أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / العدد التاسع والستون / أسماء ووجوه / بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الثالث)

بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الثالث)

أسماء ووجـــــوه

بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الثالث)

الحَسَن الگامَح*

 

قيل لي: من هو الحاج محمد الحوزي أوسامة رحمه الله …؟؟ وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.التجارة بعد الانتقال إلى مراكش

وبعد فترة من الزمن، لم تعد جمعة سحيم التي لطالما عرفت بهدوئها وسكينتها قادرة على احتواء طموحه المتنامي، فشدّ رحاله نحو مدينة مراكش، حاضرة النخيل، حيث الصخب والأسواق النابضة بالحياة، ليغوص في أعماق التجارة.

كانت حياته الجديدة في مراكش، التي ترك من أجلها هدوء قريته، محفوفة بالصعوبات والتحديات. لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، بل كان صراعًا دائمًا بين رغبته في تحقيق النجاح التجاري وتمسكه بقيمه الدينية. ففي خضم هذا المعترك، واجه معارك ومحنًا لا حصر لها، لكنه لم يستسلم. بقي ثابتًا وصامدًا، يستمد قوته وعزيمته من إيمانه العميق بالله.

في بداية مسيرته، كانت معاناته كبيرة. فقد حمل أثقالاً ثقيلة من الجلابيب والبرنس الصوفية أكثرها كانت من صنع رفيقة الدرب، جاب بها الأسواق القروية، حيث قوبل بالصد والرفض في كثير من الأحيان. لكن هذه الانتكاسات لم تُضعف من عزيمته، بل كانت دافعًا له لتغيير استراتيجيته. فاشترى دكانه الأول في السمارين، وحوّل وجهة تجارته من الأسواق القروية إلى المدن الكبرى القريبة منها، ثم توسع ليشمل المدن البعيدة.

لقد تنوعت تجارته لتشمل بيع وشراء الزرابي المغربية، تلك التحف الفنية التي تحمل في طياتها قصصًا من التراث الأمازيغي الأصيل، بالإضافة إلى الزرابي الرباطية ذات النقوش الأنيقة. وإلى جانب ذلك، استمر في تجارة الألبسة التقليدية من الجلابيب والبرانس. ورغم كل هذه التحديات، لم يعرف اليأس طريقه إلى قلبه، فاجتهد وثابر حتى كافأه الله على صبره وجهده ورزقه خيرًا وفيرًا.

تنقّل من بيت إلى بيت، حتى استقر أخيرًا في رياض بحارة الصورة، وهي منطقة قريبة من السمارين، حيث يقع مقر تجارته، ليكون قريبًا من مصدر رزقه. هناك، أكرمه الله بخير وفير. لم يرزق بالمال وحده، بل بأثمن كنوز الدنيا، ثمانية أطفال: ثلاثة ذكور وخمس إناث. امتلأ بيته بالصغار وصدحت أرجاؤه بضحكاتهم البريئة، فتحول من منزل هادئ إلى عش دافئ يعج بالحياة. لقد عاهد نفسه أن يمنح أطفاله كل ما حُرم منه، فكرس حياته لتوفير أفضل تعليم ورعاية لهم. لم يبخل عليهم بأي شيء، بل وفر كل ما يحتاجون كي يكونوا أفضل منه ولا يعيشوا القساوة التي عاشها، مؤمناً بأنهم الثروة الحقيقية التي ستبقى.

في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وتحديدًا في السنة الثانية من ذلك العقد، تحقق أعظم أحلامه: زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم والطواف حول الكعبة المشرفة. هناك، في تلك الأماكن المقدسة، استسلم قلبه وروحه لخالقه، داعيًا له بالثواب العظيم والمغفرة. كانت تلك الرحلة تتويجًا لمسيرة كفاحه، فهي لم تكن مجرد رحلة، بل كانت غاية كل مؤمن، حيث يشعر العبد بقرب غير مألوف من ربه. لقد كانت تلك الزيارة بمثابة لحظة صفاء وتأمل، محطة للتزود الروحي بعد سنوات من العمل الدؤوب والمثابرة، فملأت روحه بالسكينة والطمأنينة.

فتحية إلى روحه الزكية الطيبة الطاهرة من القلب إلى القلبِ…

وسلاما لروحه سلاما… يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.

أكادير: 20 غشت 2025

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً