سينما القصيدة العامية المتمردة: قراءة في ديوان (أفلام بتتشاف بالعكس) للشاعر شريف طايل
وسام علي الخالدي*
في زمنٍ تتعالى فيه الأصوات المتشابهة، ويُعاد إنتاج الشعر كمنتجٍ استهلاكيّ هشّ، يطلّ علينا ديوان “أفلام بتتشاف بالعكس” للشاعر المصري شريف طايل كصرخة مغايرة، تمضي بعكس التيار، لا تهادن لغةً ولا تسترضي قارئًا، ولا تحابي مؤسسات. إنه عمل شعري متفجّر، لا يلتزم بحدود الوزن أو قوالب الشكل، بل ينفلت من قبضة التصنيف، ويؤسس لذاته جماليات جديدة، تُبنى على الخراب، وتنهض من رماد الفوضى.
هذا الديوان ليس مجموعة من القصائد كتبت باللغة العامية، بل هو حالة شعرية كاملة، كأن الشاعر يكتب من قلب بركان، أو من تحت أنقاض مدينة حلم بها، ثم رآها تتهدّم فوق رأسه. تتقاطع فيه الذوات، تتناسل فيه الأصوات، وتتوالد فيه الصور من رحم الغضب والسخرية والخذلان. قصائد تكتُب الواقع كما يُرى من داخل الروح، لا كما يُعرض على شاشات الخطاب الرسمي أو قوالب الشعر المعلّب.
فمنذ العنوان، يستدرجنا النص إلى قراءة معكوسة، إلى نظرة مقلوبة للعالم، لا ترى الأشياء كما هي، بل كما يجب أن تُفضَح. يقدّم شريف طايل تجربة متكاملة في تفكيك العالم، وإعادة تركيبه بلغةٍ جريئة، تصدم أحيانًا، وتبكي أحيانًا، وتضحك بسخرية العارف كثيرًا. في هذا الديوان، لا يتعالى الشاعر على القارئ، بل يهبط إلى الشارع، إلى الأرصفة، إلى الحانات، إلى العيادات النفسية، ليقول لنا ببساطة: “هذا هو الشعر حين يشتبك مع الحياة، لا حين يختبئ منها”.
ومن هنا تبدأ القراءة، لا بحثًا عن معنى، بل عن أثر. لا بحثًا عن موسيقى، بل عن نبض. لا بحثًا عن شاعر، بل عن إنسانٍ قرر أن يكتب العالم بالعكس، لأن العالم في وجهه الطبيعي لم يعُد يُطاق.
ان ديوان “أفلام بتتشاف بالعكس” للشاعر شريف طايل هو صرخة شعريّة متقطّعة، تتلبّس لبوس التمرد وتكتب نفسها من موقع “الرفض الجمالي” قبل الرفض السياسي. إنه ليس ديوانًا بالمعنى الكلاسيكي، بل مسرح داخلي متشابك، تتوالى فيه المشاهد مثل شريط سينمائي مهتزّ، تارة يُصوِّر الذات وهي تتشظّى، وتارة يُصوِّر الوطن وهو يُباع على أرصفة العجز. اللغة فيه ليست أداة للتوصيل فقط ، بل وسيلة للهدم والبناء معًا، فالكلمات تبدو أحيانًا كأنها خرجت من معركة خاسرة، مبلّلة بالدم، ومحروقة بطلقات الأسى.
لذا يكتب طايل بوعي حاد يُدرك أن العالم لم يعد كما كان، وأن الشعر لم يعد يليق به الرنين الخافت أو القافية المطيعة. فهو شاعر يرفض الوزن التقليدي، لكنه لا يتخلى عن الإيقاع الداخلي للنص. يتنقّل بسلاسة بين العاميّة والفصحى، بين المحكيّ والمعرفيّ، كما لو أن اللغة نفسها صارت خزانًا للنقد والسخرية والاعتراف. ففي مقاطع كثيرة، يشعر القارئ أن الشاعر يتحدث من فوهة بندقية، لا من فم شاعر تقليدي؛ فالجملة مشحونة بمرارة التجربة، بسخرية الثائر، وبأسى الجيل الذي حلم كثيرًا وسقط كثيرًا.
لذلك ينحاز طايل للمهزومين، للمقهورين، للهامشيين، في مواجهة بنية سلطوية متشابكة: السلطة السياسية، السلطة الثقافية، سلطة اللغة، وسلطة التاريخ نفسه. لذلك كثيرًا ما تظهر أسماء مثل “ناجي العلي”، “صلاح جاهين”، “درويش”، “أمل دنقل”، لكنها لا تأتي لتؤسس قداستهم، بل لتقول ما لم يُقل، أو تكشف عن خيبة الأمل فيما بقي من رمادهم. اذن القصيدة هنا ليست نشيدًا، بل احتجاجا دائما، وحوار بين ضمير الشاعر وخراب العالم، حيث تتحول الكتابة إلى مساحة صراع.
وعليه يكثر في الديوان استخدام الصور اليومية الملوّثة بالمفارقة، كأن يقول: “أنا موظف بسيط في الثقافة، وأول ما قلتها لصاحبي، افتكرني بتاجر أفلام بورنو”. هذا التداخل بين العبثي واليومي يشكّل استراتيجية بلاغية مقاومة، هدفها فضح المجتمع المتديّن المزيّف، المثقف المزيّف، والسلطة التي تزيّف حتى الشعر. وتغدو القصيدة أحيانًا مونولوجًا داخليًا يتخطى الشعر ليصل إلى حدود المقال الفلسفي أو الاعتراف الشخصي أو الهذيان الصوفي، في مشاهد تشبه “الهلوسة الواعية”.
لذا اعتمد طايل على البناء المشهدي، كما في أفلام السينما، فقسم ديوانه إلى “مشاهد خارجية” و”مشاهد داخلية”، مما يمنح النص بُعدًا بصريًا حيًّا، حيث القارئ لا يقرأ فحسب، بل “يرى” القصيدة تتحرك. هذا الاستخدام للسينمائي ليس حيلة شكلية، بل امتداد لرؤية الشاعر للعالم باعتباره فيلمًا يُعرض بالعكس، حيث الحقيقة لا تظهر إلا عند الرجوع، وحيث النهايات تحمل في داخلها بدايات لم تولد بعد.
ففي قلب الديوان، يظهر الشاعر في صورة منقسمة على نفسها: نصفه شاعر مهموم بالمعنى، ونصفه ساخر من جدوى المعنى نفسه. يقول في إحدى القصائد: “كتبت قصيدة من قهري بدون معنى.. لكن طبعًا هتعجبكم!”، وهذه السخرية الموجعة تكشف عن أزمة الشاعر مع المتلقي، مع سوق الأدب، مع “اللايكات” التي أصبحت معيارًا للجودة. إنه شاعر يرفض أن يكون مروّضًا، حتى لو كلّفه ذلك النفي أو الإقصاء.
لذا ينفتح النص أيضًا على خطاب ما بعد حداثي، حيث يتماهى الواقع بالخيال، وتتكسّر بنية المعنى، ويغدو الشعر كتابةً ضد الكتابة، محاولةً لمحو ما كُتب من أجل أن يُكتب ما يجب أن يُقال. فهو شاعر ضد “الديوان”، ضد “دار النشر”، ضد “الشاعر الرسمي”، وضد “الشهرة العميقة”، كما يسخر ساخرًا. الكتابة لديه هي محاولة للنجاة، لكنها نجاة دامية، لا تنجو إلا وهي مبلّلة بالوحل.
ولا يخلو الديوان من المقاطع الرقيقة والعاطفية، خاصة تلك التي يتحدث فيها عن الأب، عن الجد، عن الابن، عن المدينة “طنطا” التي تحضر كأنها ذاكرة جسدية، فهو ليس مكانا. في تلك اللحظات، لذا تنكسر السخرية، ويتسلّل الألم صافياً، شفافاً، كأنه الاعتراف الوحيد الممكن في زمن الكذب الكبير.
وتستمر رحلة هذا الديوان في فضاءات التوتر الشعري، بين النثر والانفجار، بين الحكمة الشعبية والتمرد الوجودي. فالشاعر لا يهادن، بل يطلق العنان لما يشبه شظايا الذات المبعثرة، مفككًا المفاهيم الجاهزة، حتى في اللغة ذاتها، التي يتعامل معها كمادة قابلة للحرق أو الهدم، لا كمقدّس محفوظ. يتفنّن شريف طايل في تحطيم الجدار الرابع، فيكلم القارئ، يتحدّاه، يسخر منه أحيانًا، ويعيد تموضعه داخل النص، لا كمتلقٍّ ساكن، بل كمشارك في القلق، في الحيرة، في الحرب.
ولعل اللافت أن الشاعر، رغم كل هذا الغضب الكوني، لا يسقط في الفوضى غير المُسيطر عليها؛ بل إن الفوضى هنا منظمة، مقصودة، محسوبة، أشبه بتركيب كولاج شعري متعدد الأصوات، حيث تتجاور شخصيات تاريخية، وصور حداثية، ومفردات يومية، في انسجام ساخر يكشف عن قدرة فنية عالية في توظيف الترميز الشعبي والثقافي. ففي لحظة واحدة قد نرى ناجي العلي، ونزار قباني، وصلاح جاهين، وحنظلة، ومارلين مونرو، والشيخ إمام، ومي زيادة، في مشهد واحد، في قصيدة واحدة، داخل ديوان واحد. هذه التقنية تعكس وعياً عميقاً بثقافة الصورة، وبأن الشعر في عصرنا لم يعد يُكتَب من برجٍ عاجيّ، بل من داخل الشاشة، من قلب المشهد المُركَّب.
ويتّخذ طايل من الشارع ميدانًا دائمًا للقصيدة، فالشعر عنده ليس حبيس الصفحات، بل يهتف، يحتج، يتسكع، يسبّ، ويغني في الطرقات. تنبض القصائد بأصوات “العيال”، بالحواري، بالقطارات، بالكافيهات، بالأوبرا، وبأغاني الشارع، كأن الديوان كتبه صوت عامّيّ مثقّف، أو مثقّف عامّي، يأبى الانتماء النهائي لأي طبقة أو نخبة أو قطيع. وحتى عند حديثه عن الجسد، الجنس، العاطفة، الأم، المدينة، لا يتورّع عن استخدام التعبير الصريح أو الصورة الحادة أو المفارقة الصادمة، في ظلّ حالة من الاعتراف المفتوح والمساءلة الذاتية القاسية.
لذلك يكتب شريف طايل قصيدته كمن يقف على خشبة مسرح محترق، وكل ما يملك ليقاوم هو لغته، ساخرة، سوداوية، محشوة بتناقضات جيل كامل رأى الثورة تسقط، والحلم يُباع، والشعر يتحول إلى وسيلة تسويق. ولعل واحدة من أبرز خصائص هذا الديوان أنه لا يسعى إلى تجميل الواقع، بل إلى تفجيره وإعادة عرضه “بالعكس”، حيث الماضي ليس بطوليًّا، والحاضر ليس مفهوماً، والمستقبل ملبد بأدخنة القصائد.
الديوان اذن تجربة حيّة، ملتهبة، تنتمي إلى شعر “ما بعد الأمل”، حيث لا تعويل على الخلاص، ولا رجاء في المؤسسات، بل كل ما تبقّى هو الشعر كمقاومة فردية، كوسيلة للبقاء، كصرخة في برميل قمامة. وحتى في نهاية الديوان، لا يمنحنا الشاعر خاتمة مغلقة أو فاصلاً مطمئناً، بل يبقي الجرح مفتوحًا، والبوح جاريًا، كما لو أن الكتابة عنده ليست لحظة إبداع، بل لحظة نجاة.
إن “أفلام بتتشاف بالعكس” ليس ديوانا، بل حالة شعرية حافلة بالارتباك النبيل، لذا يرسم ملامح شاعر يعرف جيدًا أن وظيفة القصيدة في زمن الخراب ليس أن تُطربنا، بل أن تهزّنا، أن تتركنا في العراء، أمام أنفسنا، بلا أقنعة. ديوان يستحق أن يُقرأ أكثر من مرة، لا لفهمه، بل لمصاحبته كرفيق مرّ بطريقنا ذات شكّ.
ختامًا، فإن ديوان “أفلام بتتشاف بالعكس” لا يُقرأ كما تُقرأ القصائد، بل يُعاش كما تُعاش التجربة، يُشاهَد كما تُشاهَد الأفلام التي تُعرض بالعكس لتفضح ما نخجل من رؤيته. إنه ديوان يصرخ، يضحك، يبكي، يتقيأ اللغة، ويُحاورها بجرأة نادرة. تجربة مختلفة، مفاجئة، ومستفزة، تكشف عن شاعر لا يكتب الشعر، بل يعيش فيه كما يعيش في معركة لا تنتهي.
ناقدة من العراق
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
