الرئيسية / الأعداد / العدد السبعون / أسماء ووجوه / بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الرابع)

بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الرابع)

أسماء ووجـــــوه

بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الرابع)

الحَسَن الگامَح*

 

قيل لي: من هو الحاج محمد الحوزي أوسامة رحمه الله …؟؟ وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.

4. الحاضر: العودة إلى الذات والزهد والقرآن والرحيل

في غرفته التي باتت وحيدة بعد رحيل رفيقة دربه، يجد الحاج محمد الحوزي أوسامة الزاهد عزاءه في القرآن الكريم. صوته المفعم بالحزن يصدح بالآيات، ناقلاً إياه إلى عوالم أخرى، بعيداً عن واقع الفراق الأليم. فبين آلام الحاضر وذكريات الماضي، يجد قلبه سكينة في ذكر الله وتلاوة القرآن والغوص في الكتب الدينية.

يأخذه التأمل إلى رحلة روحانية فريدة، حيث يستحضر مشاهد الحج والعمرة في ذهنه وكأنه يعيشها من جديد. يرى نفسه يطوف حول الكعبة المشرفة دون أن يكترث للزحام، ويصلي في المقام، ويتبرك بلمس الحجر الأسود. تتوالى في مخيلته مشاهد الحج، فيمشي بين الصفا والمروة متذكرًا قصة السيدة هاجر، ويتأمل في قصة بناء الكعبة على يد خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.

هذه الرحلة الداخلية تعكس عمق إيمانه وشوقه الدائم لأقدس بقاع الأرض. فبعد أن كان لا ينقطع عن زيارتها سنويًا، إما لأداء فريضة الحج أو العمرة، أصبح جسده المتعب لا يقوى على السفر. ومع كل ذكرى تستحضرها روحه، تترقرق عيناه بالدموع التي تبلل لحيته البيضاء، شاهدة على حب وشوق لا يزولان.

لقد غير المرض جسده، فمنعه من الحراك، ولم يعد ذلك الشيخ الذي تسكت الألسن عند حضوره أو نطقه، أو ذاك الذي تجتمع حوله الحلقات في البيت أو المسجد. لم يعد يزلزل السوق بكلامه الحكيم رغم جسده الضعيف، رغم أن الأبناء والأحفاد يزورونه كما في السابق للتبرك بوجوده. ومع ذلك، لم يتبدل إيمانه ولم يتغير حبه لله.

فكلما غابت عنه أصوات الأهل والأحباب، لجأ إلى كتاب الله، فهو رفيق دربه الذي لا يغيب، وصديقه الذي لا يمل، ومنبع حكمته الذي لا ينضب. فمع كل آية يتلوها، ومع كل كلمة يتدبرها، يجد في نفسه قوة وإيمانًا يملآن عليه وحدته ويهونان عليه غربته في هذه الحياة.

بعد كل تلك المسيرة الحافلة، وبعد أن عاش حياة مليئة بالصبر والجهاد، جاء وقت الرحيل للقاء ربه الكريم. في ساعات الصباح الباكرة، ومع صوت الأذان، أسلم الحاج محمد الحوزي أسامة الزاهد روحه راضيًا مرضيًا، تاركًا خلفه سيرة عطرة وذكرًا لا يُنسى.

ورغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا، والتي كانت تمنع التجمعات، إلا أن حب الناس له كان أقوى من أي قيود. فقد توافد الأبناء والأحفاد والأقارب من كل مكان، وانضم إليهم أصدقاؤه ومعارفه الكثر، ليودعوه في جنازة مهيبة. اكتظت مقبرة باب أغمات بالمودعين الذين جاءوا ليلقوا نظرة الوداع الأخيرة على رجل طالما كان رمزًا للصلابة والإيمان. كانت جنازته انعكاسًا لما زرعه في حياته من محبة واحترام في قلوب من عرفوه، فغادر الدنيا بسلام، تاركًا بصمته في قلوب الأجيال التي ستتذكره دائمًا.

فتحية إلى روحه الزكية الطيبة الطاهرة من القلب إلى القلبِ…

وسلاما لروحه سلاما… يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.

شاعر من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً