تطوان نفحات الأندلس: الفنيدق والمضيق بانوراما على الوقت (الجزء الرابع)

الحسَن الگامَح*
لماذا الشعر…؟
(لا شيء يختفي عن هذا الشط
مدينة مكتظة بالزوار
بين غدو ورواح، وذهاب وإيابِ
لا تنام مارتيل في المصيف
تسكر مع السكارى ليلا،
وتصلي مع المصلين فجرا
كي تستقبل المصطافين نهارا
على شطها الفسيح المعد للاستقطابِ
مارتيل لا هدوء ولا سكينة
بل شط قائم في زحام يعاني من مصيف
يحضن لمة الأحباب وطرائف الصحاب)
كلمة “مارتيل” هي في الأصل كلمة إسبانية (Martil)، ويُعتقد أن اسمها مشتق من الكلمة اللاتينية (Martilus) أو (Martius)، والتي قد تعود إلى اسم شخص أو تشير إلى وجود عسكري روماني قديم في المنطقة. بشكل عام، لا تحمل الكلمة معنىً محددًا في اللغة العربية الفصحى أو العامية، بل هي مجرد اسم علم يُطلق على هذه المدينة.
تُعدّ مدينة مارتيل إحدى أجمل المدن الساحلية في شمال المغرب، تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتشتهر بشاطئها الذي يُعدّ من أكثر الشواطئ شعبية وجاذبية في المنطقة. وتُعرف مارتيل بأجوائها الحيوية والنشطة، خصوصًا خلال فصل الصيف، حيث تتحول إلى وجهة مفضلة للعائلات والشباب على حد سواء. يمتد كورنيش مارتيل على طول الشاطئ، ويوفر مساحة رائعة للمشي وركوب الدراجات، ويضم العديد من المقاهي والمطاعم التي تقدم أشهى المأكولات، وخاصة الأطباق البحرية الطازجة. وهنا أستريح من تعب العمل السنوي، وبالذات صباحاً حين نتناول الفطور في مقهانا المفضل، ونتمشى على الكورنيش وهو يتنفس هواءه النقي قبل أن يكتظ. وأكتب ما يحلو لي من شعر في صمت جنباً إلى جنب، والجنب يستمتع بموجات البحر الخفيفة.
(هي مارتيل شط على شط
شط صباح صامت
تسمع إلا الموجات تعزف أغنية الطبيعة ارتياحا
وشط بعد الزوال مكتظ
لا موجة تسمعُ…
لا عزف ملائكي يأتي من بعيد
من عمق البحر الأبيض
ينشد ابتهالات انزياحا
هكذا يأتيني موجه
مستقيما بين أناملي قصيدة
تروض المجازات والاستعارات إفصاحا
سأمكث بين موجات مستويا على عرش الذات
أقرأ هذا المدى حلما راودني طفولة اكتساحا)
لم يكن المصيف يحلو لنا إلا في مارتيل؛ وجهتنا لعشر سنوات متتالية، حيث كنا نقضي عشرة أيام نتنقل فيها بين تطوان والمضيق والفنيدق وواد لاو. كان الوقت يمضي مسرعًا في كنف “الحاءات” التي كانت تمنح لتلك الفترة رونقها الخاص: حاء تمنحنا الراحة والطمأنينة في وجودها، وحاء هي حلمنا الأول الذي يشبه قصيدة كلما قرأتها ازددت عشقًا لها، وحاء تعشق التمرد كفكرة عصية لكنها تريح النفس وتخلق التوازن بين الحاءات الأربع.
ومن الذكريات الجميلة التي لا تُمحى من الذاكرة تناول وجبة الفطور صباحًا برفقة الجنب في مقهانا المعتاد. كان من أبرز ميزات هذا المقهى النادل ذو الشارب الأبيض، طيب الكلام، الذي كان يشع قناعة بما آتاه الله من فضل. لم يكن يوزع الطلبيات بعجلة، بل كان أشبه بمن يعزف سيمفونية من الطيبة والجمال، تمنحك حق الارتياح وهو يقدم لك ما طلبت أو يحاورك؛ لدرجة أنك كنت تشعر بالخجل والوقار تجاهه، لا لكبر سنه، بل لفرط طيبوبته.
(واقفا على عتبة المجهول
يوزع الطلبيات في عزف منفرد
مبتسما من تلقاء روحة الطيبة انشراحا
لا يبالي بالزبائن إن كثروا
وامتدوا فوق الكراسي،
بل يعطي لكل فرد وقته امتداحا)
تبقى أيام مارتيل شعرًا خالدًا أعماق الروح اكتساحا، يتردد صداه فينا كل صباح ومساء انشراحا. لقد كانت تلك الأيام لوحات فنية خطت فيها نصوص مكتوبة ليس بالحبر، بل بمداد السكينة ارتياحا، وُلدت كلها في حضنه الدافئ على شاطئ البحر. كلما حلّ موسم المصيف، تجدد في دواخلنا الشوق العارم والعهد القديم بأن نحط رحالنا إليه مجددًا اقتراحا؛ شوق امتد في حنايا الروح وتغلغل فيها، رغبة عابرة واشتياقا، اشتياق أصيل كاشتياق العاشق لوطنه إصباحا، أو ظمأ لا يرويه إلا دفء رماله وزرقة مياهه الهادئة انفتاحا، في كل زاوية من زواياه، ترك وعدًا بالعودة، وفي كل موجة، همس بحديث حميمي لا يفهمه إلا من شاركنا تلك اللحظات الفريدة التي ظلت منقوشة في القلب كوشم لا يزول، ينتظر اللحظة الموعودة ليعيش تفاصيله الساحرة من جديد أفراحا
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي