الرئيسية / الأعداد / البروفيسور حكيمة حميش الشابة التي انتفضت ضد التقاليد والزواج المبكر من أجل طلب العلم ودحض اللامساواة – محمد بشار

البروفيسور حكيمة حميش الشابة التي انتفضت ضد التقاليد والزواج المبكر من أجل طلب العلم ودحض اللامساواة – محمد بشار

علم من مدينتي

البروفيسور حكيمة حميش الشابة التي انتفضت ضد التقاليد والزواج المبكر من أجل طلب العلم ودحض اللامساواة أو الحكيمة المكناسية التي كسرت الطابوهات ووقفت في وجه تمدد السيدا

محمد بشار*

 

الحكيمة، حميش حكيمة، سيدة مكناسية “مخززة”، كما تحب أن تصف نفسها، سيدة متميزة جرت دماء الجدية والتمرد والتحدي في عروقها منذ الطفولة: تصدت في سن صغيرة للتقاليد المعيقة لتحرر الفتاة ، ركبت المواجهة مع الأسرة من أجل التعلم، ناضلت من أجل مساواة حقيقية بين الجنسين، كسرت الطابوهات الموغلة في العقول من أجل التوعية الصحية والحقوقية … تقول عنها الطبيبة والمناضلة الفرنسية فرانسواز باري-سينوسي، الحائزة على جائزة نوبل في الطب سنة 2008، في مؤلفها “من أجل عالم بدون سيدا: “الأستاذة حكيمة حميش سيدة جد استثنائية، زاوجت بين الالتزام الطبي والالتزام النضالي الذي تجاوز أثره الحدود الجغرافية للمغرب”

ازدادت الحكيمة يوم 28 فبراير 1945 بالمدينة العتيقة بمكناس بباب عيسـي، من أب ينحدر من أسرة مكناسية عريقة، تنتمي اجتماعيا الى طبقة ميسورة. البورجوازية التقليدية المرتبطة بالنشاط الفلاحي، حسب تعبيرها، وأم من أصول فاسية. تقول عن والديها بأنهما كانا يشكلان ثنائيا سعيدا. وقد رزقا ب 7 أبناء كانت هي ثالثتهم، فقد سبقها للوجود ولد، هو البكر، وتبعته بنت. يذكر أن الحكيمة هلت في وقت كان الأب يمني فيه النفس بولد ذكر ثان. البيت الذي رأت فيه النور، تعتبره من فئة بيوتات الحريم بفعل تساكن أسرتين متعددتا الأفراد فيه. وبالنظر لنمط العيش والتقاليد السائدين فيه. وكانت ترى في مكوناته تشابها مع الوسط الحريمي الذي تحكي عنه الرائعة المرحومة فاطمة المرنيسـي في أكثر من مؤلف، علما بأن والدها لم تكن له إلا زوجة واحدة. عن اسمها الشخصي تروي بأن الأسرة كان لها اختيارين، حـبيــبة أو حكيمة. وهي مسرورة لأن كفة حكيمة رجحت. وكأن هذا الاسم كان إرهاصا بأنها ستصبح طبيبة.

في هذا البيت الكبير المحافظ جدا، ترعرعت الحكيمة وهي تعاين الحيف الذي تتعرض له الإناث من طرف العائلة، كما في الوسط بصفة عامة، مقارنة بالذكور، والاهتمام الغير المبرر الذي يحظى به هؤلاء على حساب الإناث. ومن بين مظاهر هذا الحيف الذي لم تستطع أن تهضمه، هو الوقوف في وجه تعليم البنات، رغم أن والدها كان التعليم بالنسبة له موضوعا مقدسا. فالبنات لم يكن يرسلن إلى المدرسة إلا نادرا. وغالبا ما كن لا يتجاوزن الشهادة الابتدائية ليعدن بعدها إلى البيت من أجل تعلم وإتقان الاشغال المنزلية وانتظار العريس الذي لم يكن يتأخر. فقد كانت البنات يتزوجن، على العموم، في سن ما بين خمسة عشر وستة عشر، كما هو حال الأخت الكبرى للحكيمة.

الحكيمة، وهي طفلة، لا تعرف حتى الآن من أين أتت بكل تلك الجرأة وروح التحدي، -ما اعتبر في حينه نوع من “الضسارة”، لتقف في وجه الأسرة وترفع أمامها لاآتها الثلاث: لا لعدم التمدرس، لا للزواج المبكر على حسب الدراسة، لا لعدم المساواة مع الأطفال الذكور. كم كانت سعيدة وهي تفاجأ بوالدها يقف إلى جانبها، ربما لأنه كان يرى فيها ذاك الولد المشاكس الذي كان ينتظره ولم يأتي، أو لأنها ربما نجحت في إقناعه بأنه لن يندم على أنه رزق ببنت، وبأن الأبناء الذكور ليسوا بالضرورة أفضل من البنات، وبأن المرأة يمكن أن تنجح في ميادين ينشط فيها الرجال عادة. أضف إلى ذلك، أنها كثيرا ما كانت تحتج عندما كان يُطلَبُ منها أن تقوم ببعض الأشغال المنزلية دون أخيها، أو أن يطلب منها أن تقوم بخدمته.

تروي الحكيمة بأنها كانت منبهرة بالمرحومة ثريا الشاوي. تلك الشابة النابغة، التي ولجت ميدان سياقة الطائرات، الذي كان حكرا على الرجال، في سن مبكرة، واستطاعت أن تبرع فيه ابتداء من سن الخامسة عشر. تجدر الإشارة إلى أن ثريا الشاوي-الشابة المتعددة المواهب-ولدت سنة 1936 بفاس، وتم اغتيالها بالدار البيضاء سنة 1956، وهي في ريعان شبابها، دون أن يتم أبدا الكشف عن دوافع تصفيتها أو عن الفاعل. ثريا، التي تم استقبالها من طرف المغفور له السلطان محمد الخامس، والتي تحولت لرمز وطني وحلم لكل الأمهات المغربيات آنذاك، صارت قدوة بالنسبة للطفلة حكيمة التي قررت أن تحذو حذوها في المستقبل، وذلك:

-بأن تتخصص في ميدان مهني ذكوري بالدرجة الأولى.

-بأن تحقق إنجازا غير مسبوق من طرف أية امرأة مغربية، كما الشاوي.

واكب الوالد ابنته في دراستها، التي أمضتها في البعثة الفرنسية، إلى أن حصلت على الباكالوريا في الشعبة العلمية. تلقت الحكيمة تعليمها الابتدائي ب”مدرسة شارع باريس”، التي كانت تقع بشارع باريس بحمرية، ولم تكن الأقسام بها مختلطة. وهو ما كان يريده الوالد. أما الثانوي فب”ثانوية بويميرو” (ثانوية الأميرة لالة أمينة حاليا)، ثم “ثانوية بول فاليري”. وكانت أول فرد في العائلة يحصل على هذه الشهادة.

كان من المفروض حسب منطق وانتظارات العائلة أن تحد الحكيمة من طموحها الكبير، وأن تنقطع عن الدراسة وتستعد للزواج. ولأنه في أعراف عائلاتنا التقليدية، لا يعتبر إدلاء أي فرد من أفرادها برأي أو اقتراح تدخلا فيما لا يعنيه، هناك من رأى بأن على الحكيمة أن تلج مهنة التعليم، وهناك من اقترح أن تدرس الصيدلة. لأن ممارسة هذه المهن، مبدئيا من شأنها أن تمنحها وقتا كافيا للاعتناء مستقبلا بزوجها وبأطفالها.

من جديد انتفضت الحكيمة، وأصرت على متابعة دراستها العليا، وإمعانا في التحدي ألحت أن يكون ذلك في فرنسا، وليس المغرب. وأن يكون الاختصاص الطب ولا غيره. ذاك أن الطب كان في تلك المرحلة مهنة ذكورية بامتياز. ثم إن صفة طبيب كانت-كما كانت تلاحظ-تكسب صاحبها تقديرا واحتراما كبيرين. مرة أخرى كان الملاذ هو الوالد الذي ساير رغبتها، وإن على مضض. يمكن الجزم بأن معارك الحكيمة بدأت لكيلا تنتهي. وهي سمة طبعت أغلب فترات مسارها من بيت الأسرة إلى ساحة الحياة المهنية الطويلة.

عن قصتها مع فرنسا تحكي، بشيء من النوسطالجيا، بأن الوالد صحبة الوالدة أخذاها في سيارة الأسرة إلى فرنسا بنية التسجيل بكلية الطب بتولوز وذلك برسم السنة الجامعية 1965-1966. لكن بما أنها سبق وأن أخبرت والدها بأنها اختارت تولوز لتوفرها فيها على أصدقاء، عرج بها على مونبوليي حيث سجلت، وحيث ربما لن يكون لديها أصدقاء. في الوقت الذي كانت تتلذذ بنيلها لمرادها، كان كيان السيد الوالد يغلي وحزمة من التساؤلات تتقاذفه. لماذا قبل مسايرة ابنته؟ من وسوس له ليقوم شخصيا بإحضارها إلى فرنسا؟ كيف سيتركها وهو -الأب المحافظ-بعيدا عن الأسرة دون رقيب أو موجه؟ كيف ستنظر العائلة إلى الأمر؟ … ليضع حدا للتمزق الذي كان ينهش كيانه، اتخذ قرارا بتجاهل التسجيل والعودة بابنته الى البلد ضدا على رغبتها، ودون أن يدري بأنه فتح في وجهه باب مقاومة جديدة. الحكيمة لا تستسلم.

سجلت الحكيمة بكلية الطب بالرباط، ورغم الأجواء الجميلة والايجابية التي كانت تعم سير الدراسة والعلاقات الطلابية كما روت، فإنها لم تقم بأي مجهود لتندمج فيها لأن التحصيل بفرنسا ولا غيرها كان يسكنها. وطيلة السنة الجامعية لم تتراجع عن مطلبها الذي تحقق في نهاية المطاف. وهكذا وجدت نفسها في السنة الموالية تعود مرة ثانية إلى فرنسا، حيث سجلت بمدينة نانسي التي لم تمكث بها طويلا، إذ سرعان ما انتقلت إلى باريس. وهناك:

– وجدت نفسها في قلب أحداث “ماي 1968″، التي استمرت لحوالي شهرين، حيث عايشت الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات التي ميزتها، وكذلك القمع الذي واجهتها به الدولة الفرنسية، والنقاشات الكثيرة والمتعددة التي أثارتها، وكل ذلك كان يجد له صدى في دار المغرب وبين الطلبة المغاربة.

– التحقت في نفس السنة (1968) بحزب التحرر والاشتراكية الذي أسس، في بداية 1968، على أنقاض الحزب الشيوعي المغربي. وقد تزامن هذا التأسيس مع انشقاق مجموعة من أعضائه عن التنظيم وتأسيسهم لحركة إلى الأمام (النهج الديمقراطي حاليا)، وقد كانت الحكيمة، الحديثة الالتحاق بالتنظيم، ضمن المجموعة المنشقة. حزب التحرر والاشتراكية سيصبح في سنة 1974 حزب التقدم والاشتراكية.

هذه المرحلة التي مارست فيها العمل السياسي بشكل مباشر تعتبرها على العموم تجربة إيجابية ومفيدة، رغم قصر المدة. ذاك أن ميدان الطب سينتزعها من ميدان الفعل السياسي المباشر ليلقي بها فيما بعد في مضمار مواجهات ومعارك لا تنتهي، يمتزج فيها الحقوقي بالاجتماعي بالطبي بالإنساني …. وبقوة الأشياء ستجد نفسها غير ما مرة في نفس الخندق مع أصدقاءها ورفاقها القدامى.

أخذها لمسافة مع العمل السياسي المباشر فرضته ضرورة الاستعداد لمباراة ولوج “سلك الأطباء الداخليين بباريس”. عن هذه المباراة تقول بأنها جد صعبة وقد تطلب منها اجتيازها مجهودا جبارا دام سنتين بن 1971 و1973. تذكر بأن عدد المترشحين كان حوالي 2500 فرد لأجل حوالي 200 منصب. وهي مناصب لا تطالها إلا النخبة من العناصر المتميزة. وفعلا كانت الحكيمة من الناجحين بجدارة. وهكذا حققت حلمها الطفولي بأن أصبحت، إلى جانب زميلة مغربية أخرى (المرحومة ميا بلافريج)، أول مغربية تصبح داخلية بمستشفيات فرنسا. من هناك بدأ مسار طبي مهني وعلمي ناجح دام عدة سنوات في تخصص الأمراض المعدية والإنعاش.

في سنه 1981 قررت الحكيمة العودة إلى البلد. عن هذه العودة تقول بان زوجها المستقبلي، المهندس الزراعي محمد غلاب، شجعها عليها. أضف إلى ذلك، أنها تنتمي إلى جيل جل أفراده مسكونون بالوطن، جيل تمرس في الخارج، وكان يعتقد بأن البلد ينتظره بشوق وبأنه في حاجة ماسة إليه وإلى كفاءته وتجربته. لكن الاستقبال كان يوحي بأن المتمسكين بكراسي المسؤوليات كان لهم راي آخر، فقد كانوا ينظرون بعين الريبة إلى السير الذاتية الرفيعة للعائدين، ربما كانوا يتمنون لو أنهم لبثوا حيث درسوا وتكونوا.

كان بإمكانها تغليب أنانيتها والانخراط في القطاع الخاص، لكنها لم تفعل، وأصرت على العمل بالقطاع العام. فقد كانت تعتبر العمل بهذا القطاع فرعا من النضال. بعد عناء كبير تم قبولها كأستاذة محاضرة بكلية الطب بالدار البيضاء. وكانت الى جانب وزير الصحة السابق، المرحوم عبد الرحيم الهاروشي، آخر طبيبين داخليين من مستشفيات باريس ألحقا بهيأة التدريس بالكلية المذكورة. بموازاة مع ذلك عينت رئيسة لقسم الأمراض المعدية بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد في الدار البيضاء. عن هذ الجناح الذي يأوي هذا القسم، تحكي بمرارة بأنها حين تسلمته، كان عبارة عن حجرتين كبيرتين، تنعدم فيهما أدنى الشروط المهنية والإنسانية للتطبيب والعناية بالمرضى (غياب الأدوية، أفرشة متسخة وغير كافية، انعدام الأجهزة الطبية …). وكم مرة عادت إلى منزلها باكية لأن مريضا توفي في مصلحتها دون القدرة على إنقاذه بفعل انعدام الإمكانيات. أمام هذه الوضعية المزرية لم تستسلم ولم تبحث عن حل ذاتي بعيدا عن الصحة العمومية ومرضى الطبقات الشعبية، بل صمدت وحاربت هي وطلبتها. طرقوا أبوابا عديدة بحثا عن تمويلات وإعانات وهو ما تأتى لهم إلى أن كونوا جناحا عصريا مجهزا يوفر الظروف القمينة بممارسة طبية في المستوى. وحين غادرت الوظيفة العمومية، سنة 2010، بسبب الإحالة على التقاعد، تركت وراءها مصلحة جيدة التنظيم والتجهيز.

عن قصتها مع السيدا وسر اهتمامها الكبير بها، تقول بأن اهتمامها بها في الأساس تعتبره فعلا نضاليا. فهذه العلة تستشري أساسا في أوساط الفقراء، والفئات الدنيا التي لا تتمتع بكامل حقوقها، وكذا الأشخاص “المنبوذين” اجتماعيا… وهذه الشرائح من المجتمع-حسب الحكيمة-تفتقد الإمكانيات المادية والمعرفية، ويلزم حمايتها والوقوف بجانبها، توجيها وتوعية ومتابعة علاجية. من هنا انبثقت فكرة تأسيس “جمعية محاربة السيدا” التي كانت وراءها، وتبناها معها العديد من الأشخاص والفعاليات. لكن تأسيس جمعية من هذا الصنف-المرتبط في ذهن الأغلبية الساحقة بطابو الجنس والفساد الأخلاقي-لم يكن بالشيء اليسير خاصة أيام القبضة الحديدية للمرحوم ادريس البصري. رفضت وزارة الداخلية رفضا قاطعا الترخيص للجمعية بدعوى:

-أن عدد المصابين بالفيروس شبه منعدم.

-أن الاشتغال الجمعوي على موضوع السيدا غير مستحب، لأن ذلك ستكون له انعكاسات سلبية كبيرة على القطاع السياحي، ومن خلاله على الاقتصاد الوطني.

بعد تماطل استمر عدة شهور، ونتيجة للضغوطات التي مارستها منظمات المجتمع المدني، بفعل الحركية الكبيرة التي كان يعرفها آنذاك، والتي كانت تؤشر لنهاية سنوات الرصاص، وبفعل استمرار إلحاح الحكيمة وفريقها، اضطرت وزارة الداخلية سنة 1988 للاعتراف ب”جمعية محاربة السيدا”. وكانت بذلك أول جمعية وأهمها على الاطلاق في المنطقة والعالم العربي. بعد 30 سنة من الجهد الدؤوب والمثمر مررت المشعل لابن الجمعية البروفيسور مهدي القرقوري. عن هذه المرحلة تذكر الحكيمة: بأنه لم يكن أحد ليجرؤ على المراهنة على المشروع. لكن بعد 30 عاما وبفضل العمل الرائع الذي قام به جميع النشطاء وتعاونهم الممتاز فيما بينهم ومؤازرة وزارة الصحة والشراكات العديدة التي أقاموها محليا ودوليا، تم إحراز تقدم مبهر في الوقاية والتشخيص والوصول إلى العلاج. ساهمت الجمعية في تحول فيروس فقدان المناعة المكتسبة من مرض قاتل إلى مرض مزمن يمكن علاجه. وأصبح في إمكان المصابين الاستمرار في بلورة مشاريعهم الحياتية بمواكبة من الجمعية. يحسب للجمعية أنها ربطت حربها للفيروس بحقوق الانسان، خاصة الحق في الصحة (استطاعت الحصول على تخفيضات كبيرة في أثمنة الأدوية، أحدثت وحدات متنقلة للفحص الميداني، فرضت علاج الحاملين للفيروس كمرضى عاديين ودون تشهير بهوياتهم …) ، وقد كان لتدخلها المبكر والمستمر الأثر الكبير في الحد من انتشار المرض…

في سنة 1996، وبعد قضية تأسيس الجمعية، ستجد الحكيمة نفسها من جديد في مواجهة وزارة الداخلية. وكان ذلك بمناسبة الحملة التطهيرية التي أفرزت قضية الصيدلي منصف بنعبد الرازق. “للتذكير هذه الحملة التي قررها المغفور له الملك الحسن الثاني، كان الهدف منها نظريا هو محاربة رجال الأعمال المخادعين، وتطهير البلد من الفساد الذي استشرى لسنين عديدة في كل مناحي الأنشطة الاقتصادية وقادها نحو أزمة كبيرة، كان من أبرز عناوينها تغول التهريب والتملص الضريبي، أزمة لم تنل من حدتها مختلف الإجراءات الإدارية والزجرية التي سنتها الدولة على طول سنتي 1994 و1995. الحملة التي قادها الرجل القوي المرحوم ادريس البصري عوض الوزير الأول عبد اللطيف الفيلالي، كانت كل شيء إلا حملة لتصحيح الأوضاع الاقتصادية وتطهير البلد، فقد تميزت بشطط كبير وعرفت خرقا سافرا للقوانين واعتقالات ومحاكمات عشوائية. وقد واجهت معارضة كبيرة وانتقادات من خارج الحكومة وحتى من داخلها”. وقد أحدثت إحراجا كبيرا لمن ساندوها في البداية والذين كان ضمنهم يساريون.

وزارة الداخلية لم تهتم بالانتقادات التي وجهت لها ولا بالنداءات المختلفة، إلى أن طفا على السطح ملف الصيدلي منصف بنعبد الرازق الذي كان له وقع القنبلة وطنيا. هذا الأخير اتهم باطلا باستيراده لعينات من مادة «الغاماغلوبيلين» ملوثة بفيروس السيدا والتهاب الكبد، وحكم عليه بالسجن بسببها. هذه القضية المختلقة أثارت غضب الحكيمة (عضو المجلس الاستشاري لمكافحة السيدا بمنظمة الصحة العالمية)، ومعها مكناسية أخرى، المرحومة نفيسة بنشمسي (مسؤولة أمراض الدم بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد آنذاك). الدكتورتان أوضحتا، في لقاء تلفزي على شاشة القناة الثانية، بأن عينات الدم المستوردة سليمة وأن تلوثهما مستحيل. ونددتا باعتقال الصيدلي بنعبد الرازق وطالبتا بتبرئة. هذا الموقف الجريء، في قضية بعينيها -ربما أريد لها أن تكون مثالا لمن يهمه الأمر- من طرف السيدتين جر عليهما سخطا كبيرا من طرف وزير الصحة الذي نعتهما بالغير المسؤولتين والغير متحضرتين. ورأى في كلامهما تجاوزا غير مقبول. وهو ما دفعهما لرفع دعوى ضد وزارة الصحة، لكنها بالطبع لم تأت بنتيجة. وكانت هذه الحادثة أهم عنصر طبع العملية وشكلت بالفعل تحديا شجاعا للحكومة، وتشكيكا مباشرا في أهداف الحملة. هذا الحدث جعل الكثيرين ممن أيدوا الحملة يراجعون مواقفهم. وقد تحول موقف الطبيبتين في بعض الأوساط إلى مادة تنكيتيه، حيث انتشرت، على سبيل الدعابة، عبارة “كاين غير جوج رجال في المغرب نفيسة وحكيمة “.

ذكريات الحكيمة كثيرة ومتعددة. تروي بعضا منها، تارة ببهجة وأخرى بأسى:

-في طريقها الى المدرسة بصحبة والدها وهي طفلة، كانا يمران بجانب سيارة عصرية زرقاء مفتوحة السطح، في ملكية محامية يهودية مغربية. وكان الوالد يقول لها، عليك أن تدرسي بجد لتصبحي مثل هذه السيدة. وفعلا، تقول درست بجد، ولكنني لم أصبح محامية وإنما طبيبة.

-بعلاقة بتمردها على القيام بأشغال البيت، كما ذكر سابقا. أجبرت يوما على إعداد الشاي لأخيها البكر. ولكيلا يطلب منها هذا الأمر مرة ثانية، أعدت له الشاي بما ء دافئ.

-عن علاقتها بوالدتها تقول بأنها كانت جد رائعة. كانت الأم فخورة بابنتها المجتهدة. وكان اعتزازها بها ينمو بتواز مع تسلق ابنتها للمراتب العلمية والمهنية وتوالي نجاحاتها محليا ودوليا. من المواقف التي ما زالت تتذكرها، وهما يحضران معا مناسبة عائلية، أن أمها خاطبتها قائلة، وقد لاحظت بأن المدعوات يضعن حليا ومجوهرات على خلاف ابنتها التي كانت حاضرة بدون، لست في حاجة لجواهر، أنت تاجك هو علمك. علما بأن الحكيمة لم تكن تعير اهتماما لهذه الأشياء.

-عن الرفاق في فرنسا أيام الدراسة الجامعية، تروي بأنهم، رغم يساريتهم وثوريتهم المعلنة، كانوا ذووا عقلية ذكورية بامتياز. وكانوا يتعاملون مع العنصر الحزبـي النسوي بدونية. وهذا السلوك كان يزعجها.

-تذكر باعتزاز كطالبة مناضلة في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، مشاركتها الى جانب الطلبة المغاربة في دروس محو الأمية التي كانوا يقومون بها لصالح العمال المغاربة الأميين بفرنسا.

– تتأسف كثيرا لتغييب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب واندثار دوره في التكوين والتأطير الطلابي. وتعتقد بأن المغرب أضاع مدرسة كبيرة تخرجت منها العديد من الكفاءات الوطنية.

-في سنة 1977 أتت إلى المغرب بنية البحث عن عمل والاستقرار المهني والاجتماعي. لكن الاستقبال المحبط والتعامل اللامسؤول أجبراها، بعد مدة قصيرة، على العودة إلى فرنسا حيث ظروف العمل جيدة والتعامل الإنساني سائد بين المهنيين والمرضى.

-لم تنس كيف كان بعض الناس ينظرون إليها بدهشة كبيرة وهي تصافح وتعانق وتقبل مرضاها من المصابين بالسيدا، في مرحلة كان الكثيرون يتعاملون مع هذا المرض كوباء وينبذون الحاملين له.

-تستعيد ببهجة الوقع الإيجابي للحملات التوعوية والإعلامية على نفوس المغاربة وتحفيزهم على التبرعات المادية لصالح جمعية محاربة السيدا. وخاصة برامج «السيدا بالواضح” و “سيداكسيون المغرب” التي تقدم على شاشة القناة الثانية. في علاقة مع الموضوع الإعلامي، تتذكر بدعابة بأنها كسيدة كانت أول ضيفة على

الحلقة الأولى من برنامج على نفس القناة:

L’HOMME EN QUESTION

-تؤكد بأن جلالة الملك محمد السادس لعب دورا محوريا في مساندة معركة محاربة السيدا. في هذا الصدد تحيل على خطابات المغرب في دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى مصافحة الملك، سنة 2002، لأحد مرضى السيدا بمناسبة تدشين “مستشفى نهاري” (مؤسسة للعلاجات النهارية)، بنته الجمعية، وقامت بتجهيزه بالكامل مؤسسة محمد الخامس للتضامن التي يرأسها الملك. التدشين، والمصافحة التي نشرت صورتها على نطاق واسع محليا ودوليا، كانا بمثابة اعتراف سامي بعمل الحكيمة وفريقها، ورسالة ملكية مباشرة للمشككين في جدية وجهود الجمعية. بعد هذا الحدث تراجعت اللامبالاة بأنشطة الجمعية، وتبددت كل العراقيل التي كانت توضع في طريق أنشطتها من طرف العديد من الوزارات والإدارات والمؤسسات.

الحكيمة، الأم لولدين، هما حاليا رجلان يعملان في قطاعات بعيدة عن الطب، تقلدت عدة مناصب ومسؤوليات وطنيا ودوليا، نذكر منها:

– عضو المجلس الاستشاري لمكافحة السيدا بمنظمة الصحة العالمية

-رئيسة جمعية محاربة السيدا بالمغرب (حاليا عضو دائم بمكتبها الوطني بصفتها مؤسسة لها)

-عضو المجلس الإداري لمؤسسة محمد الخامس للتضامن

-رئيسة الائتلاف العالمي لمحاربة السيدا الذي يضم في عضويته 16جمعية مهمة لمكافحة السيدا من 52 دولة من القارات الخمس، وتنشط عبر 6 منصات إقليمية تتكون من أزيد من 120 جمعية.

-عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

-عضو لجنة النموذج التنموي الجديد.

تقديرا لمجهوداتها وشحت الحكيمة:

-في المغرب بالوسام العلوي ،

-في فرنسا بوسام جوقة الشرف، وبالميدالية الكبرى لفرماي من طرف “مؤسسة الفنون-العلوم-الآداب”.

بعد تقاعدها لم تستكن الحكيمة للراحة، بل واصلت أنشطتها بنفس الوتيرة في كل الأجهزة التي هي عضوة فيها أو تترأسها (جمعية محاربة السيدا، الائتلاف العالمي لمحاربة السيدا، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، لجنة النموذج التنموي……)

 

أحيي البروفيسور الحكيمة حميش حكيمة على تجاوبها معنا، وعلى إيلائها الاهتمام اللازم لطلبنا رغم انشغالاتها المتعددة وظروف أسرتها الاستثنائية. لها منا كامل التقدير والاحترام.

 

الرباط في 28 مارس 2021

 

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً