المساحات الفارغة وجماليات الهايكو

حسني التهامي*
يتمتع الهايكو دون غيره من الأشكال الفنية بخصائص وجماليات يعرفها الكثيرون من كتّاب وقرّاء الهايكو النوعيين، ونحن بصدد معرفة تلك السمات، وغاية ذلك هو توسيع وعينا بالهايكو، وتشكيل رؤى ذاتية جديدة تنطلق من إيماننا بأنّ الهايكو ليس شيئا جامدا أو قواعد صلبة لا تسعى إلى الارتقاء بتجاربنا في هذا الفن المدهش الفاتن. وأكاد أجزم أن باشو لم تكن غايته في كتاباته وضع صنم يضعه في محراب فنه ويمتثل لإملاءاته المتحجرة التي ثار باشو عليها في الأساس، وانطلق يكتب بروح فنان يمتلك هشاشة الروح تجاه العالم، وبصيرة ترفض التقليد واللغة المجازية التي تذهب بالهوكو بعيدا عن جمال الفن الحقيقي، وهو ما أسماه بـ”الذات الأبدية”، الشعر. (الطريق الضيق إلى أقاصي الشمال – باشو – ترجمة حسني التهامي)
يؤكّد أونيتسورا، أن الهايكو يجب أن يكون صادقًا، ونابعا عن تجربة حقيقية أو رؤية أصيلة، وليس زخرفا لغويا، بل تجلٍّيا للحظة جمالية مشعّة تتماهى من خلالها الذات الشاعرة مع الأشياء من حولها. كما يؤكد باشو أن الهايكو الإبداعي يتأتى حين يتحقق الصدق الفني “ماكوتو”، وهو غاية الفن. يقول باشو “إذا أردت أن تتعرف على الصنوبر، فاذهب إليه”، وهذا يشير إلى أهمية أن يلج الشاعر إلى داخل الأشياء من والوقوف على جوهرها الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، يكمن الجمال الحقيقي في الهايكو من أنساقه المضمرة التي تركز على البُنى العميقة والخطابات الخفية التي تتوارى خلف بساطة الصورة الشعرية وتكثيفها. فعلى الرغم من أن قصيدة الهايكو تتسم بالقِصر والاقتصاد اللغوي، فإنها تنطوي على شبكة من الدلالات الثقافية والفلسفية والوجودية التي تعمل كـ”نصوص تحتية” تُشكّل المعنى وتوجّهه. لا يقول الهايكو كل شيء، لكنه يومئ إلى الكثير. والأنساق المضمرة فيه لا تنفصل عن السياقات الثقافية والتاريخية التي أُنتج فيها، لكنها أيضًا تتجدد ويُعاد قراءتها كل مرة بحسب التجربة القارئة. فهو شعرُ ما لا يُقال، وما يتجلّى خلف الحضور المقتضب للكلمات.
تعدّ المساحة البيضاء هي طاقة شعرية كامنة، وتوترها يعدّ مكرا جماليا يدعونا للإنصات الكامل والمتمعن لما لم تقله الكلمات. وتلعب المساحة البيضاء في قصيدة الهايكو دورًا جوهريًا في توليد توتر جمالي خفي، يحمل دلالات محمّلة بالإيحاء والدهشة، تثير القارئ وتستدرجه إلى المشاركة في إنتاج المعنى، كما تولّد حالة من الترقّب أو القلق الجمالي، حيث لا يقول النصّ كل شيء، ويُترك ما هو جوهري للقارئ كي يستشفّه عبر الإيماءة أو الحذف. تمثّل المساحات الفارغة ذلك “الحيّز الصامت” الذي يُراهن عليه الهايكو ليقول أكثر مما تقدمه اللغة، فهو نص بلا لغة. يقول “ماسوكا شيكي” : “الهايكو لا يشرح، بل يلمح”، وهذا ما يتيح للغة أن تتنفس، فتخلق فجوة بين الصور، الشيء الذي يفضي إلى الإدراك والدهشة، ويولّد فراغا مشحونا بالإيحاء.
ومن خلال هذا الصمت البنائي، يُخلق نوع من التوتر التأملي بين عناصر النص، سواء عبر خاصية التجاور: (القطع بين صورتين متباعدتين)، أو عبر المفارقة بين الحركة والانفعال، أو من خلال الحذف المتعمّد للسبب أو الانطباع الذين تعبر عنهما اللغة فتفضحان النص ويذهبان بعمقه ودهشته.
لنتأمّل نص الهايجن الهندي “رام كريشنا سينغ” Ram Krishna Singh) ):
إخفاء المشيب
معجون الحناء والقهوة
يخضّب أطراف الأصابع
hiding white hair
henna and coffee paste
stained fingertips
(هايكو مصر)
يتولد التوتر الجمالي في هذا الهايكو من عدّة مستويات متشابكة، تعمل فيها المساحة البيضاء، والتضاد بين الظاهر والخفي، والإيماء، على خلق شعور داخلي بالغموض والحنين معًا. فالعبارة الأولى ” إخفاء الشيب” تطلق شرارة هذا التوتر، وتفضح إحساسا وقلقا داخليا بعنصر الزمن، من خلال ظاهر الفعل ودوافعه غير المرئية. وبين الشطر الأول والشطرين التاليين، تتولد مساحة فارغة أو “فجوة صامتة”، تشبه كلمة القطع (kireji) في الهايكو الياباني، التي تُحدث تحوّلاً من الحسي إلى المجرّد.
ينبثق التوتر الجمالي من “الانزياح غير المتوقع” في المشهد: لم يركّز الهايجن في نصّه على الرأس، إنما كانت الأطراف هي بؤرة الضوء. وبهذا انتقل من تأثير عامل الزمن على الجسد، إلى الأثر النفسي الذي يحاول أن يواريه فعل الحّناء. تمثّل الحناء والقهوة – مادتين طبيعيتين، مأخوذتين من الفلكلور الشعبي كأداتين للتجميل -لكنهما تحملان في ذات الوقت – ذاكرة، وحنينا إلى الماضي. في هذه الصورة المركبة يتقاطع:
- الجمال ← مع الزوال (وهنا تقليد السابي – الوابي كأحد جماليات الهايكو التقليدي)
- الزينة ← مع القلق الداخلي
وهذا التراكب هو ما يصنع التوتر الجمالي: فالصورة بسيطة، لكن إحساس القارئ بها مشحون بالزمن والذات.
التوتر الزمني بين اللحظة الآنية والهاربة :
يظهر التوتّر الزمني في نصٍّ الهايجن المصري حمدي إسماعيل، من خلال لحظات يتقاطع فيها الحاضر مع الذاكرة، أو يتحوّل فيها الزمن إلى عنصر غامض، يُحفّز التأمّل ويُفسِح المجال لذهنية القارئ .والانفتاح على النص:
في المترو
الأحداث الجارية
بصيغة الماضي
يكشف هذا النص عن توتّر زمني يتولّد من مفارقة لغوية صادمة: إذ كيف تُسرد “الأحداث الجارية” -بطبيعتها الفورية – بصيغة الماضي؟ هذا الانزياح البسيط في اللغة يُحدث فجوة إدراكية، تدفع القارئ للتوقّف عند العلاقة المربكة بين فورية الحدث والعودة به إلى الماضي. لم يعد المترو هنا مجرّد فضاء حسيّ للانتقال السريع، لكنّه يتحوّل إلى رمز لزمنٍ متفلت، إلى محطة وجودية يتناوب فيها الركّاب على سرد وقائعهم اليومية، على شكل لحظة تتبدّد بانتهاء الثرثرة أو بمغادرة المكان.
هنا تفقد اللحظة قيمتها الإدراكية، ويتنامى إحساس خفي بأن الزمن ينسرب من بين أيدينا، وكأننا لا نقوم فقط بروي الأحداث دون أن نعيشها. بهذا المعنى، يكشف النص حالة الاغتراب والقلق الحديثة، حيث يتحوّل “الآن” إلى لحظة هاربة، ويفضي الفعل اليومي إلى أثرٍ زائل. وما يُثيره هذا النص هو القلق الوجودي الأعمق، جوهر الشعور بأن ما يحدث في حياتنا ليس سوى صدى يتردّد في الذاكرة. ويكتمل هذا التوتّر حين نلحظ الفراغات المتعدّدة داخل النص: حيث لا نلمح أشخاصا، أو تفاصيل. يفتح الاقتصاد اللغوي الصارم فجوة دلالية واسعة، تعكس العلاقة بين الإدراك الآني واللحظة الهاربة.
التوتر الوجودي
وفي نص الهايجن العراقي حميد العادلي
يتعمّق الانكسار الوجودي، وتتجلّى عبثية الحياة في أكثر صورها تجاهلا وقسوة:
القطة العالقة
يسحبها الوحل
بعيدًا عن المواء!
يتشكل التوتر الجمالي في هذا النص المختزل في حضرة الفعل الدرامي الصامت، فالقطة العالقة يسحبها الوحل، وهي بالقطع حاولت النجاة كردة فعل غريزية لدى الكائنات. هنا يعكس حركة الوحل كتجسيد لقوة الطبيعة الجارفة الفعل “يسحب”، فيما توحي عبارة “بعيدا عن المواء” بالموت التدريجي للكائن. يترك لنا الهايكو هنا مساحة للتأمل حين نستبطن شعورا بالعجز تجاه هذا الكائن الذي لم يشعر به أحد، وبقسوة هذا العالم الذي لا يعبأ بالكائنات المهمشة الضعيفة . كما ينشأ التوتر الجمالي في النص من خلال الفراغ المتعمّد، وغياب التفاصيل، مما يترك للقارئ، مساحة للتخيل وملـء الفراغات.
يتميز النص ببنية وإيقاع لافتين: فالحدث يتسم بالتدرج أو التصعيد الدرامي، حيث تتلاحق الصور: قطة عالقة / يسحبها الطين / غياب الصوت. ينجح الهايجن في زيادة حدة التوتر في المقطع الأخير الذي يحمل وقعا عاطفيا مؤثرا لدى القارئ بما يؤول إليه وضع هذا الكائن الهشّ المقبل على الفناء.
***
هكذا ينشا التوتر الجمالي في النصوص التي وردت في الأساس من المساحات الفارغة التي من خلالها يوضع حدّ للغة كي لا تبوح بكل شيء. فالمساحات الفارغة هي قلب البنية الشعرية التي تمنح النص طاقته التأملية ودهشته المتجددة. في بنية الهايكو التي تعتمد على خاصية التجاور ينشأ فراغ دقيق بين صورتين، أو بين كلمة وصداها، فيتكوَّن وعي جمالي يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء التجربة الشعرية، ليصبح الفراغ ذاته جزءًا من النسيج الدلالي للنص. فالهايكو، بما يتأسّس عليه من اختزال وتلميح، يمنح للبياض المحيط بالكلمات قيمةً موازية للكلمة ذاتها.
شاعر وناقد من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي