الرئيسية / الأعداد / قراءة في ديوان باب الروح لإدريس بن العطار

قراءة في ديوان باب الروح لإدريس بن العطار

  قراءة في ديوان باب الروح لإدريس بن العطار.

الحَسَن الگامَح*

على سبيل البدء:

يأتي ديوان باب الروح (إصدار 2026 عن دار بصمة) ليتوج مسيرة الشاعر الزجال إدريس بن العطار؛ المبدع الذي صهر خبرته كأستاذ متقاعد وعشقه الممتد لفن الزجل في بوتقة نصية فريدة. إن تجربة بن العطار تكتنز بذاكرة غنية، تجلت بوضوح في دواوينه الثلاثة المطبوعة: استهلها بـ (عيوط أم هاني)، ثم مر عبر (مقام الما)  وعمق الرؤية في (مقام العشق)، لِيصل في عمله الأخير (باب الروح) إلى مرحلة الصفاء الوجداني واستنطاق المسكوت عنه بلغة تمزج بين الحكمة الشعبية والأسئلة الوجودية. ليمثل طفرة نوعية في القصيدة الزجلية المغربية المعاصرة، حيث ينسج الشاعر إدريس بن العطار عوالمه من خيوط الحكمة الشعبية والأسئلة الفلسفية الوجودية، محولاً الكلمة الدارجة إلى أداة طيعة لاستنطق المسكوت عنه في الذات والكون.

على سبيل الغلاف:

يمثل الغلاف، بتوقيع الفنان توفيق البيض، واجهة بصرية تزاوج بين الفوتوغرافيا والكلمة. اختيار الأبيض والأسود كلوحة وحيدة للغلاف ليس محض صدفة جمالية، بل هو تعبير بصري عن فلسفة التجرد التي يسكنها الديوان. الأبيض يحيل على الصفاء، البياض، والوضوح، والضوء الآتي، بينما الأسود يمثل العمق، المجهول، وظلال الروح بالإضافة إلى الظلمة. هذا التقابل اللوني يعكس صراع الذات بين الحال والمقام، ويؤكد أن القصيدة عند بن العطار هي بحث عن الضوء وسط عتمة الوجود.

أما الغلاف الخلفي، فيأتي ليتمم هذه الرؤية؛ فبينما يفتح الغلاف الأمامي الباب، يقدم الخلفي مفتاحاً تأويلياً من خلال مقاطع مختارة أو سيرة مقتضبة، توحي بأن النص الزجلي هنا لا ينتهي بانتهاء الورق، بل يترك أثره في وجدان المتلقي. إنه يكرس صورة الشاعر كحارس للتراث، متمسك بالهوية المغربية العميقة.

على سبيل العنوان:

يعد العنوان باب الروح عتبة نصية مشحونة بالدلالات؛ فهو يجمع بين الباب بما يحمله من رمزية الانفتاح أو الانغلاق، وبين الروح كجوهر خفي ومقدس. العنوان هنا هو دعوة لولوج خلوة شعرية، حيث يتم تجاوز القشور الخارجية للنص لملامسة العمق للإنسان. إنه يعلن منذ البدء أن القارئ أمام رحلة تهدف إلى تخطي المادة بحثاً عن السكينة أو المعنى الضائع.

  1. دلالة باب:

كلمة باب في اللغة والاصطلاح الشعري لا تقف عند معناها المادي (المدخل)، بل تتجاوز ذلك لتصبح رمزاً انتقالياً:

  • العبور: الباب هو الحد الفاصل بين عالمين؛ عالم الخارج بضجيجه وتفاصيله المادية، وعالم الداخل بسكونه وأسراره. اختيار الشاعر لهذه اللفظة يوحي بأن القارئ ليس أمام نص سطحي، بل هو أمام دعوة للدخول في تجربة تحتاج إلى استئذان روحي وتأهب نفسي.
  • المقام الصوفي: في التراث الروحي، الباب هو المقام. فلكل حقيقة باب، ولا يمكن الوصول إلى الجوهر إلا عبر هذا المدخل. الباب هنا يمثل البداية التي تؤدي إلى (الوصالة)، وهو ما أكده الشاعر في مدخله الأول (هذ الطريق وصالة).
  • الانفتاح والانغلاق: الباب يحمل ثنائية الستر والكشف؛ فهو يستر الأسرار عن غير أهلها، ويفتحها لمن يملك المفتاح (وهو هنا القصيدة أو الحال).
  1. دلالة الروح:

الروح هي الكلمة الأكثر تجريداً وعمقاً، وهي التي تمنح للديوان صبغته الوجدانية:

  • اللطيفة الربانية: الروح هي الجانب اللامرئي في الإنسان، هي السر الذي لا يشيخ ولا يفنى. باختيارها، ينأى الشاعر بزجله عن لغة الجسد أو المادة، ويرتقي به إلى لغة الملكوت والاشراق.
  • الحال والجذبة: في الزجل المغربي المرتبط بالعيطة والتراث، الروح هي محرك الحال. هي التي تتغز (تتحرك) لتجعل الشاعر يكتب نصوصاً من قبيل ندهة من (عيوط ماتڭالوووش). الروح هنا هي مصدر الإلهام الخام الذي لم تلوثه صنعة الكلام.
  • الخلاص: البحث عن الروح هو بحث عن الطمأنينة في زمن الضياع (زمن الميكروفون والمنذبة).
  1. التركيب الإضافي:

حين يجتمع اللفظان، يتشكل مركب وجداني يعيد صياغة العلاقة بين القارئ والنص:

  • الباب إلى الذات: باب الروح يعني أن الشاعر قرر أن يفتح قلبه وتجربته الجوانية على مصراعيها. إنه جعل من قصائده فتحات يطل منها القارئ على ملكوته الخاص.
  • تحويل الدارجة إلى لغة مقدسة: عبقرية إدريس بن العطار تكمن في أنه أخذ كلمة بسيطة من الدارجة المغربية (باب) وأضافها إلى مفهوم كوني (الروح)، ليخلق توازناً بين تمغربيت (الأرض والذاكرة) وبين الفلسفة (السماء والمطلق).
  • مقام الاستقرار: بعد رحلة الدواوين السابقة (عيوط أم هاني، مقام الما، مقام العشق)، يبدو أن الشاعر وصل في هذا العمل إلى الباب النهائي، حيث لا توجد مادة، بل روح صرفة تتأمل في (والو) العدم الجميل وفي (عيش موتك).
  • الخلاصة: العنوان هو إعلان عن خلوة زجلية؛ حيث الباب هو الأداة، والروح هي الغاية. هو دعوة لترك النعلين (المشاغل المادية) عند العتبة، والدخول بقلب سليم إلى رحاب الكلمة المقطرة.

على سبيل الزجل المغربي:

يستثمر إدريس بن العطار الموروث الشفهي المغربي لا لإعادة إنتاجه بنمطية، بل لبنائه من جديد برؤية حداثية. الزجل في باب الروح يتنفس من خلال مفردات ضاربة في القدم (مثل: السواكن، الندهة، الجذبة) لكنه يلبسها لبوساً شعرياً جديداً. إنها لغة تتكئ على تمغربيت في أبهى تجلياتها، حيث تتحول الدارجة من وسيلة للتواصل اليومي إلى وسيلة للكشف الصوفي والبوح الإنساني العميق.

على سبيل النصوص:

تكشف هندسة الديوان عن رحلة شعورية منظمة؛ تتكون من ستة عشر نصاً زجلياً (بما فيها المداخل الإشراقية)، موزعة بعناية على ثلاثة أقسام كبرى، حيث يشكل كل عنوان محطة قائمة بذاتها في رحلة الحال:

القسم الأول: طريق الغادي والجاي (6 نصوص)

يمثل هذا القسم عتبة السفر والترحال، وتأتي نصوصه لتعكس جدلية الحركة والثبات، والبحث في دروب الحياة الوعرة:

  • هذ الطريق وصالة: يفتتح الديوان بالتأكيد على أن المسار هو الغاية، وأن الوصول يقتضي الصبر والتحمل.
  • حال وڭبال: نص يجسد المواجهة المباشرة مع اللحظة الوجدانية، حيث يحضر الحال كقوة محركة للذات.
  • فيني يتحط حرف يتحطوا عرشة: عنوان يوحي بقدسية الكتابة؛ فالحرف هنا ليس مجرد خط، بل هو بناء راسخ كالأشجار.
  • حلمة وريح: يعالج قصص التلاشي والقبض على السراب، وصراع الآمال مع تقلبات الواقع.
  • اش هذا بينا؟: تساؤل استنكاري يضع الوجود الإنساني تحت مجهر المساءلة، باحثاً عن مكامن الخلل في العلاقات والوجدان.
  • آش طرى؟: استكمال لمسار التساؤل، حيث الصدمة من التغيرات التي طرأت على القيم والمشاعر.
  • باب الروح: النص المركزي الذي يحمل اسم الديوان، وهو نقطة التحول من المسار الخارجي (الطريق) إلى المسار الداخلي (الروح).

التحليل التركيبي: من خلال هذا التفكيك، نجد أن نصوص إدريس بن العطار ليست شتاتاً، بل هي بناء هندسي يبدأ من الطريق (الخارج)، ويمر بـالروح (الداخل)، لينتهي بـالمنذبة (المجتمع)، مما يجعل الديوان وحدة موضوعية متماسكة تحاكم الواقع بلغة الحلم والزجل الرصين.

القسم الثاني:  من قولة أنا (6 نصوص)

بعد سياحة الطريق في القسم الأول، تضيق الحلقة في هذا القسم لتصبح الذات هي المختبر والمجهر؛ هنا تضيق العبارة وتتسع الرؤية في استنطاق مكامن النفس وانكساراتها:

مدخل إشراقي يضع الأنا أمام مرآة الحقيقة، وهي عتبة الانتقال من صخب العالم إلى خلوة الذات.

  • تودويدة: عنوان يحاكي ذاك الهمس الداخلي والمناجاة التي لا يسمعها إلا من سكن الصفاء قلبه، وهي لحظة مكاشفة مع الروح.
  • عيني سيقت نعايس: صورة شعرية بليغة تعبر عن السهر الوجداني؛ حيث تتحول العين من أداة للبصر إلى قناة لسقي الروح بالأرق المقدس.
  • كنت سهيت: اعتراف إنساني بلحظة الغفلة التي تسبق اليقظة؛ السهو هنا هو مقدمة ضرورية للكشف والعودة للذات.
  • تعالوا… نقلبوا على والو!!!!: نص يفكك مفهوم العدم؛ فالبحث عن اللاشيء (والو) هو في جوهره قمة الامتلاء الروحي والتجرد من زينة المادة.
  • ندهة من عيوط ماتڭالوووش: بلوغ ذروة البوح الذي يعجز عنه اللسان؛ النداء هنا (الندهة) يتجاوز المنطوق ليسكن في فيوضات الحال.

القسم الثالث: عيش موتك (6 نصوص)

في هذا القسم، يخرج الشاعر من عزلته ليعانق الهم الجماعي بروح يسكنها الود والتعايش، معتمداً استعارة الموت كعنوان للانعتاق والولادة الجديدة:

استحضار للحركية الإنسانية في تفاعلها مع الأرض والمحيط، كأنها رقصة الوجود الأخيرة.

  • صاحبي.. وصاحب ڭاع الناس: لحظة التماهي مع الآخر؛ هنا يذوب الأنا في نحن، وتتحول القصيدة إلى جسر للتعايش الإنساني الكوني.
  • جات لخبار..ياصاحبي: دلالة على وصول الحقيقة أو اليقين الذي ينهي الحيرة، ومشاركة هذا الكشف مع الرفيق.
  • مجنون هذ المليكرفون: نقد رمزي لزمن الضجيج والزيف؛ حيث الميكروفون أداة لتضخيم الصوت الخاوي على حساب المعنى العميق.
  • عمى ورلايف..يدْوَع ڭول: تفكيك لحالات التيه اللغوي والفكري التي تسود الواقع، وتعرية للقول العبثي الذي يفتقر للبصيرة.
  • المنذبة كبرية والميت جار: عنوان مستمد من عمق الحكمة الشعبية، يفكك عبره الشاعر التناقض الصارخ بين المظاهر الاجتماعية الجوفاء والحقائق المنسية خلف الجدران.

من خلال هذه الأقسام الثلاثة، يتبين أن إدريس بن العطار رسم مساراً دائرياً يبدأ من الطريق (البحث الخارجي)، مروراً بـ أنا (الاستغوار الداخلي)، وصولاً إلى الآخر والكون (العودة إلى الجماعة برؤية جديدة).

بهذه النصوص الستة عشر، استطاع بن العطار أن يجعل من (باب الروح) مقاماً شعرياً يثبت فيه أن الزجل المغربي نظم للكلام من ناحية وفعل فلسفي وموقف وجودي من ناحية أخرى، يعيد صياغة العالم من خلال مفردات بسيطة في نطقها، لكنها عميقة في جراحها وأسئلتها وإشراقاتها.

على سبيل الاستعارات:

الاستعارة عند بن العطار هي مرآة الحال؛ فهي لا تأتي للزينة، بل لتجسيد ما يعجز اللسان عن وصفه. حين يقول: نغزني حالي.. وذاب الوقت ف سواكن، فإنه ينقل القارئ من الزمن الفيزيائي إلى زمن الجذبة الروحية. استعاراته مستمدة من الأرض، من العيطة، ومن طقوس الزوايا، لكنها مصاغة بوعي شاعر يدرك أن الاستعارة هي جسر العبور الوحيد نحو المطلق.

على سبيل تفكيك النصوص: الروح بين الامتلاء والعدم:

عند الوقوف على نص مثل (تعالوا.. نقلبوا على والو!!!!،) نلمس ذلك التفكيك الفلسفي لمفهوم الوجود. (والو) هنا ليست فراغاً، بل هي قمة التجرد عن التعلق بالماديات، وهي دعوة للعودة إلى الفطرة الروحية. أما في نص (باب الروح)، فيظهر التضاد بين ميكروفون العالم الخارجي وضجيجه، وبين صمت الروح وبحثها عن السكينة. الشاعر يفكك الواقع ليعيد بناءه وفق منطق القلب، جاعلاً من الكتابة فعل مقاومة ضد الابتذال.

على سبيل الختم:

إن باب الروح الديوان الجديد للزجال ادريس بن العطار يعد مقاما يُسكن؛ إذ استطاع من خلاله أن يثبت أن الزجل المغربي يمتلك من الطاقات التعبيرية ما يجعله نداً للقصيدة الفصحى في ملامسة أعمق قضايا الإنسان. من خلال توظيف الصور الشعرية والاستعارات المبنية على أرض الواقع لتجسيد ما لا يمكن وصفه وتحديده تحديدا ملموسا.

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

 

اترك تعليقاً