الرئيسية / الأعداد / مقامات الرؤيا الشعرية: قراءة في ديوان “وكنات لهديل الغياب” للشاعر علال الحجام – عمرو كناوي

مقامات الرؤيا الشعرية: قراءة في ديوان “وكنات لهديل الغياب” للشاعر علال الحجام – عمرو كناوي

 مقامات الرؤيا الشعرية: قراءة في ديوان “وكنات لهديل الغياب” للشاعر علال الحجام

عمرو گناوي*

 

توطئة

تجدر الإشارة، بادئ ذي بدء، إلى أنَّ كثيراً من القراء العرب، وهم يقاربون النصوص الشعرية، قد لا يوفقون بسهولة في الفصل بين مصطلحي “الرؤية” و”الرؤيا”، رغم أهميتهما البالغة في مقاربة النص الشعري.

واختصاراً نقول: إن الرؤية، كما يستفاد من آراء المحللين والنقاد، هي عبارة عن نظرة أفقية، ثابتة، حسية، تلتقط الأشياء في مظاهرها الخارجية كما هو الحال في الشعر القديم. أما الرؤيا فتتعلق بـ**”موقف جديد من العالم يتجاوز ما هو مادي، واقعي وجزئي، ليرتبط بمنطق الحلم أو الإلهام، الذي يتجاوز حدود العقل وحدود الذاكرة”** (د. الوارث الحسن، تجديد الرؤيا الشعرية في الشعر العربي الحديث بين المفهوم والإبداع. مجلة الأدبية. بتصرف). ونستطيع القول، في المحصلة الأخيرة، إن الرؤيا أعمق من الرؤية، لأنها تمثل نظرة الشاعر العميقة لِما وراء الواقع.

وقد عبّر شعر الرؤيا عن موقف جديد من العالم، يتعارض كلياً أو جزئياً مع مفهوم الرؤية. وقد تمثَّله كثير من الشعراء الحداثيين، نذكر منهم على سبيل المثال: بدر شاكر السياب، ويوسف الخال، وأمل دنقل، وغيرهم. ويُعدُّ أدونيس من الشعراء الأوائل الذين رسَّخوا لشعر الرؤيا في النقد العربي الحديث، من خلال كتاباته: زمن الشعر (2005)، وديوان الشعر العربي (2006)، وغيرهما من الكتب التي عمل أصحابها لاحقاً على ترسيخ هذا البعد النقدي. وفي طليعتهم من المغاربة، الشاعر محمد بنيس في كتابه: الشعر العربي الحديث. بنياته وإبدالاته (1989)، والشاعر علال الحجام من خلال ديوانه “وكنات لهديل الغياب”، الصادر سنة 2023 عن منشورات سليكي أخوين (Slaiki)، والذي ارتأينا مقاربته اليوم في هذا اللقاء البهيج والمتفرد.

بنية الديوان وعنوانه

يتألف الديوان من ستة عشر نصاً شعرياً، يمتد على مائة وثلاث وستين صفحة من الحجم المتوسط. تختلف نصوصه من حيث مواضيعها وإيقاعاتها وفضاءات توزيعها، بدءاً من قصيدة “برَد تحت لفح مدرّعة”، فاتحة الكتاب. وقد استهل الشاعر ديوانه بمقطع شعري من قصيدة “عنب الخليل” للشاعر عز الدين المناصرة، مروراً بقصيدة “توبوغرافيا ربيع عبثي”، وصولاً إلى “ألبوم لأطياف عروة”. أما قصيدة “وكنات لهديل الغياب”، عنوان الديوان، فتمثل أمَّ القصائد.

بموجب هذا التمركز، يكون العنوان قد شكَّل مدخلاً أساسياً يساعد على استجلاء موقف الشاعر من العالم. تدعمه وتقوّيه مجموعة من المقامات، أهمها: مقامات الغياب في علاقتها بالحجر الصحي، بكل تبعاته المُدمِّرة للأقربين والأبعدين، في انتظار مجيء دور البقية الباقية من الكائنات البشرية، بل إن الجائحة ستطال حتى الطيور في أعشاشها.

ذلك أن: أي عش دافئ بالشقشقات سيكون عليه الدور غدا؟// (ص: 102)

تشاطرها في هذا الانتظار، أصوات أخرى، كـهديل الحمام، أحد الأصوات المؤازرة لضحايا الحجر الصحي:

“طيور قد تغادر ثم تعود وأخرى تغادر دون أن تعود حين تدحرجها اللحظة الماكرة تتضاعف الوكنات المهجورة” (ص: 102)

وسوف يستمر الحمام في هديله، والطيور في أنينها، كلما “عاد الليل إلى عشه” (ص: 142 بتصرف).

ومن أجل مقاومة هذا “الغياب” الكاسح المتغول، “كان لا بد أن تواجه نصوص ‘الوكنات’ الشعرية براكينه مواجهة جوّانية”. يقول الشاعر:

“أموت وحيداً في السُرى يطيّبني الصفصاف ويغسلني الجدولُ (ص: 133) “أرغب في التنفس”، “أموت هنا ولا أرحل”، إلخ.

إن حضور الموت بهذه الكثافة والقوة التدميرية الفائقة، “إنما يحضر قريناً لحياة بديلة مُتَرَجّاة، يحتفي بها الشعر نكاية في العدم والفقدان” (الشاعر علال الحجام يقرض وكنات لهديل الغياب. هسبريس 7 مايو 2023. بتصرف).

إذا كان الغياب عند علال الحجام مرادفاً للموت، والعزلة، والتمزق، والانكسار، والأمل، والجمال، والكمال جميعاً، فإن أول ما يثيره الشاعر في تجليات مقاماته الشعرية هو تجاوزه للأشكال الشعرية التقليدية، مبنىً ومعنىً وأغراضاً وبناءً، وارتكانُه لأشكال شعرية جديدة من التعبير عن الذات والفكر وقضايا الحياة. وحتى يجسِّد هذه الرؤيا الشعرية الجديدة، كان لا بد أن يتبنى، عبر ديوانه، مجموعة من المقامات الشعرية (وهي بالمناسبة جمع مقام، لا مقَامة، كما قد يُفهم من مصطلح المقامات الأدبية التقليدية، ذات الارتباط بفن مقامات الحريري والهمذاني وغيرهما)

من أجل هذه الغاية بالذات، سوف نحاول النبش في مجموعة من تمظهرات مقامات الشاعر، حسب ما تسمح به مستويات النصوص المُعَدَّة للاشتغال والمستمدة أساساً من ديوان “وكنات لهديل الغياب”.

عتبة الديوان: “وكنات وهديل”

على مستوى عتبة الديوان، يعترضنا مصطلحان لغويان أساسيان: “وكنات” و”هديل”، في ارتباطهما بمفهوم “الغياب”، الذي يُفترض أن يُضفي على تركيبة العنوان دلالة جديدة.

وكنات: مشتقة من الجذر اللغوي (وكَنَ)، مرادفات لـأعشاش الطيور ومآويها.

هديل: ينحدر من (هدَل)، وينسحب على صوت الحمام أو الهدهد أو ما شابه.

إلى حدود دلالة هذين المصطلحين، نفهم جيداً ما لـ”الوكنات” و”الهديل” من علاقة وطيدة بالأعشاش والأشجار، رمز الخصوبة والنمو وضمان الاستدامة. إلا أن علاقة “وكنات وهديل” بالغياب تبقى أقرب إلى المجاز منها إلى الحقيقة، وفق ما تسمح به دائرة التأويل، وما يرتبط بها من معاني العزلة والرعب والموت وغيرها من منغصات الحياة، حتى ليغدو الغياب في الديوان مركز اهتمام القارئ والكاتب معاً، وفق ما تقتضيه حيثيات الحجر الصحي وما تمليه دائرة أسئلته الحارقة والمتجددة باستمرار.

وحتى نقترب أكثر من أبعاد ودلالة كلمة “وكنات”، نوردها في صورتين شعريتين متباعدتين:

يقول الشاعر امرؤ القيس، في وصف حسي مباشر:

“وقد أغتدي والطير في وكُناتها”

الصورة المعبر عنها هنا، حسب ما تمليه رؤية الشاعر، تستمد عناصرها من الواقع المحسوس، يذكر فيها صاحبها ما تنعم به الطيور داخل أعشاشها من راحة وسكينة واستقرار.

بخلاف ما تعبر عنه رؤيا الشاعر علال الحجام في “وكنات لهديل الغياب”، من أبعاد رمزية وصور بلاغية، يرتقي فيها ملفوظ الغياب إلى ما هو أسمى شاعرية، وأدل وأعمق رمزية.

القارئ الفطِن للصورتين، يصبح بإمكانه أن ينتقل بكامل اليسر من فضاء موسوم بالهدوء والأمان، إلى فضاء بحجم اتساع الفقدان والألم والانشطار، قبل أن يتملكه شعور رائق بمتعة الإدراك وجمال التخييل، سيما وأن المعنى أصبح قابلاً للانفتاح على تأويلات مختلفة.

مقامات القلق والغياب

لِسَبْر أغوار ديوان “وكنات لهديل الغياب”، يلزم القارئ التسلح بالصبر والمكابرة، حتى يتسنى له الغوص في أدغال الحجر الصحي ومتاهاته، ويقف على مُخلّفاته المدمرة، ويكشف بالتالي عن نفائس إبداعاته ودرر انشطاراته. فإلى جانب ما خلّفه الوباء من مآس وفتن وأهوال، فقد أمتع فيه الأدباء والشعراء وأبدعوا، بما خلّفوه على امتداد لحظات “كوفيد” العصيبة من ألوان الأدب الجميل والفن الراقي، مما ارتقى بجودة الإبداع والمبدعين في هذه الفترة الاستثنائية الحرجة من تاريخ البشرية.

ومن أهم تلك الأعمال، ما أبدعه الشاعر الزجال مراد القادري حين تصدى للمرض بنوع من الجراءة والتحدي غير المسبوق، وما جادت به قريحة الشاعر علال الحجام في مقامات وكناته، من لذاذات شعرية وصور بلاغية أخّاذة، استحسنها القارئ والسامع على امتداد قصائد الديوان. ومن أهم هذه المقامات:

  1. مقامات القلق

في هذا النوع من المقامات الشعرية، يستند الشاعر علال الحجام، في جزء كبير منها، على موقفه من الوجود. وهو نفس الموقف الذي طالما شغل الشعراء الحداثيين، الذي تقوم على أساسه ردود الإنسان المعاصر إزاء منغصات الحياة، وكل ما أشكَل عليه من معالمها وعوالمها، وما انتابه من اضطرابات نفسية واجتماعية وفكرية، سرعان ما صاغها على شكل تساؤلات عن الحال والمآل، حدَّ انغماسه في حمأة التشاؤم والسوداوية، وشعوره بـعبثية الحياة ولا جدواها، ما دام العالم موبوءاً والموت يطارد الإنسان.

أ. قلق السؤال

من بين ما يؤسس لـمقامات القلق، أن يلجأ السائل إلى التعبير عن همومه الذاتية، أو يتساءل عن معارفه موضع الشك، أو يستفهم في أمر هويته، أو سر وصوله إلى مرحلة الجهل بالواقع، فيلجأ إلى التعبير عن هذا العجز المركَّب بـالتساؤل عن علّية ما يجري من أحداث. تماماً كما حصل للأدباء والشعراء زمن مواجهتهم “كوفيد 19″، حين تساءلوا عن مصدره وسر انتشاره، واستفحال عدواه.

يقول الشاعر علال الحجام في إحاطة معبّرة عن أيام “كوفيد” الحرجة:

أهي البيوت خراب؟ (ص: 70) كل شبر خارج العش مفخخ بعبارات الاحتمال (ص: 114)

ويضيف متسائلاً، متوسلاً:

فهل تطهرين أيتها القديسة دم الفطنة من فيروس المهزلة وترسمين لوحة لصلوات الوطن (ص: 147)

قبل أن يختتم مقامته الشعرية بصيغة “لا أدري”:

لست أدري لست أدري (قصيدة ابن البط. ص: 160/159)

ب. قلق الغضب والتمرد

في هذا النوع من القلق، يعبر الشاعر عن سؤال بـطعم الغضب والتمرد، ارتباطاً بحالة إنسانية صادمة، يقف أمامها عاجزاً عن التصدي، ولا يملك إزاءها إلا أن يرثي لحاله وحال أغياره.

يقول الشاعر مستغرباً لتحوّل دور الشعر ومآله:

أترى انتحر الشعر في بحره عندما أطفأ الحبرُ نور نبوّته وتداعى لومض الرصاص؟ (ديوان وكنات. ص: 9)

قبل أن يعلن في تساؤل مدهش، عن جام غضبه وحنقه الشديد، إزاء ممارسات المستوطن الإسرائيلي:

هل تخجل اليوم بما اقترفته ألاعيب أحفادك الهمجية أم أنك تمرح مغتبطاً بمقالبهم (ديوان وكنات. ص 10)

على هذا النحو من أسئلة القلق والتمرد، دأب الشعراء الحداثيون على الإفصاح عنها في رؤيتهم للعالم، بما حملته الحياة من جروح وآلام. إنه الموقف الذي يؤشر على انغماس الشاعر في حمأة التيه وجهله بحقيقة الوجود. وبالمقابل، فلا غرابة أن ينتهي الشاعر علال الحجام إلى التعبير عن اندهاشه من نفس المسار وحزنه على نفس المصير. يقول بكثير من الحسرة والأسى:

ما أحزنني وأنا أنتظر القطار.. يقترب مني ويعانقني مواسياً ( بيت يسكنه شبح سولارا لا تجف عبرتها الكسيرة تشيع أيتام سومرَ فجراً في الليلة الأخيرة// (الديوان. ص: 75/74)

إنها لحظة استغراب طالما تملكت صاحبها. وقد تجلّت معالمها في كثير من مظاهر التوتر والقلق والانكسار، اكتسبت مشروعية حضورها من مجموعة من الأبعاد الفلسفية والرمزية، في تزامن مع فترة انتشار الحجر الصحي.

هذه النبرات الحزينة، وهي توثّق للموت وتحتفي بالغياب، وتعكس هشاشة الإنسان وضعفه أمام الجائحة، إنما تؤسس لـصحوة مواجهة الموت بالكتابة. وتأكيداً لقلق السؤال، سيعمل الشاعر علال الحجام على استحضار رمز الدالية، كأحد رموز القضية الفلسطينية، حيث يعود ليقول في مستهل قصيدة “برَد تحت لَفْح مدرعة” على لسان عز الدين المناصرة:

خليلي أنت: يا عنبَ الخليل الحر لا تثمر، وإن أثمرت، كن سُمّاً على الأعداء، لا تثمر! (الديوان ص: 2)

  1. مقامات الغياب

تُعد ظاهرة الغياب من الرموز التي اختلف الشعراء المحدثون في الاشتغال عليها، كل حسب منطلقاته ومقدراته. تبعاً لذلك، فقد جاء الغياب متعدد الاستعمالات، فدلَّ على الفراغ والحنين والموت وغيرها من التيمات.

أما عن الغياب في ديوان “وكنات لهديل الغياب”، فقد ارتبط عند علال الحجام بـقلق الفن والجمال، وتجاوز الأشكال الشعرية التقليدية، بغاية استكمال سيرورته، سواء على مستوى تكسير بنية القصيدة والتحرر من قيودها، أو على مستوى التطلع إلى التجريب الشعري في أشكاله الجديدة (شعر تفعيلي، قصيدة النثر، وغيرهما). وهو ما حاول أن يتمثله الشاعر علال الحجام من خلال تركيزه على الانفعالات الداخلية والتفاعلات الذاتية، في دائرة ما غمره من قلق على المفقودين من ضحايا الحجر الصحي. وهو إذ يرثي الإنسان هنا، إنما يرثي الأقربين من رفاقه الخُلص، لما جمعه بهم من أواصر الصداقة والمودة، وفي مقدمتهم بنسالم الدمناتي، وعبد السلام الزيتوني (أعز الناس في مكناس)، وبنعيسى بوحمالة، وغيرهم.

وقد ينسحب الغياب أيضاً على حنين الشاعر لوكنه/وطنه، حين ابتعاده عنه في مهمة علمية بالجامعة الأمريكية.

بناءً على هذا الغياب وتداعياته، خاض الشاعر علال الحجام تجربة شعرية مليئة بالتوتر النفسي والقلق الفكري، محاصَراً بـتساؤلات قلق البُعاد وهاجس الموت، متصدياً لمخلفاته ومآسيه، بكل مستجداته من مفارقات الألم والأمل والوجود والعدم.

وبذلك، يكون التجريب الشعري عند الشاعر قد تجاوز قلقه من استمرار الأشكال الشعرية التقليدية، إلى الانفعالات الداخلية والتفاعلات الذاتية. ذلك أن القلق الشعري في تصوره، نابع من وجود توتر بين شكل القصيدة ومعناها، في أفق الارتقاء بالقصيدة إلى مستوى مقامات الغياب والتأسي.

ختاماً أقول:

إذا قُدّر لك أن تقرأ للشعراء الكبار، فاعلم أن المحاولة لن تكون طيِّعة كما تتصور. وأنك إذا مُنحت هذه الفرصة، فقد اعتليت علواً كبيراً، ومُنحت مقاماً محموداً من السمو والفخار، بل وأوتيت من الجمال والكمال ما تطيب له المكاسب.

أشكر لكم تتبُّعكم وإصغاءكم. وأشكر لكل المساهمين مبادرتهم في تأثيث هذه المأدبة الشعرية الدسمة.

باحث وناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً