هل يحتاج المسرح إلى عطلة؟/box]

كريم بلاد*
هل يحتاج المسرح إلى عطلة؟
سؤال عَنَّ لي وأنا أفكر في كُتَّابِ المسرح العظام والمخرجين الكبار والممثلين الموهوبين الذين سرقهم المسرح إلى عالمه، واستوعبهم في بوثقه الضخمة، وأدخلهم إلى “جحيمه” التي لا يخرج منها أحد، قامت القيامة أم لم تقم. أريد أن أطرح السؤال في الحقيقة عليهم. ولكن أنى لي ذلك؟ ومع ذلك سأبني بنات أفكاري على افتراضات فقط، ربما لامست جانبا من الرجحان في ما أدعي.
معلوم أن المسرح في العالم بأسره قد ابتدأ متصلا بالدين في طقوس ديونيزوس عند الإغريق، وطقوس إيزيس وأوزيريس عند المصريين القدامى، كما تجلت بعض مظاهر التمثيل والمسرح متصلة بممارسات دينية كما عند الشيعة في احتفالاتهم بمقتل الحسين… وإذا كان كذلك، فإنه يلزمه أن يعود إلى أصله، وينقلب إلى نبعه، بأن يرتبط بالدين في ممارساتنا اليومية، وإذا تحقق ذلك، فلا يلزمه شيء من العَطَلِ.
تعطل المسرح العربي، ولم يكتب له الظهور حتى تأثر بالمسرح الغربي، وكانت البادرة من رواد قادرين على قراءة المسرح أو “الروايات التمثيلية” بلغتها الأصلية، كمارون النقاش مثلا، وتعطل الإقبال على المسرح زمنا، حتى استأنس الناس به، وآمنوا برسالته العظمى في الحرية والتعبير والتربية على القيم الجمالية، وتعطل عن النقد حتى عده الأدب ونظرياته قمينا بالنقد والدراسة والتحليل.
هل يحق له أن يعود إلى العطل، ويفسح المجال للبهرجة و”الفرجة” القبيحة لتغزو ذائقة الإنسان العربي اليوم؟ ونحن في عز الصيف والمصيف، ألا تحق لنا مشاهدة المسرح؟ أم إن المسرح كالمدرسة يتعطل أسابيع وأشهرا، ويتصل أيضا بالمناسبات والأيام الوطنية والدولية؟ إن المسرح على خلاف ما يذهب إليه جبرا إبراهيم جبرا ليس مدرسة[1]، وإنما هو بناية وقصة وتشخيص: البناية للارتياد أكثر مما تُرْتَادُ المواخير والحانات، والقصة للعبرة، والتشخيص للحرية وزرع طعم الإنسان النبيل في سلوكاتنا اليومية. عندما يكون المسرح كذلك، فهو لن يحتاج إلى عطلة ليفسد فيه البناء وتنحل فيه القصة وينافق فيه التشخيص.
على أن المسارح في العالم العربي لم تظهر إلى الوجود إلا في وقت متأخر جدا، ففي مصر ظهر أول مسرح عربي على يد مسرحي إسرائيلي مصري هو يعقوب بن صنوع، الذي أنشا أول مسرح عام 1876، بعد أن كان مارون النقاش يقدم مسرحياته ببيته بلبنان. وفي المغرب كان مسرح سيرفانتيس بطنجة أول مسرح يبنى وذلك عام 1913.

متى نذهب إلى المسرح؟
أيام العطل طبعا.
وتوفيق الحكيم رابط بباريس، وزار مسارحها في كل وقت وحين، بل أحب فتاة التذاكر بمسرح الأوديون، وألهمته كتابة مسرحية “أمام شباك التذاكر”، والطيب الصديقي لم يكن يجعل للمسرح وقتا، لأن وقته كله للمسرح، وهو من كان يضرب للممثلين مواعيد للذهاب إلى التداريب على المسرح في ساعات متأخرة من الليل، الثانية صباحا. إنهم كانوا يؤمنون بالمسرح، ويعتقدون أنه لا وقت له، بمعنى أنه هو الزمن نفسه، وتكفينا أمثلة من مسرحيات توفيق الحكيم نفسه، الذي كتب عن الزمن من خلال المسرح، في “أهل الكهف” التي تصور صراع الإنسان ضد الزمن، وفي “رحلة إلى الغد” التي تصور السفر عبر الزمن، وفي مسرحية “عودة الشباب” التي تصور احتمال قدرة الإنسان على العودة إلى شبابه واستدامته ليكون قريبا من المسرح بعيدا عن السياسة.
وأما الشخصيات الست التي تبحث عن مؤلف للويجي بيرانديللو، فلن تقصد مدير المسرح لتقول له بأنها تريد أن تعيش، ولكنها ستبحث عنه لتقول له بأننا لا نريد عطلة للمسرح، نريد المسرح بلا عطلة.
مراكش يوم 25 يوليوز 2025م.
ناقد وباحث في المسرح من المغرب
مراجع
[1] وصف جبرا إبراهيم جبرا المسرح بأنه مدرسة الشعب. وله مقال مهم في هذا المجال عنوانه: “المسرح: الوجود والحلم”.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي