دور السيرة الذاتية في تسليط الضوء على تحديات الطلاب المغاربة في باريس: رباعية باريس لمحمد عبد العظيم بنعزوز أنموذجا.
عبد الغني الخلفي*
مقدمة:
يعد فن السيرة الذاتية فنا من الفنون الأدبية السردية التي تعكس ذاك التفاعل القوي والعميق بين الذات والكتابة؛ حيث يسعى الكاتب إلى استعادة ماضيه واستبطان تجاربه الشخصية من خلال نص سردي يجسد فيه هويته الفردية ووعيه بذاته وتكوينه الثقافي والاجتماعي، إنه ” نوع من الأدب يجمع بين التحري التاريخي، ويراد به مسيرة حياة إنسان ورسم صورة دقيقة لشخصيته”[1]، وهي كما يعرفها عبد العزيز شرف ” ترجمة حياة إنسان كما يراها”[2]. وقد أولى الدراسون والنقاد أهمية بالغة لهذا الفن الأدبي من حيث التنظير والدراسة والتحليل؛ وذلك نظرا لما يتيحه من إمكانيات للتعبير عن الخصوصية والذاتية، وما يطرحه من إشكالات متعلقة بالصدق والهوية والذاكرة والزمن. ويزخر أدبنا العربي بالكثير من الأعمال الإبداعية التي تندرج ضمن خانة السيرة الذاتية، وهي أعمال تضيء لنا جوانب من حياة الكتاب، وتجعلنا نتقاسم معهم الكثير من اللحظات السعيدة أو التعيسة التي عاشوها في حياتهم، وهو تقاسم مما لا شك فيه يكون له أثر إيجابي أو سلبي في النفوس، ومن هذه الأعمال الحديثة الإصدار ” رباعية باريس” للكاتب المغربي محمد عبد العظيم بنعزوز.
المبحث الأول: نبذة عن مؤلف رباعية باريس:
بعد سنوات من العمل الأكاديمي والانخراط في البحث العلمي الجاد والرصين، وبعد سلسلة من الأعمال الرصينة اللغوية منها والنقدية والسردية يطل علينا من جديد الدكتور والباحث الأريب محمد عبد العظيم بنعزوز ـ الذي تولى الإشراف على أطروحتي الجامعية ـ من بوابة الإبداع؛ وذلك بإصداره لجزء من سيرته الذاتية العلمية، وهو عمل أدبي سردي أنيق اختار له عنوان ” رباعية باريس”، مشكلا بذلك إضافة نوعية متميزة لمجموع الإصدارات التي أغنى بها الباحث الخزانة الأدبية بصفة عامة، والمغربية منها بصفة خاصة. وقد عمل الكاتب على تحديد النوع الأدبي لمؤلفه “رباعية باريس” من خلال الحكم عليه في أولى الصفحات بكونه سيرة ذاتية واضعا بذلك حدا لجميع التأويلات والاجتهادات التي قد تدرج هذا المؤلف ضمن جنس أو نوع أدبي آخر. وهو عمل إبداعي صادر عن دار القلم للنشر والتوزيع بالرباط في صيف 2025، يتألف من 177 صفحة من الحجم المتوسط موزعة على 63 فصلا. ويختزل لنا من حيث متنه الحكائي العام مجموع الأحداث والوقائع التي عاشها البطل محمد عبد العظيم بنعزوز وهو يتابع دراسته العليا بالديار الفرنسية في جامعة السوربون بباريس إلى أن حصل على دبلوم الدكتوراه وعاد إلى أحضان وطنه المغرب. وهي تجربة حافلة بالإنجازات والنتائج الإيجابية، لكنها لم تكن بالسهلة نظرا لحجم التحديات التي واجهت البطل في تلكم الديار الغربية، وهي تحديات تنوعت وتعددت، ومن ذلك التحديات الاجتماعية والاقتصادية، والتحديات الأكاديمية، وفيما يأتي تفصيل للقول فيها.
المبحث الثاني: التحديات الاجتماعية والاقتصادية:
بعد حصوله على شهادة الإجازة، ومنحة التميز لمتابعة الدراسات العليا خارج أرض الوطن يتخذ البطل محمد عبد العظيم بنعزوز قرار التوجه نحو الديار الفرنسية وبالتحديد جامعة السوربون في مدينة باريس، وهو اختيار نابع من الاهتمام الكبير للبطل باللغة الفرنسية منذ سنوات الدراسة بالمرحلة الثانوية، وكذا لما يعرفه الأدب الحديث من ازهار آنذاك في جامعة السوربون ، إلا أن هذا الاختيار سيجعل البطل يواجه الكثير من المشاكل والتحديات الاجتماعية والاقتصادية، حيث وجد نفسه غير قادر على تأمين سكن قار له؛ لارتفاع أثمنة الكراء وقلته، وغياب الدعم الاجتماعي الذي كان يعول عليه من قبل بعض المعارف في باريس ” لم أكن أتصور أن الأمور ستمضي بهذه الطريقة، والبرنامج الذي رسمته في ذهني كان يستبعد ما لقيناه بعد ذلك من معاناة، ولو تصورتها قبل وقوعها لما خضت غمارها، لأن المتاعب التي عشتها قبل ذلك مثل ما عاشها الكثير من الطلاب في بلدنا كانت كافية، ولكنها في حقيقة الأمر لم تكن إلا تدريبا وتحضيرا لما عشناه في باريس وضواحيها.”[3] إنها بداية التحديات والمعاناة التي ستتفاقم يوما بعد يوم، لتزيد البطل صبرا وجلدا وإصرارا وعزيمة، فعندما تكون الرغبة أكيدة في تحقيق الهدف المنشودة فهيهات هيهات أن تضعف هذه التحديات عزيمة البطل، وإنما مع توالي المشاكل الاقتصادية والاجتماعية نرى محمدا شخصا أقوى، فقد وصل به الأمر أن أصبح يبيت في العراء رفقة زميله لكن دون كلل أو استسلام، وهو يسائل نفسه هل هذه هي باريس الحلم، باريس البراقة التي يتهافت الطلاب عليها من كل حدب وصوب؟ لقد كانت الصدمة قوية لكن التجربة صنعت منه رجلا أقوى. وفي خضم هذا التيه وهذا الضياع وهذه الغربة وسط المدينة الغربية ينفرج هم البطل قليلا بحصوله على شقة مع زميله المرافق له من قبل أحد معارف الأسرة هناك، لكن ما هي إلا استراحة محارب حتى يكون على استعداد من جديد ليخوض مغامرة جديدة في البحث عن سكن يأوي إليه ولو ليلا على الأقل ” بعد أن أدخلنا أمتعتنا للشقة اصطحبنا إلى بيته وتناولنا عنده وجبة العشاء، أحسسنا بارتياح كبير بعد عناء دام أسبوعا أو يزيد، ولكن ارتياحنا لم يكن كاملا لأنه لما أعطانا مفتاح الشقة قال لنا: استقرا هنا إلى أن تجدا مسكنا. لذلك دخلنا في دوامة البحث عن المسكن، وبقي هذ الهم مرافقا لنا لشهور.”[4] وهي مشكلة لم يجد البطل مع زميله حلا حلها حتى بعد الاتصال بالسفارة المغربية بباريس، الشيء الذي يعني أنه عليك أن تكون قادرا على تدبير أمورك الخاصة وتحمل الأعباء كيفما كانت وإلا فالبقاء في وطنك أرحم بكثير من البحث عن شواهد علمية في البلدان الغربية، وحتى لو كان ذلك في جامعة دولية عريقة مثل جامعة السوربون. وقد كان البطل محمد بطموحه يتخطى هذه العقبات واحدة تلو لأخرى وعينه على هدفه الأسمى. وقد تولد عن مشكل السكن مشكل وتحد آخر واجه البطل وزميله في الغربة ويتعلق الأمر بوسائل النقل، حيث لم تكن هناك حافلة تتجه بشكل مباشرة نحو الضاحية التي يسكن فيها بشكل مؤقت، فكان لزاما عليه في أحسن الأحوال ركوب حافلة أخرى تقربه ولو قليلا أو قطع المسافة بكاملها مشيا على الأقدام ” بعد نهاية كل يوم دراسي بالجامعة نركب المترو المتجه إلى جنوب باريس، وننزل في محطة باب إيطاليا، وهي آخر محطة للركاب الذين يرغبون في الذهاب إلى الضاحية الجنوبية، ولم تكن وقتها قطارات تتجه هذه الوجهة فنضطر لركوب الحافلة المتجهة إلى شوفيلي لاغو، وإذا تأخرنا عن موعد آخر حافلة فإننا نقطع المسافة مشيا على الأقدام، وكانت مسافة طويلة جدا تصل إلى ست كيلومترات، وقد وقعنا في هذا المشكل أكثر من مرة، ويتضاعف وقعه علينا عند نزول الأمطار.”[5]، ولنا أن نتصور جميعا المشهد والبطل يسير مع صديقه تحت المطر لمسافة ست كليومترات، فمؤكد سيصلان إلى البيت في حالة مزرية وكأنهما يخرجنا بملابسهما من بركة مائية، ولكن ربما هذا الوضع الطبعي يهون وقعه على النفوس مقارنة بأفعال بني البشر وخصوصا إذا كانوا من أهل بلدتنا ومن ذوينا، ونتحدث هنا عن المعاملة السيئة التي لقيها محمد البطل مع رفيقه من قبل المغربي صاحب الفندق ” توجهنا في الصباح إلى مكتب الاستقبال لننهي اتفاقنا مع ابن بلدتنا فلم نجده، وإنما وجدنا مكانه زوجته التي أنكرت ما قلناه، وأردفت مستدلة على إنكارها بقولها: مجموعة من النزلاء يقيمون عندنا مدة طويلة ولم يشتك منهم أحد. قلت لها: نريد استرجاع المبلغ الذي دفعناه مع اقتطاع ثمن ليلة واحدة. زوجي غير موجود الآن فانتظراه حتى يعود. انتظرناه طويلا، ولم نتمكن من لقائه إلا بعدما تجاوزت الساعة منتصف النهار، فأرجع لنا المبلغ بعدما اقتطع منه ثمن ليلتين. فقلت لصاحبي بعدما غادرنا الفندق: هذا ابن بلدتنا يأخذ منا مالا ليس من حقه وهو يعرف وضعنا، فماذا ينتظر من غيره؟”[6]، إنه سلوك صارخ بالماديات التي تكاد تقضي على القيم الإنسانية، وخصوصا أن الأمر يتعلق بطالبي علم لا راتب شهري لهما باستثناء المنحة الدراسية التي خفض البنك المغربي من قيمتها ليزيد من معاناة البطل ماديا ” لم يكن مشكل السكن ما عانيت منه طيلة سنوات إقامتي بباريس، بل كان هناك مشكل آخر مرتبط به بشكل كبير وهو مشكل المنحة الجامعية التي خصصت للطلبة المتفوقين، والتي كنت أظن أنها ستفي بالغرض وتغطي نفقات الإيجار والمعيشة، لكنها لم تكن كما ظننتها، فبعد انتظارات طويلة امتدت لنصف عام، وزيارات متكررة إلى القسم الثقافي بسفارة المغرب بباريس وصلت المنحة وقد ذهب نصفها، فالمبلع الشهري آنذاك هو 1400 فرنك إلا أن ما وصل منها هو ما يقارب 800 فرنك فقط، لأن بنك المغرب خفض قيمة الدرهم بنسبة تقارب خمسين في المائة لأسباب اقتصادية، ومن ثم صار سعر كل فرنك فرنسي بدرهم ونصف تقريبا، بينما كان في السابق متساويين، كل فرنك بدرهم واحد، أي أن المنحة الجامعية أصبحت في الحقيقة نصف منحة، وعلى الطالب أن يتدبر أمره بنفسه.”[7]، وبهذا نستطيع القول أن منحة التميز شكلت تحفيزا للبطل في بداية الأمر لكنها تحولت بعد ذلك إلى عائق وتحد من التحديات التي من الواجب عليه إيجاد حل لها إذا ما هو أراد الاستمرار في متابعة دراسته بباريس. لكن المشكل هو أن هذا البطل الصامد بمجرد ما يتقبل هذا الوضع المتأزم أو ذاك ويتعايش معه حتى يجد نفسه امام تحد جديد لم يكن يخطر له على بال وهذه المرة الأمر يتعلق بمشاهد الميز العنصري ونبذ الفرنسيين للمهاجرين من المغرب العربي وبلدان أخرى من إفريقيا، وهو السلوك المشين الذي لم يتقبله بطل الرباعية فتضايق منه، وجعل معاناته في ديار المهجر تتفاقم، فكل شيء يستطيع الإنسان تقبله إلا الإهانة والمس بالكرامة فتلك أمور لا تطاق، وفي هذا يقول محمد ” من مظاهر التخلف التي صادفتها مشهد رأيته في حافلة متجهة إلى جنوب باريس في سنة الأولى هناك، وهو يعبر عن عنصرية عنيفة لم يسبق أن رأيت مثلها، وذلك حينما صعد الحافلة في إحدى محطاتها رجل إفريقي كبير السن، فقام إليه رجل فرنسي، نحيل وشرس، فأشبعه سبا قبل أن ينهال عليه باللكمات والصفعات على وجهه بعدما أسقطه أرضا، ولم يتدخل أحد من الركاب للحيلولة بينه وبين الرجل الإفريقي، وبعدها نزل المعتدي من الحافلة وكأن شيئا لم يكن.”[8] وهي نظرة غربية مشمئزة جعلت كل الجرائم والتهم تلفق للعرب، الشيء الذي يجعل الطالب العربي لا يجد له ذاك الاستقرار الأمثل بينهم ، كما أن هذا الوضع لا يسمح لهذا الطالب بتحقيق ذاك الاندماج الاجتماعي السليم داخل وسط يعتبره مصدر المشاكل والجرائم كلها، وهو وضع لم يكن بطل الرباعية ليسلم منه، حيث وجد نفسه في أكثر من مرة أمام مساءلة لا يمت فحواه لما هو قادم من أجله بصلة ” بينما كنت أتجول مرة بحديقة النباتات إذا برجل يقارب سنه الستين أو تجاوزها بقليل، نحيل، خفيف الحركة يرتدي معطفا رماديا، تتدلى من كتفه حقيبة صغيرة، يستوقفني ويوجه خطابه لي قائلا: لماذا تريدنا قتلنا؟ ما ذنبنا؟ فنظرت إليه باستغراب، فأعاد كلامه من جديد، فأجبته قائلا: نحن لم نقتل أحدا…تحولت هذه النظرة العدائية إلى هجوم فعلي على المسلمين، فقد علمت في عامي الأول أن قنبلة وضعت في أحد المساجد، إلا أنها لم تنفجر…”[9] وهو ما يعني غياب الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي، مما سيكون له انعكاس سلبي على التحصيل العلمي والأكاديمي. لقد كان الإنسان العربي آنذاك منبوذا من قبل الفرنسيين في كل مكان بشتى الأنواع بما في ذلك الكتابة على الجدران ” قبل الدخول إلى مطعم سونسيي أشتري تذكرة الوجبة وأنتظر في طابور لا يخلو من مضايقات، بحيث أنتظر دوري في درج صاعد إلى الطابق الأول حيث يوجد المطعم، وأجول بنظري لأقرأ كل يوم عبارات السب والشتم للعرب ودعوتهم للخروج من فرنسا، هذه العبارات نجدها في طرقات باريس وفي محطات المترو والحافلات والقطارات”[10]، وهي عنصرية وصلت بالفرنسيين إلى حد رفض كراء منازلهم للعرب، مما زاد من معاناة بطل الرباعية في الحصول على مأوى مناسب للاستقرار ” وإذا وجدت ما يناسبني اتصلت بمالكي بعض الغرف أو الشقق وأفاجأ في الغالب بسؤال لا علاقة له بعملية الإيجار وهو: من أي بلد أنت؟ من المغرب، والرد الذي يأتيني دائما: نحن لا نؤجر للعرب.”[11] لكن هذا كله لم يضعف عزيمة بطل الرباعية أسوة بالكثير من الطلاب العرب، الشيء الذي يعني كما يقول أحمد شوقي أن بلوغ الأهداف يستوجب استعدادا كليا لخوض جميع المغامرات ومواجهة جميع التحديات بإصرار كما لو أنك في ساحة معركة تقاتل حتى آخر نفس دون كلل ربحا للرهان:
وما نيل المطالب بالتمـــــــــــني ولكن تؤخذ الدنيا غلابـــــــا.
وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا[12]
فالطالب العربي يجد نفسه وسط معركة حياة موازين القوى فيها غير متكافئة، ولا أحد ينصفه في غربته، لتفقد بذلك الحضارة الغربية بريقها في عيونه، وتتغير نظرته إليها ” تعرض الكثير من شباب المغرب العربي لعمليات قتل من قبل العنصريين أو المتشددين من الشرطة بسبب مخالفة مروية، أو اشتباه بمحاولة السرقة أو كراهية، لكن القضاء آنذاك لم يقم بدوره في إحقاق الحق، وكم شاهدت من مظاهرات سلمية أمام المحاكم لأمهات فقدن فلذة أكبادهن ويطلبن الإنصاف، ولكن المماطلة والتسويف كانتا الجواب.”[13] ، وهو وضع متأزم عانى منه قبل البطل الكثير من المغاربة بمن في ذلك الناقد المغربي عباس الجراري رحمه الله، الشيء الذي يعني أن حياة الطالب والمثقف والمهاجر العربي في باريس تكون محفوفة بالمخاطر، وهكذا يجد نفسه يعيش عذابا مزدوجا عذاب الغربة وما تخلفه من حرقة الفراق والتيه والضياع، وعذاب الفرار الدائم من الموت ” كان الدكتور الجراري كلما خرج برفقة صديقي لقضاء مصلحة بباريس يطلب منه أن يقرأ القرآن اتقاء لشر التفجيرات والاعتداءات.”[14].
المبحث الثالث: التحديات الأكاديمية:
لم يسلم بطل الرباعية كغيره من باقي الطلاب العرب في باريس من متاعب وتحديات ارتبطت بمجال البحث العلمي، لكنها تحديات كانت طبعا على درجات متفاوتة بين الطلاب. ويبقى أول تحد يواجه الطالب العربي في المجال الأكاديمي هو تحد اللغة، بحيث إن الجميع يخضع لاختبار في اللغة الفرنسية، والرسوب فيه يعني ضرورة الانكباب على تعلم اللغة مما يأخذ من الطالب وقتا كثيرا قد يستثمره في إعداد رسالته الجامعية. وإذا ما كان بطل الرباعية خرج من هذا الاختبار ناجحا بفضل اهتمامه المتزايد باللغة الفرنسية منذ سنوات المرحلة الثانوية، وكذا سنوات الإجازة فإن ذلك لم يكن ليعني سهولة المأمورية في المسار العلمي البحثي الذي ينتظره، فقد واجه بطل الرباعية مشكلة التسجيل في التخصص الذي جاء من أجله إما لمعاملة الأساتذة السيئة للطلبة المغاربة، أو لأن التخصص البديل دون جدوى، ليجد البطل نفسه في حيرة من أمره، وما أصعب أن تجد نفسك مضطرا لتغيير تخصصك في آخر لحظة ” كنت أفكر في البداية في متابعة دراساتي العليا بقسم الدراسات العربية والإسلامية الذي يوجد في جميع فروع جامعة السوربون تقريبا…لكن لما علمت بمعاناة الطلاب المغاربة من بعض أساتذة هذا القسم بباريس الثالثة وعدم إفادتهم منهم غيرت وجهتي واتجهت إلى قسم الدراسات العربية بفرع آخر من فروع الجامعة بإشراف مستشرق فرنسي، فوجدت أن الأمر مضيعة للوقت لا غير… صرفت النظر عن أقسام الدراسات العربية وقررت أن أدرس بمعهد للغويات منفتح على الكثير من اللغات وآدابها.”[15]، وهو تخصص سيجمع الطالب مع أستاذ مشرف كما وصفه استغلالي، يستغله هو وصديقه ماديا باسم العلم والتعلم، فهما يعيشان أزمة مالية، ويصبح هذا الإطار الاكاديمي عبئا عليهما عند نهاية كل حصة دون خجل من نفسه ” بعد كل محاضرة يشير علينا أن نبقى بالقاعة ولا ننصرف بعد خروج الطلاب لكي نذهب معه إلى المقهى المعلوم ونستمع إلى أحاديثه النرجسية ونؤدي في الأخير ثمن اللقاء ممثلا في ثمن مشروبه المفضل البيرة وثمن القهوتين اللتين نلزم بشربهما في مقهى فاخر. أمام هذا الوضع الذي فرض علينا فرضا اتفقت مع صاحبي أن نوقف هذا الاستغلال باسم العلم والتعلم، وذلك بأن ننسحب من القاعة بسرعة فائقة قبل أن يلتفت إلينا ويفتش عنا بين الطلاب.”[16]، وهو انسحاب مؤكد ليس بالسهل خوفا من تنبه الأستاذ لخطتهما فيكون لذلك انعكاس سلبي على نتائجهما في التحصيل الدراسي، لكن لحسن الحظ أن شيئا من ذلك لم يحدث، وهو استغلال مع الأسف أصبح يأخذ له مظاهر وصورا أبشع داخل مؤسساتنا الجامعية، ولعل الفضائح المتتالية التي أصبحنا نقرأها أو نسمعها، أو نعيشها خير دليل على ذلك، فهذا يبتز بالمال، وهذا يبتز بالجنس، وآخر بالممتلكات وهكذا وهكذا. هذا إلى جانب ما كان يتعرض له الطلاب من قبل هذا الأستاذ من استفزاز لا يمت لأخلاقية المهنة بصلة تجعل الطالب المغربي في حرج أمام زملائه داخل القاعة، مما قد يجعله يحجم عن الكلام مستقبلا سواء فهم أو لم يفهم من ردس الأستاذ شيئا ” كنا نود أن نرفع يدينا لنقول له بأن الأمر يحتاج إلى توضيح أكثر، ومن حسن الحظ لم نفعل، لكن أحد الطلاب المغاربة…رفع يده وعبر عن عدم فهمه لبعض الأمور…وكانت المفاجأة أنه لم يشرح له ما أشكل عليه بل خاطبه بسخرية قائلا: لم تفهم بعض ما سمعت؟ وكيف حصلت على ميزة حسن في اللسانيات في بلدك”[17]، وهو سؤال مستفز يحمل ما يحمل في طياته من تشكيك في نزاهة النقط التي تمنح للطلاب في الجامعة المغربية، وفي كفاءة الأطر العليا، وفي نزاهة هذا الطالب في الامتحان، وبهذا الاستفزاز يكون قد وضع هذا الأستاذ حدا لجميع أسئلة الطلاب المغاربة والعرب، وهو أمر صعب يفرض على الطالب مضاعفة الجهود ليفهم بنفسه وبطريقته ما استشكل عليه في كل محاضرة. لقد بلغت قسوة هذا الأستاذ المشرف درجة قصوى جعلته يوبخ البطل وزميله لا لشيء إلا أنهما سافرا في إجازة رأس السنة لزيارة أهلهما وذويهما في المغرب، فمن أعطاك كل هذه الصلاحيات الأكاديمية لتمنع الطالب من قضاء عطلته مع أسرته، إنها الأنا والاعتزاز بالذات، وهي صفات كادت تعصف بالمشروع البحثي للبطل وزميله لولا السلاح الدائم الذي يتسلحان به وهو الصبر والتحدي حتى آخر نفس. هذا بحث الماستر كما شاء تسميته البطل في رباعيته لينسجم مع المفهوم الجديد للدراسات العليا عندنا في هذا العصر، فماذا عساه ينتظرهما في سلك الدكتوراه. مرت الأيام عصيبة عليهما ولنا أن نتصور الوضع، فعجلة البحث والتفكير ستتوقف في خضم هذا الوضع المشحون لا محالة ليزيد من وجعهما النفسي، قبل أن تنفرج الأزمة بفضل الله وبفضل الأستاذة بييتْرى التي تفهمت وضعهما وتوسطت لهما عند الأستاذ هنري ميتران الذي قبل تولي الإشراف على بحثيهما بكل عناية وتقدير وحسن التعامل لكن شريطة تغيير مواضيع البحث، وهو الأمر الذي لا أحد قد خبر دروب البحث العلمي لا يدرك صعوبته، فأن تشتغل على موضوع وتبدأ في وضع تصميمه وتجميع ما تصلح له من مصادر ومراجع، ثم تجد نفسك لأمر بسيط مضطر لتغيير كل شيء وتبدأ من جديد فهذا أمر صعب، ولكن لعل في الأمر خير، المهم أنه بعد كل هذه المعاناة والتحديات استطاع البطل وزميله الحصول على شهادة الماستر، لتبدأ رحلة علمية جديدة في حياة محمد من خلال متابعة دراسته بسلك الدكتوراه، وهي مرحلة ولحسن حظه كانت تحدياتها الأكاديمية هينة مقارنة بتحديات مرحلة الماستر نظرا لأخلاق الأستاذ المشرف الحسنة ” وقع اختياري على الأستاذ جورج كساي ليشرف على بحثي في الدكتوراه في سنتي الثانية بباريس، نظرا لأخلاقه الحسنة ومعاملته الطيبة لطلابه.”[18]، وكذلك كان فعلا حتى تمكن البطل من الحصول على شهادة الدكتوراه، وبذلك يكون رغم كل التحديات قد حقق هدفه الأسمى الذي ترك وطنه من أجله، هذا الوطن الذي سيعود إليه بشكل نهائي وهو كله طموح وحماس للانخراط الفعال في مجال البحث العلمي، وتكوين طلبة العلم والمعرفة ” بعد حصولي على شهادة الدكتوراه لم أعد أشعر بأي مبرر لبقائي بباريس، فقررت الرحيل في أقرب فرصة.”[19]
خاتمة:
وختاما نقول إن رباعية باريس قد كشفت لنا وبجلاء الصراعات والانتصارات التي يواجهها الطلاب المغاربة في باريس، كما أظهرت لنا من خلال ترابط أحداثها وتسلسلها كيف يتعامل هؤلاء الطلاب مع مجموع التحديات التي تواجههم، وما يحتاجون إليه من دعم نفسي واجتماعي لتحقيق نجاحهم الأكاديمي والشخصي.
باحث في اللغة والآداب من المغرب
الحواشي:
[1] ـ تهاني عبد الفتاح شاكر ” السيرة الذاتية في الأدب العربي، فدوى طوقان، جبرا إبراهيم جبرا، وإحسان عباس نموذجا”، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، الأردن، ط1 2002.
[2] ـ شوقي ضيف، الترجمة الشخصية، دار المعارف، القاهرة، ط 1، 1978.
[3] ـ محمد عبد العظيم بنعزوز ” رباعية باريس”، دار القلم، الرباط، الطبعة الأولى 1446 / 2025، ص 17.
[4] ـ نفسه، ص 19.
[5] ـ نفسه، ص 28.
[6] ـ نفسه، ص 30.
[7] ـ نفسه، ص 31.
[8] ـ نفسه، ص 36.
[9] ـ نفسه، ص 39.
[10] ـ نفسه، ص 86.
[11] ـ نفسه، ص 92.
[12] ـ أحمد شوقي ” ديوان الشوقيات”، قصيدة ذكرى المولد، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012، ص 97.
[13] ـ رباعية باريس، ص 40.
[14] ـ نفسه، ص 42.
[15] ـ نفسه، ص 45.
[16] ـ نفسه، ص 50.
[17] ـ نفسه، ص 51.
[18] ـ نفسه، ص 131.
[19] ـ نفسه، ص 177.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
