ترانيم الورق: قراءة في فلسفة الصمت والضوء عند الفنان الفوتوغرافي عبد العظيم الثغلبي

الحسَن الگامَح*
على سبيل البد:
في فضاء يفوح بعبق الورق وينبض بسكينة المعرفة، يشرع الفنان الفوتوغرافي عبد العظيم الثغلبي نافذة بصرية على عالم موازٍ يتوقف فيه الزمن لصالح الفكر والتأمل. فهذه الصورة توثيق لمكان عام أو قاعة للمطالعة، وهي نص بصري بليغ يحتفي بالطقوس الإنسانية الهادئة في زمن الصخب الرقمي. من خلال عدسة تدرك قيمة التفاصيل، ينقلنا الفنان الفوتوغرافي الثغلبي إلى جوهر العلاقة الحميمية بين الإنسان والكلمة المطبوعة، محولاً فعل القراءة الاعتيادي إلى لوحة فنية تفيض بالدلالات الرمزية والقيم الروحية، ومستنهضاً في نفوسنا تقديراً عميقاً لتلك اللحظات التي يختلي فيها المرء بذاته ليقرأ العالم من خلال ورقة وصحيفة.

التحليل الفني:
تجسد هذه اللوحة الفوتوغرافية للفنان الفوتوغرافي عبد العظيم الثغلبي مشهداً واقعياً يفيض بالسكينة، حيث يقتنص لحظة زمنية داخل فضاء معرفي ممتلئ برائحة الورق وهدوء المطالعة. تبرز القوة الفنية في هذا العمل من خلال التكوين البصري المتوازن، حيث وزع الفنان العناصر البشرية في عمق الإطار (الكادر) ليشكلوا قاعدة بصرية مستقرة، بينما جعل حوامل الصحف المعدنية في المقدمة بمثابة بوابات بصرية تمنح الصورة عمقاً ميدانياً يجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من المكان.
تعتمد الصورة على إضاءة طبيعية موزعة بنعومة، تعكس وقار المؤسسات الثقافية وتبرز التفاصيل الدقيقة للأغلفة الملونة على الرفوف الخلفية، مما يخلق تضاداً لونياً جميلاً مع الألوان الحيادية للأرضية والجدران. ومن الناحية السيميائية، يظهر السلم الحلزوني في الخلفية كعنصر يكسر حدة الخطوط المستقيمة للرفوف، مضيفاً حركة انسيابية توحي بالاستمرارية والصعود المعرفي.
تتجاوز هذه اللوحة كونها سوى توثيق لمكان، لتصبح قصيدة بصرية تحتفي بـفعل القراءة التقليدي في عصر الرقمنة. إن انغماس الرجال الثلاثة في صحفهم، وانعزال كل منهم في عالمه الخاص رغم تواجدهم في حيز واحد، يجسد مفهوم العزلة الروحية الجميلة التي تمنحها المعرفة. الحوامل المعلقة في المقدمة تظهر كأشجار مثمرة بالأخبار والأفكار، بينما تفاصيل بسيطة مثل المظلة (الشمسية) المستندة إلى الكرسي تضفي صبغة إنسانية وواقعية حميمة على المشهد، مؤكدة أن الثقافة هي طقس يومي وجزء لا يتجزأ من حياة هؤلاء الأشخاص.
بشكل عام، نجح الفنان الفوتوغرافي الثغلبي في تحويل مشهد اعتيادي إلى عمل فني يحمل أبعاداً فلسفية، تدعو المتلقي للتأمل في قيمة الوقت والهدوء في عالم متسارع.
الرسالة الفنية:
تكمن الرسالة الفنية في هذه اللوحة للفنان عبد العظيم الثغلبي في تقديم قصيدة بصرية عن صمود الورق في عصر طغت فيه الشاشات الرقمية. الفنان هنا لا يصور أشخاصا يقرؤون، بل يوثق طقساً إنسانياً يوشك على الانقراض، محولاً فعل المطالعة إلى حالة من التعبد الفكري والسكينة المعزولة عن ضجيج العالم الخارجي.
الرسالة الجوهرية للعمل تتجلى في أنسنة المعرفة؛ فوجود المظلة المتكئة على الكرسي، وانحناءة الظهور فوق الصحف، وتوزع الرجال في زوايا المكان، كلها تفاصيل تشير إلى أن الثقافة ليست نصوصاً جافة، بل هي رفيق يومي وجزء من الهوية الشخصية. الفنان أراد القول إن القراءة هي فعل حضور كامل، حيث يتحد الجسد والمكان والنص في لحظة زمنية متوقفة.
كذلك، تحمل الصورة رسالة حول الديمقراطية المعرفيية، حيث تظهر حوامل الصحف في مقدمة الكادر كأشجار مثمرة تتدلى منها الأفكار، متاحة لكل عابر سبيل، مما يعزز قيمة الفضاءات العامة كحواضن للوعي الجمعي. إنها دعوة فنية للتمهل، وتثمين الهدوء، واستعادة العلاقة الملموسة مع الكلمة المطبوعة في زمن التصفح السريع.
الرسالة الإنسانية:
تتجلى الرسالة الإنسانية في هذا العمل للفنان الفوتوغرافي عبد العظيم الثغلبي في الاحتفاء بـوقار العزلة المثمرة، حيث يبرز القيمة الروحية للحظات التي يختلي فيها الإنسان بذاته بعيداً عن ضجيج العالم الرقمي المتسارع. الصورة تنقل إلينا رسالة بليغة عن الاستئناس بالمعرفة، فالمكان هنا ليس قاعة للمطالعة، بل هو ملاذ آمن يمنح هؤلاء الرجال شعوراً بالانتماء والسكينة، مما يؤكد أن الحاجة الإنسانية للثقافة لا تقل أهمية عن حاجته للأمان والمأوى.
تظهر الرسالة أيضاً في تلك التفاصيل البسيطة التي تفيض بالدفء، مثل المظلة (الشمسية) المستندة بجانب الرجل المسن، والتي ترمز إلى أن القراءة هي رحلة يومية يقطعها الإنسان رغم ظروف الطقس أو تعب العمر. الفنان يجسد هنا مفهوم الكرامة الإنسانية التي تتغذى على الوعي، مبيناً أن العقل يظل فتياً ومتوقداً مهما تقدم العمر، ما دامت الصلة بالكلمة والفكرة قائمة.
كما تهمس الصورة برسالة حول الصمت المشترك؛ فهؤلاء الأشخاص، رغم عدم تواصلهم المباشر، يجمعهم رابط إنساني عميق وهو البحث عن الحقيقة أو المتعة المعرفية. إنها دعوة لاستعادة الهدوء المفقود، وإعادة الاعتبار للتركيز العميق في زمن التشتت، وتذكير بأن أغلى ما يملكه الإنسان هو لحظة تأمل يقتنصها من زمنه المزدحم ليعيد فيها ترتيب أفكاره وبناء وعيه الخاص.
على سبيل الختم:
وفي ختام هذه القراءة البصرية، يتبدى لنا أن فوتوغرافيا الفنان الفوتوغرافي عبد العظيم الثغلبي ليست سوى حبس للضوء في إطار، بل هي استنطاق لجوهر الوجود الإنساني في أسمى حالات تجليه؛ حالة البحث والمعرفة. لقد نجح الفنان في تحويل قاعة مطالعة عابرة إلى مسرح كوني يجسد صراع البقاء للكلمة المطبوعة، مذكرًا إيانا بأن خلف كل صحيفة مطوية حكاية إنسان، وخلف كل صمتٍ في الصورة ضجيجٌ من الأفكار التي لا تهدأ. إنها دعوة مفتوحة من الفنان الفوتوغرافي الثغلبي لنستعيد سكينتنا المفقودة، ولنتأمل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع إنسانيتنا، مؤكداً أن الفن الحقيقي هو الذي يجعلنا نرى المعتاد بعيونٍ غير معتادة، ويمنحنا القدرة على سماع صوت الورق وسط صخب العالم.
باحث في الجماليات من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي