الفقيه الذي دارت حوله قصة الشبه..

عبد الله الطني *
(إلى شيخ شيوخ الطريقة العيساوية بمكناس الحاج عبد القادر لمرابط بمناسبة تكريمه في عيد المولد النبوي السابق)
مفهومنا في هذه الورقة هو مفهوم مركب يحيل إلى طريقة من طرق التصوف المغربي عموما، والمكناسي على وجه الخصوص، تسمى ” الطريقة العيساوية “كما يحيل على مفهوم آخر متعالق معه هو مفهوم “المشيخة “.
لقد تعرفت على الطريقة هذه وتشبعتُ بتعابيرها الصوفية والاحتفالية، بشكل تلقائي، منذ أن تولد بداخلي عشق التعابير التراثية المغربية عموما، وضمنها تعابير هذه الطريقة بشكل أخص، بمناسبة ذكرى عيد المولد النبوي من كُل سنة، أو مناسبات احتفالية أخرى.
أما تعرفي الأكاديمي على تاريخها ودلالات تعابيرها وطقوسها فيعود إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، حيث كنت طالبا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز بفاس، في شعبة الفلسفة، فرع علم الاجتماع، يوم، كانت ظهر المهراز قلعة تخرج منها جيل بأكمله متعدد المشارب والحساسيات الفكرية والإيديولوجية. وبفعل حماسي وحماستي أنجزت آنذاك عرضا ضمن مجزوءة ” انثروبولوجيا التعابير الدينية “، تحت إشراف الدكتور المصري أحمد محمد النكلاوي رحمه الله، وكان بحثا يحمل عنوان: ” المعنى الآخر لمفهوم الممارسة الطرقية بالمغرب “، وذلك انطلاقا من أطروحة كتابه الموسوم ب: ” مختارات في علم الاجتماع والانثروبولوجيا ” حيث دافع عن المقاربة الأنثروبولوجية التكاملية للظواهر الاجتماعية والثقافية والدينية. وقد نال بحثي المشار إليه إعجابه الشديد، فما كان منه إثر ذلك إلا أن طلب مني إنجاز بحث أكاديمي لنيل الإجازة في علم الاجتماع، حول احدى تلك الطرق والزوايا، وما كان مني إلا أن وقع اختياري على الطريقة العيساوية تحت عنوان: ” مقاربة سوسيو أنثروبولوجية للطريقة العيساوية “.
ومرت أكثر من نصف قرن على هذا البحث، ليتحرك حنيني الى العودة إليه لإعادة إخراجه على شكل كتاب، يوجد تحت التوضيب، من منطلقات أوسع وأعمق، وذلك بتحفيز من الجمعية الإسماعيلية لحفظ الذاكرة والتراث بمكناس، وأصبح العنوان الجديد ” اطروحات أساسية من أجل رؤية تكاملية للطريقة العيساوية: الاحالات والدلالات “، وهو عنوان كما يبدو يحمل خلفية منهجية أنثروبو ثقافية لاستجماع منظور متعدد الابعاد والدلالات لتراثنا المغربي عموما، وضمنه المكناسي على وجه الخصوص.
أما عن مفهوم ” المشيخة ” الذي يرتبط به الشيخ الهادي محمد بنعيسى مؤسس هذه الطريقة/ الزاوية، فيحيل الى مقام الخلافة الظاهرة والباطنة، وهو أيضا مقام السالك سبيل الله، استناداً إلى قوله تعالى {واتبع سبيل من أناب إليَّ}[1]. أقول هذا لأن هذه الطريقة تنتمي وتنهل من مشرب الجزولية الشاذلية على المستوى القريب، أما على المستوى البعيد فهي تنتمي إلى آل البيت، حسب تسلسل نسبه[2] .ومن ثمة يرتبط مفهوم الشيخ بمقام النبوة والرسالة والوراثة بالمعنى الصوفي، استناداً إلى قول ابن عربي، انطلاقا من نظريته في وحدة الوجود والشهود بالحق وفي الحق: ” ومقام الوراثة لا مقام أعلى منه، وأولياء الله الذين استولت عليهم أنوار الذات، وبدت عليهم رسوم الصنعة والصانع، و لا تحجبهم الصنعة عن الصانع […] فهؤلاء هم الوارثون حقاً[3].
والشيخ الكامل الهادي بنعيسى يصنّف بأنه من الواصلين مقام الأولياء والعارفين. ولا أبلغ مما وصفه به العلامة أبو العباس سيدي أحمد الغزال في كتابه: ” النور الشامل ” حيث جاء فيه: بأنه سلطان الأولياء وأحد أكابر الأئمة الأصفياء، شيخ العارفين وقدوة السالكين أبو عبد الله الداعي إلى الله سيدي محمد بن عيسى الشريف الحسني قدّس الله سره، إمام الأكابر والمآثر والمفاخر، مهدي السالكين ومرشد الواصلين، بأوثق الدلالة وعرى التمكين، حجة المشيشية وبرهانها، وشمس الآيات البينات، من كملت ولايتُه، وسَمتْ بين المراتب مرتبتُه، وبهرت المشرق والمغرب خوارقه، ورقّت في المعنى والحسن إشاراتُه، تاج العارفين وقُطب دائرة السّالكين، وبرهان الصوفية في الخوارق على مرّ السنين، من تعلَّقَتْ روحه بحضرة ربه، فأدرك قَصْدَهُ وغايَتَه، وعاهده المصطفى صلى الله عليه وسلم عهداً بلغَ مبتغاهْ ومُناهْ، رضي الله عنه وأرضاهْ، وقدس سرهُ وأكرم متواهْ، وأفاض علينا بركته وبركة المحجلين وسيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه وآله وجمعه إلى يوم الدين.[4]
وبالمناسبة، فقد دار بيني وبين الشيخ الهادي بنعيسى حوار افتراضي على شكل قصيدة شعرية تحمل عنوان: ” وفوق قبته جلال الرماد ” منشورة ضمن ” معلقة مكناس ” وهي القصيدة التي اقتطفت منها شذرات وأضفْت إليها مقطعا تكريميا لاأبرز مريديه بمكناس، وهو الشيخ العيساوي الحاج عبد القادر المرابط مقدم طائفة ” الركب الفيلالي ، إليه وإلى روح الشيخ الهادي بنعيسى وكل مريديه عبر القرون، أهدي هذه القصيدة:.

في حضرة الشيخ الكامل الهادي بنعيسى
1
يا عُشاقَ الفيض العيساويِّ الرَّبّاني
صَدّقوني أوْ لا تصدقوني
فأنا الآن بينكم عيساويٌّ مفتونٌ
بِضَوء الشيخ الهادي والأورادِ
وَأَنا وإِنْ كان قدْ شَدّني يوماً
إلى قُبّته جلالُ الوجودِ
يوْمَ أتَيتُ خلوَتَهُ
بقَلْعَة الفَيضِ والأمجادِ
فها أنذا اللّيْلة يا أحبابي
ونورُ محمد يَطْرُقُ بابكم وبابي
يشَدَّني إليه مقَدّمُ الفيضِ والأورادِ
عبدُ القادر لَمْرابَطْ
الوارثُ أَمجاد الهادي
يشُدُّني إليه ما فيه من كرم الفيْضِ ونخوة المريدين
وما بصدره من جلائل الأورادِ
أجل
ها أنذا قد أتَيتك أهفُو
يا صاحب الركب الفيلالي الرباني
لأهديك ما دار من شجونٍ وأسْرارٍ
بيني وبين الشيخ الكامل الواصل الهادي
2
صَدقوني أو لا تصدقوني
فقدْ رَأيتُه يطلبني في المنام
فقصدتُ خَلوتَهُ باكراً ذات صباحٍ لأراه
قرأتُ ما تَيَسّر من آيات الرحمانِ
حَيَّيْتُه، قَبّلتُ العتْبَةَ
أمسكتُ بأوصال ثَراهْ
وكان الشيخُ موصولا بالخلودِ
مُلْتَحِماً بِمداهْ
يَحْرسُهُ القرْميدُ الأخضر والآيات
ومجاذيب الوقت تناديهْ
وتنادي الدّائمَ أن يوقظهُ لنراه
أحسستُ بالوحشة قلت له:
بربك قمْ يا مولاي
فقد جَحَدَ الوقتُ
واختلط الحابلُ بالنابِلِ يا مولاي
هاتِ العُكّاز الفضّيَّ
هاتِ يديك لِنَرْحَلْ
فالمكانُ أصبح للغرباء وللأَشْباهْ
3
اِلتفتَ الشيخُ إلى المجدوب:
– مَنْ هذا المفتونُ الطّالِبُني للفلوات؟
قال المجدوبُ:
هذا يا مولاي
شَجَرِيُّ الحرف وموهوبُ الكفِّ
هذا مجنون الزهراء خليلُ النّفَريِّ
شَجِيُّ الطالِع والشامات
هذا مرسولُ الأتباع إليك
فهَلْ تسمح يا مولاي بأن يتخطّى العتبات؟
أوْمأ لي الشيخُ الكاملُ من تحت ثراهْ
ورغمَ حجاب العتمات
كنت أرى طلعتهُ بسْمتهُ
– سبحان الله الدائم قال
أدخل يا ضَيفَ الأوراد
دخلتُ، فَأَوْمَأ لي أَنْ أشربَ من خابيةٍ
كانتْ تَتَوسّدها أورادُ بقاياه
كانت
ولا زالت
يقصدها الآتون إليه
منذ قرون وقرون
ولم يَهْدَأ عَطشُ الأتباعِ
كان أبو الروائن يَرْقُبُني
يُصْغى للشيخ ولا يَسْألهُ
وحْدَه الفَياضُ لمّا رأني
أدْرَفَ مِنْ تحت ثَراهْ دمْعَتَيْنِ
كأنّما بماضيه ذَكّرتُهُ
حييتُهُ، والتفتُ إلى الهادي أسألهُ:
رأيتك في الحلم تناديني
ها أنذا قد جِئتُ ولَبَّيْت
فَمتى تَنْهَضُ يا شَيخ الوصل لِنرحل
اِبْتَسَمَ الشيخُ وقال: أقلت لِنَرْحل؟
عانقني مبتسما قال:
وفّرْ نعلكْ لَمْلِمْ جُرحكْ حرفَكْ اِرْكَبْ
فرِحلتُنا الكبرى يا ولدي ستكون
نحو عوالمَ فينا لم نَسْكُنْها بَعْدُ
فدائرةُ القلب
أوسعُ من دائرة الكون
فمن ذاتَيْنا ينبُع نهر الأسرارِ
وإلى ذاتينا إن تَعِبَ البَحْرُ يعودْ
4
وأنا أَخْرُجُ من قُبّته مُمْتَلِئَ الوجدانِ
تلألأ الهادي تهَجّدَ حيّاني
قال لي
وبعينيه المددُ الآتي من زمنٍ قريبٍ بعيدِ
سَلّمْ لي بربّك بالأوراد وبالأضواء
على الأتباع المخلصين بلا حدودِ
سَلّم على المُطيع عبدِ القادرِ
على سليل أهلِ الصفا وَالفضل والجودِ
فأنا أعرف عبدَ القادر أعرفُهُ
أعرفُ أنه موصولٌ بِمِدادي ومَدايْ
بضَوْء الخلودِ
سلّمْ على الشيخ المرابط في خَلْوتي
على الْـمُقَدّمِ الموهوبِ
على وارث أمجادِهِ من أمجاد الهادي
سلّم على رَكْبِهِ الفيلالي الربّاني الفريدِ
عانِقْ عبدَ القادر إنْ زُرتَهُ
ففي صدره ما بصدري من آيات وأورادِ
هو الذي رأى النورَ يوم أضاءَ محمدٌ
أفْقَ الْوُجودِ
وَلاَ تنسَ سلّم على بدْره
من سلالة المرابطينَ المريدينَ الأوفياء
سلّم على الأتباعِ والأخْلافِ وَالمدَدِ الـْمَديدِ
الإحالات
[1] سورة لقمان، الآية 15.
[2] عن العلامة شيخ الطريقة أحمد الخليفي في كتابه: ” الأنيس الجليل في طريقة ومناقب سيدي محمد بنعيسى القطب الكامل، مطابع الشمال طنجة، طبعة سنة 1990. ص’40.
[3] اد فيكتور سعيد باسيل، وحدة الوجود عند ابن عربي وعبد الغني النابلسي، دار الفارابي للنشر والتوزيع 2026، الصفحة 63.
[4] العلامة أحمد الخليفي، الأنيس الجليل في طريقة مناقب سيدي محمد بنعيسى القطب الطامل، مطابع الشمال طنجة، سنة1990، ص82.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي