محمد المنور: راحل حاضر بفضل علمه

عمر أيت سعيد*
كان ختام مسيرة حياته عطْراً يفوح. إنه ذلك الراحل الذي ما يزال حياً في أفئدتنا ووعينا. محمد المنور، عليه سحائب الرحمة والغفران، كان كالشجرة الوارفة، كلما اقتربتَ منها نهلتَ من معين علمها الثريّ وارتويتَ من فكرها المغدق الثاقب.
لقد كان لنا سنداً وعوناً، يشجعنا دوماً على مواصلة التحصيل العلمي والسير في طريق الدراسات العليا. وكان يوصينا بالكتابة والتدوين قائلاً: “اكتب بكل اللغات يا بُني، ولا تُكثر السؤال عن المراجع وأنت تعيش بين المصادر الأصيلة”. إشارة منه إلى أهمية الثقافة واللغة الأمازيغيتين، فهو الذي عشق شعر “تمناضين” و”إزلان”، حتى إنه حفظ قدراً كبيراً منه وانصرف إلى ترجمة كثير من تلك الأشعار إلى اللغة الفرنسية التي كان يتقنها كإتقانه العربية والإنجليزية.
لم تسعفني الأيام بلقائه كثيراً، لكنه أثرى المكتبات بتأليفه الكثير من الكتب بتلك اللغات الثلاث، وكان آخر إنتاجه ديوان “ⵉⵚⴼⵟⴰⵏ ‘’iSfTawn” الذي يمثل صرخة مدوية تجاه السياسات الهادفة إلى تهميش التاريخ والتراث الأمازيغي.

ولكي يتعرف القارئ على لمحات من إبداعات هذه الأيقونة الفذة ومواقفها، استعنتُ بأستاذي وصديقي محمد أيت حمزة، وهو الذي عرفه حق المعرفة، ليدلي بشهادته خلال حفل تأبين الدكتور الراحل، حيت قال:
“أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل،
أصدقاء ومعارف المرحوم الدكتور محمد المنور،
أقف اليوم في ذات المكان الذي وقف فيه الفقيد قبل عام، أثناء حفل تقاعدي، ليلقي كلمات ما تزال تتردد في نفسي. نعم، أقف هنا لأقول كلمات قد لا تبلغ مداها، لكنها نابعة من الأعماق.
وصلنا النبأ المفجِع صبيحة يوم الثلاثاء 27 غشت 2018، فاهتزت الأرض من تحت أقدامي، ثم جمعتُ شتات نفسي لأن الموقف كان يقتضي الصمود. اتصلت بعائلته في الرباط والبادية، ثم خرجت كالسكارى أبحث عن داره فلم أهتد إليها. كانت الصدمة مروعة حين علمت أنه سينقل مباشرة من المستشفى إلى المقبرة، كغريب تقطعت به السبل. فاتصلت بالمعارف، وأبلغت الأصدقاء، فاجتمع المشيعون وسبقتُ الموكب إلى المقبرة. كانت لحظة وداعٍ عصيبة.
لقد رحل عنا محمد أموح فجأة، بلا اعتذار ولا عنوان نلجأ إليه… ولا أعرف الطريق جيداً إلى حيث يرقد ، فله مني دعوات الرحمة والمغفرة.
لكني أعرف الطريق إلى منزل أبويه في دوار أمدناغ، وزرتهم ليذكرني ذلك بأيام خوالٍ، حين كنتُ أصطحب أبي في صغري وهو يعمل حرفياً لدى عائلة سي محمد. كانت صداقة لم أتخيل أن تنقضي بعد أن دامت قرابة ستين عاماً.
درسنا معاً في مدرسة ابتدائية بقلعة أمكونة سنة 1958، وتميز بانتمائه إلى أسرة ميسورة؛ فقد عمل أبوه في معمل تكرير الورود، وامتهن عمه التجارة، بينما هاجر عمه الآخر باكراً للعمل في بناء سد بين الويدان ثم إلى فرنسا أواخر الخمسينيات. وقد أتاح هذا الوضع لأفراد العائلة أن يتولوا مناصب رفيعة في الإدارة والجيش والقضاء.أتذكر كيف كنتُ أنظر إليه آنذاك بمزيج من الغبطة والإعجاب، لباسه الأنيق وما كان يتمتع به من امتيازات كدراجته النارية…ثم انتقلنا معاً للدراسة في إعدادية بومالن دادس التي أُنشئت سنة 1964، حيث اضطررنا رغم صغر سننا إلى الاعتماد على أنفسنا، فاستأجرنا غرفاً في مقهى شعبي وكونّا مجموعات من ستة تلاميذ نعد طعامنا وننظف ملابسنا وندافع عن أنفسنا. بل كنا نساهم في تنظيف فصول المدرسة الابتدائية. عشنا كأسرة واحدة نتشارك كل شيء، حتى الملابس. ولا أزال أحتفظ في خزانتي بصور تذكارية جماعية التقطت لنا وأنا أرتدي بدلة أصدقائي في القسم لأبدو بمظهر لائق.
أربع سنوات من التكوين الذاتي والتحصيل العلمي رغم قسوة العيش وضيق الإمكانات. لم يكن هناك كتب ولا مكتبات، بل لم يكن هناك أساتذة دائمون أو مدير، فقط معلمون منتدبون، كلهم أجانب.
في سنة 1968 انتقلنا إلى ثانوية ورزازات التي كانت قد أُنشئت حديثاً، لنكون أول فوج يفتتحها. وسكنّا في ثكنة عسكرية تبعد عن الثانوية بأكثر من كيلومتر. كنا نقطع المدينة صباحاً ومساءً في صف طويل من اليافعين، كما كنا نقطعها أسبوعياً للذهاب إلى الحمام الجماعي الوحيد في المدينة التي طغى الطابع العسكري على سكانها. مدينة تقبع وسط ثكناتها منذ بداية القرن الماضي، مع حانة العائلة الإغريقية “ديمتري”.
وبعد سنة انتقلنا إلى ثانوية محمد الخامس بمراكش. وكانت الفترة التي قضيناها في أحضان المدينة الحمراء كافية للتعرف على معالمها والتأثر بموجة “الهيبيز” التي اجتاحت العالم بعد أحداث 1968 في فرنسا. كانت الثانوية تضم تلاميذ من جميع أقاليم الجنوب، فاضطررنا إلى التلاحم لمواجهة الغربة والاغتراب. وكانت ساحة جامع الفنا وأفلام عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش تذيب شيئاً من قسوة تلك المشاعر.
بعد البكالوريا، توجّهنا بشكل شبه جماعي إلى كلية الآداب بالرباط، شعبة التاريخ والجغرافيا. نزلنا إلى المدينة التي كانت بالنسبة لي أول عاصمة أزورها، فاحتمى بعضنا ببعض، واستأجرنا بيتاً قرب معمل “لا سيكُوني” في حي المحيط. لكن الفارق الاجتماعي بيني وبين سي محمد حال دون استمرار العيش معاً. كان المرحوم ينفق بلا حساب، بينما كنتُ أعيش بالكاد، حتى إنني كنتُ أجهد myself لإقراضه المال لشراء الملابس الفاخرة والجرائد والسجائر، مما أوقعنا في عجز عن دفع الإيجار وفواتير الماء والكهرباء. مرت سنتان في الجامعة، وكنا نتواصل دائماً في الرحلات الميدانية، وكان يملك مسجّلاً (حاكي) نشحنها بأغاني أم كلثوم مثل “أنساك”، “هجرتك”، “أغدا ألقاك”.
في سنة 1973، وكانت الحركة الطلابية في ذروتها، أغلقت الكلية، فبدأ كل منا يبحث عن منفذ. حاولت الالتحاق بالمكتب الوطني للفوسفاط، بينما التحق سي محمد بالسياحة كمندوب في مراكش، ثم فاس، ثم الشرق الأوسط، ثم باريس. وقد جعل من تطوير القطاع قضية شخصية، فكان من مؤسسي مهرجان الموسيقى بمراكش، ومن منظري مهن الصناعة السياحية بفاس، مما أدى إلى اصطدامات متعددة مع مسؤولي القطاع والفاعلين الذين تضايقوا من صعوده محلياً ودولياً، خاصة بعد عودته للعمل بالمكتب الوطني للسياحة ككاتب عام كما ورد في مقال بجريدة Le Monde).
اضطر سي محمد لمغادرة القطاع ليلتحق بديوان وزير التجارة الخارجية، ثم بالصندوق الوطني للقرض الفلاحي حيث كُلّف بإعادة هيكلة المؤسسة. فتحمل المسؤولية كاملة وجاب أنحاء البلاد، مما سبب له ألماً مزمناً في العمود الفقري. لكنه اصطدم مرة أخرى بمقاومة عنيفة، اضطر معها لترك منصبه والترحال دفاعاً عن كرامته ومبادئه زمناً ليس بالقصير. تحمل المحنة بصبر نادر، ثم التحق بديوان وزير الشبيبة والرياضة مكلفاً بالدراسات، قبل أن يعينه صاحب الجلالة عضواً في مجلس إدارة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم في مجلس إدارة المكتبة الوطنية.
لقد كان سي محمد من أولئك الذين يرفضون الجمود، وكان أينما حل يترك بصمته المتميزة.
حيويته وتجاربه وطموحه دفعته لخوض غمار الانتخابات البرلمانية مرات عديدة، ثم الانتخابات الجماعية في مسقط رأسه، خميس دادس، حيث أحدث دينامية في المجلس الجماعي وأنجز مونوغرافيا محلية فريدة. لكن بعد المسافة والأسفار الأسبوعية المتكررة أتت على ما تبقى من صحته وماله.
بالتوازي مع ذلك، أكمل سي محمد أثناء وجوده في فاس دراسته في شعبة التاريخ، وحضّر إجازة ثانية في العلوم السياسية. وعندما كان في باريس، أتم دبلوم الدراسات العليا في التاريخ حول “مسار الأسرة الناصرية من خلال وثائق مغموسة”، وجمع رصيداً ضخماً من الوثائق أهلّه لتحضير شهادة الدكتوراه حول تاريخ دادس، حيث كنتُ ألح عليه لإتمام هذا العمل. وقد نجح في ذلك، وكان لي شرف رئاسة لجنة مناقشته والشرف الأكبر في الإشراف على طباعة هذه الأطروحة المتميزة.
كان محمد أموح رجل مبادئ، لا يهتم بالمال بل ينفقه في شراء الكتب وطباعتها، وفي الملابس والاستمتاع بالحياة. كان يقضي نهاره في الأسفار وليله في المطالعة والتأليف. عرف كيف يحوّل محن الزمان وعقباته إلى أفكار وكنوز علمية. وبفضل قلمه المتميز في العربية والفرنسية والأمازيغية، ورّث لأسرته وبلدته نفائس ثمينة، قد لا يدرك معانيها إلا من عاشره أو أتقن لغة موليير والجاحظ.
في سنواته الأخيرة، كان يرحمه الله يسابق الزمن، لا يكاد يفرغ من كتاب حتى يشرع في آخر. كان كاتباً مطوّعاً للفكر الفلسفي، ومؤرخاً ينطق المخطوط ويدققه بسلاسة، وشاعراً لا تعوزه بلاغة الأسلوب ورشاقة العبارة.
ترك المرحوم إرثاً ثقافياً منشوراً ضخماً، أذكر من أيقوناته:
- Tahmiddoucht, Tamazight, la constitutionnalisation ou la mort
- Le Parcours
- Le devenir du Sud-Est
وغيرها من المؤلفات والمقالات المنشورة في صحف مثل Le Monde و Lamalif وعلى مواقع إلكترونية كـ”دادس أنفو”. كما ترك إرثاً مخطوطاً ينتظر النشر، أبرزه مؤلف حول الشعر الأمازيغي، أخبرني باكتماله وهو على فراش الموت.
كان سي محمد رجلاً يعترف بالجميل، فألف كتاباً في السيرة الذاتية للدكتور أوسادن، وكان على وشك إنهاء كتاب عن السيرة الذاتية للزعيم المحجوب أحرضان. كما بدأ بنشر مقالات مطولة أشاد فيها بعميد من عمالقة العلم والتواضع، الأستاذ إدريس خروز.
أيها الأفاضل، إن المتأمل في هذا الإرث ليلمح بوضوح ظلال الصراعات وخيبات الأمل التي تحملها المرحوم وأسرته، فصاغ منها ذخائر علمية ونفائس أدبية. فله مني أصدق دعوات الرحمة والمغفرة،
ولأسرته وذويه أطيب مواساتي ودعوات الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي