الرئيسية / إبداعات / كوخ مهجور – عبد المجيد سليمان

كوخ مهجور – عبد المجيد سليمان

سكوخ مهجور

عبد المجيد سليمان*

 

يمر طريقي المدرسي الذي اخترته اختصارًا، رغم ما يجنيه من متاعب، على بُعد كيلومتر تقريبًا من كوخ غريب، كوخ يقع في ملتقى منحدرين رمليين صغيرَي الارتفاع.

وعلى الرغم من فضولي الشديد وكمية الأسئلة والتساؤلات التي لطالما ألحت على عقلي حول حقيقة ذلك الكوخ وساكنه، إلا أنني لم أجرؤ، ولم أمتلك الشجاعة لمحاولة معرفة ذلك، وكل ما فعلته هو الاقتراب منه قليلًا فقط، عابرًا، تحت دافع الفضول، لكني لم ألمح شيئًا.

والكوخ لا يُرى جيدًا من الطريق القروي العام، بل مما لا شك فيه أنه لا يُرى حقًا، فبالكاد أراه أنا لأنني أسلك طريقًا متفرعًا، ويحيط بالكوخ كثبان كثيرة، لكن، ولحسن حظه، فقرب الكوخ تتواجد بعض الشجيرات النحيلة، والتي تتغير هيئاتها تبعًا لفصل السنة.. عديمة الأوراق في الجفاف، أو خضراء حين المطر، فالمنطقة شبه صحراوية.

في البداية فكرت في أن ساكن هذا الكوخ هو مالك هذه الأرض التي يقع عليها، لكني سرعان ما حذفت هذا الاحتمال، فالأرض، كما أعرف، هي ملك لرجل من القرية المجاورة، وكان ليسكن في هذا الكوخ لو أن الموسم الزراعي في أوجه، لكن لم يكن هناك غير الشجيرات والنباتات الصحراوية المتناثرة..

مدفوعًا برغبة شديدة، اقتربت ذات يوم أكثر، وانتظرت قليلًا وأنا أحوم كمن يجمع تلك النباتات الذابلة، ثم تنحنحت، لكن أحدًا لم يظهر، أيكون الكوخ مهجورًا؟

الحقيقة أنني منذ فترة قريبة لم أعد أرى أحدًا بجانب هذا الكوخ، ففي الأسابيع السابقة كنت أرى ظلالًا باهتة لرجل يخرج قريبًا منه ويعود، وذات مرة صادفت بطريقي آثار خطواته عائدًا من المدينة هو الآخر.. وحين أتأخر في المدينة لحضور درس تقوية كنت أراه أحيانًا جالسًا على الكثيب الرملي بجانب الكوخ، ولهذا، وعلى خلاف رغبتي التي تشتد حين أراه من بعيد، فقد كنت لا أجرؤ على الاقتراب، فلا أحفظ شيئًا سوى ظلال سرابية باهتة عديمة الملامح..

أما الآن فيبدو أنه غير موجود، أو لعله نائم، ولما لم يخرج بعد تنحنحي فقد تشجعت للاقتراب أكثر، حتى صرت بجانب الكوخ، ولم يكن هناك من آثار لخطواته، سوى خطوات باهتة أزاحت الرياح بعض تفاصيلها.

سأمر أمامه وأنظر، وإن رأيته سأتحجج بعطشي وأسأله الماء. هذا ما قررته.

حين صرت أمامه، أمام الباب تمامًا، كان الداخل يظهر فارغًا، لم يكن ثم من أحد، وكانت هناك ستارة نصف مسدلة على الباب، هل اعتزل هذا الكوخ أم سيعود قريبًا؟ تساءلت.

دخلت ونقّلت بصري في المكان، وتفحصت بصريًا كل شيء، لا شيء مثير للاهتمام.

كان هناك كيس صغير معلق به خبز يابس وقداحة فارغة، وقصاصات أوراق صغيرة بيضاء، وثلاثة أقلام فارغة تمامًا من الحبر، وقطعة كرتونية مخضبة بألوان مختلفة، وكيس شاي متبقٍ نصفه.

ما من شك أنه اعتزل هذا الكوخ ولن يعود، فحتى آثار السجاد على الأرض توحي بذلك.

من يكون هذا الساكن الذي هجر هذا الكوخ؟ ولماذا سكن هنا أساسًا.. منعزلًا، وحيدًا، بعيدًا عن الناس؟

أهو عالِم رغب في العزلة لإجراء بعض تجاربه؟ لكن العلماء يحتاجون للمدينة أكثر، حيث يسهل الحصول على الأدوات.

أم هو فيلسوف أقضّ الحضور البشري حبل أفكاره على الدوام، فاختار هذه القفار النائية، رغبة في التعمق وبحثًا عن حقائق؟

أم هو رسام أراد الإمساك بالجمال الخفي المخبأ في هذه الرمال والنباتات الهزيلة؟

أم هو شاعر أراد التوغل عميقًا في أعماق روحه، أو معذب من العالم البشري، أراد البكاء شعريًا هنا، والتصالح مع ذاته والتعافي مما ألمّ به من خلال وصفه وتشريحه شعريًا وشاعريًا؟

لا أعلم، ولم أكن أملك ثمّ من استنتاج.

جلستُ، وأراحني المكان، وأحسست بالصفاء والراحة، وداهمني شعور أنني بحاجة إلى مكان كهذا مؤقتًا، لأصل إلى بعض ما أريد، ولعلي سأمتلك هذا الكوخ.

وبينما أفكر وأنقل بصري في المكان، لاحظت أن قصاصة تحتوي على أسطر في الجانب الملامس منها للرمال.

التقطتها وقرأت بخط جميل:

في كوخ من خشب ظليل

وبين كثبان حارة من رمال

وهواء عذب ونقي

نقي حتى في لحظات الرياح الرملية الخفيضة

وتحت سماء زرقاء، أو من غيوم ونجوم

وفي حديث مع الأرواح والأفكار

أولد من جديد.

في الخارج كان عزيف الأغصان النحيلة يواصل إيقاعه على وقع النسيم الذي يهب، وتترامى الكثبان الرملية حتى البعيد، تتخللها نباتات الصحراء وشجيراتها، بينما حلقت غيمة بيضاء كأنها قارب من ضباب.

قاص من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع المغربي حسن بيريش – حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

ورقة عن المبدع حسن بيريش مكان الولادة: مدينة طنجة، المغرب. التخصص البارز: كاتب وصحافي متخصص …

اترك تعليقاً