الرئيسية / الأعداد / بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الثاني)

بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الثاني)

أسماء ووجـــــوه

بورتريه الحاج محمد الحوزي: سيرة من القرآن والحياة (الجزء الثاني)

الحَسَن الگامَح*

2-فقيه في قرية بجمعة سحيم

قيل لي: من هو الحاج محمد الحوزي أوسامة رحمه الله …؟؟ وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.

هو الفقيه الشاب الذي حمل في صدره سيرةً من القرآن والحياة؛ ذلك الشاب الذي شق الأرض مغترباً عن دياره، حاملاً معه بركة ‘سيدي الزوين’ حيث صقلت خلواتها تعليمه القرآني والفقهي، ليحط الرحال في قرية بجمعة سحيم وهو لم يكمل بعد عقده الثاني. مضى وقلبه مأهول بآيات الله، يسير نحو مجهولٍ لا يدري أيكون فيه مستقره ومقامه، أم سيكون مجرد محطة عبورٍ لجهة أخرى، لكنه كان يمشي بيقين العارفين، واضعاً نصب عينيه أن ما يختاره الله له هو عين الصواب ومحض الحكمة. لم يقف عند حدود التساؤل ‘لماذا؟’ أو ‘إلى أين؟’، بل كان يسلمه الإيمانُ من خطوة إلى خطوة، مؤمناً بأن صاحب القرآن لا يضل ولا يشقى، وأن الوجهة التي يرتضيها الخالق لعبده هي الملاذ الأسمى وإن خفيت عن الأنظار غاياتها.

وفي قرية بجمعة سحيم، الواقعة في ضواحي مدينة آسفي، قرية مغربية أصيلة تنبض بالحياة، تتزين بيوتها الطينية، وعلى جنباتها تمتد حقول خضراء شاسعة، تبعث فيها نسمات عليلة تحمل عبق الزيتون والتين، وتغمرها أشعة الشمس التي تكسو المكان بدفئها. في هذه القرية، اختار أن يكون فقيهاً، ليواصل رسالته الروحانية.

يتوسط القرية مسجد بسيط ولكنه عظيم في قيمته، حيث تتزين جدرانه بآيات من القرآن الكريم مكتوبة بخط مغربي أصيل تنبض بالروحانية. في هذا المسجد، كان يتلألأ نور وجهه وهو يؤم المصلين، فلم يكن دوره مقتصراً على الإمامة فحسب، بل كان معلماً ومربياً لأجيال القرية. كان صوته الرخيم يصدح بآيات الذكر الحكيم، ويملأ قلوب المصلين بالخشوع. وفي كل صباح، تتناثر أصوات الأطفال الصغيرة في كل أركان المسجد وهم يرتلون آيات القرآن ويخطون حروف العربية على الألواح الخشبية، فكان المسجد ورش عمل للمعرفة، ومدرسة تخرج منها أبناء القرية وهم يحملون في صدورهم نور العلم والإيمان.

ولم تكن قرية جمعة سحيم في تقديره سوى حيزٍ جغرافي أو مكان عابر اختاره القدر ليمارس فيه رسالته الروحانية، بل استحالت مع مرور الأيام والسنوات إلى جزءٍ لا يتجزأ من تكوينه، ونبضاً يسري في عروق حياته. ففي رحاب هذه الأرض، ساق الله إليه شريكة دربه ورفيقة عمره، تلك الروح التي أضاءت عتمات الطريق، وقاسمته ثقل الأمانة وصبر البدايات، فكانت له في كل نازلة عوناً، وفي كل فرحٍ صدى. لأكثر من سبعة عقود، ظلت هذه سيدة فاضلة صبورة تحفُّ رسالته بالدعم والمؤازرة، وتنسج معه خيوط حياةٍ قامت على تقوى من الله ورضوان؛ فما كان رباطهما إلا زواجا تقليديا، بل كان ميثاقاً غليظاً توطد بالحب والإخلاص وتزكى ببركة القرآن. هذا الاندماج الروحي بينه وبين المكان، وبين قلبه وقلب رفيقته، جعل من القرية بيتاً بمعناه الواسع، لا مجرد سكن، بل سكينةً ونوراً غمر حياته، وجعل من مقامه فيها قصةً من المودة والوفاء قلّما تجود بها الأيام.

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً