول إلى أسير للصورة التي صنعها الناس عن الكاتب حسن بيريش. لا أريد أن أعيش مطالبًا بأن أكون نسخة مطابقة لما يتوقعه الآخرون مني، ولا أن أكتب نصًّا لأنهم ينتظرون مني ذلك النوع من النصوص. أريد أن أظل قادرًا على المغامرة، وعلى الخطأ الذي يعلّم، وعلى التراجع حين أكتشف أنني لم أكن مصيبًا.
لقد منحتني الكتابة فرصًا كثيرة للتعبير عن نفسي، لكنها علمتني أيضًا أن الذات ليست شيئًا جاهزًا نكتشفه مرة واحدة، بل مشروع يتغير باستمرار.
ولو طلب مني أن أختصر علاقتي بنفسي في عبارة، لقلت: أنا رجل يحاول أن يفهم الإنسان بالكلمات، وهو يعرف أن الكلمات، مهما بلغت من الجمال، لن تستنفد أسرار الإنسان.
14.ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب، وهل تراها مقياسًا حقيقيًّا للنجاح الإبداعي؟
للجوائز قيمتها حين تأتي اعترافًا بعمل يستحق القراءة، وحين تمنح الكاتب فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، أو تفتح نافذة أمام تجربة لم تكن تحظى بما يكفي من الاهتمام. وقد تكون الجائزة لحظة مهمة في مسار المبدع، خصوصًا في البدايات، لأنها تمنحه شعورًا بأن جهده وصل إلى الآخرين، وأن النص الذي كتبه في عزلة وجد من يلتفت إليه.
لكنني لا أرى الجوائز مقياسًا نهائيًّا للنجاح الإبداعي. فالتاريخ الأدبي مليء بكتب تجاوزت زمنها من دون أن تنال ما تستحقه من جوائز، وبأعمال حظيت باحتفاء كبير ثم تراجع حضورها مع مرور الوقت. كما أن لجان التحكيم، مهما بلغت خبرتها ونزاهتها، تظل محكومة بمعايير واختيارات وسياقات معينة، ولا تستطيع أن تصدر حكمًا نهائيًّا على الأدب.
لقد ازددت اقتناعًا بأن الاعتراف الحقيقي يتعدد في أشكاله. قد يأتي في جائزة، أو تكريم، أو شهادة من قارئ، أو اهتمام نقدي جاد، أو دعوة إلى لقاء ثقافي يتيح للكاتب أن يحاور الناس حول تجربته. ولا ينبغي أن نضع هذه الأشكال في منافسة بعضها مع بعض.
مشكلتنا تبدأ حين تتحول الجائزة إلى غاية تُملي على الكاتب ما يكتب، أو حين يصبح التكريم بديلًا عن الاشتغال، أو حين تُقاس القيمة الأدبية بعدد الصور التي يلتقطها صاحبها على المنصات.
الجائزة الجيدة تضيء الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تكتب صفحاته. أما النجاح الإبداعي، فأراه في قدرة الكاتب على أن يواصل الكتابة من دون أن يفقد دهشته الأولى، وأن يطوّر أدواته، وأن يترك أثرًا يتجاوز لحظة التصفيق.
15. ما مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟
أحمل عددًا من المشاريع التي تتوزع بين الكتابة الأدبية والتوثيق الثقافي والاشتغال على البورتريه. وهي، على الرغم من اختلاف موضوعاتها، تلتقي عند رغبة واحدة: أن أكتب عن الإنسان، وأن أستعيد ما يستحق أن يبقى من ذاكرة الأمكنة والتجارب والأسماء.
في مقدمة هذه المشاريع، يأتي كتاب «مشاهير وقعوا في غرام طنجة»، الذي أطمح إلى استكماله بما يليق بتاريخ المدينة ومكانتها في المخيال العالمي.
كما أنجز حاليا الجزء الثاني من كتابي الموسوعي “أنطولوجيا الكاتبة المغربية”.
أما طموحي الأبعد، فهو أن أظل وفيًّا للبورتريه، وأن أواصل تطويره بوصفه كتابة أدبية مستقلة، قادرة على الجمع بين الدقة الصحافية والعمق النفسي والجرأة المجازية.
ولا يمكنني الحديث عن المستقبل من دون الإشارة إلى تجربتي المشتركة مع إلهام إحوضيكن. فنحن نؤمن بأن العمل الثقافي لا يقتصر على إصدار الكتب، بل يشمل بناء المبادرات، وفتح المنابر، والاحتفاء بالمبدعين، وخلق مساحات للحوار بين الأجيال والتجارب.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي