مطر من زمرد على جبل بوهلال

فاطمة الديبي*
كانت عائشة تنتظر هذا الوقت من العام بفارغ الصبر. في قريتها الهادئة، حيث تعيش مع أولادها في استقرار، كان قدوم الخريف يعني شيئاً واحداً: موسم جني الزيتون، وهو الحدث الذي يملأ القلب فرحةً ويغمر البيت خيراً.
وفي المدينة القريبة، كانت أختها فاطمة تُعدُّ أولادها للرحلة ذاتها. فكل عام، وعندما تثقل أغصان الزيتون بالثمار، يتجه الجميع إلى جبل بوهلال، حيث تلتقي العائلة وتُجدَّد الذكريات، قبل أن تبزغ أول أشعة الشمس من خلف القمم.
مع إشراقة الصباح الأولى، كان اللقاء في الجبل حميماً؛ تبادلت الأختان العناق وسط ضحكات أولادهما الذين اختلطوا سريعاً كالنحل النشيط. وفي خضم ذلك، تبادلت عائشة وفاطمة نظرة صامتة سريعة، نظرة امتنان عميقة لهذا التقليد الذي ينسج خيوط الترابط بينهما رغم اختلاف نمط الحياة وتغير الأيام. وانقسم الجميع إلى فريقين أساسيين: فريق “السقَّاطين”، وهم الرجال الذين يتسلقون الأشجار ويمسكون بالعصي الطويلة المتخصصة، يوجهون بها ضربات مُتقنة للأغصان في مواقع مدروسة، ليتسارع بذلك معدل الحصاد، فيسقط الزيتون كالمطر الغزير. وفريق “اللقَّاطين”، وهم النساء والأطفال الذين ينحنون تحت الأشجار، يلتقطون الحبات الداكنة التي تداخلت مع التراب وأوراق الزيتون المبعثرة، حريصين على ألا تضيع منها حبة واحدة.
وفي خضم هذا المشهد، كانت “العيوع” تبعث الروح في المكان. تلك الأهازيج الجبلية الحماسية كانت تتصاعد من حناجر النساء بين الحين والآخر، ترتفع كنغمات حادة وصادحة قبل أن تتبدد في صدى الجبال البعيد. كان الصمت المهيب للجبل يتخلله فقط صوت خرير الماء الخفي القادم من واد بعيد، ممزوجاً بحفيف أوراق الزيتون المتكسرة التي ملأت الجو بعبقها اللاذع. وكانت كلماتها حكيمة وجميلة، مليئة بالتشجيع والثناء على العمل والجمال المحيط، مما يبعث دفقة من النشاط في نفوس الجميع، سواء كانوا من مالكي البساتين أم من العاملين فيها.
عندما حان وقت الاستراحة، تجمَّعوا جميعاً تحت شجرة زيتون مُعمّرة. هناك، أشعلوا النار باستخدام أخشاب الجبل، وأخذوا يطهون طعامهم البسيط ويُعدُّون الشاي المنعنع. لقد امتزجت رائحة التراب الرطب، الذي ما زال يحمل ندى الصباح، بدخان خشب الخروب المحترق وعبق الشاي المنعنع، مع ضحكات الأطفال وصدى “العيوع” البعيدة، مُشَكِّلةً لحظة من البساطة والنقاء لا تُقدَّر بثمن.
مع مغيب الشمس، كانت الأكياس قد فاضت بثمار الزيتون الوفيرة، علامة على يوم عمل مُثمر. بعد أن حصلت فاطمة على جزء من نصيبها من المحصول، استعدت للعودة إلى المدينة مع زوجها. لكن أولادها الثلاثة، إحياءً لعادة جميلة، فضَّلوا البقاء في القرية عند خالتهم عائشة وأولادها ليقضوا نهاية أسبوع مميزة في أحضان الطبيعة والبساطة.
لقد كان جني الزيتون عملاً شاقاً وممتعاً في آن واحد، وغالباً ما كان يمتدّ لأيام متواصلة من العمل الدؤوب، لا يهدأ الجمع إلا بعد قطف آخر حبة زيتون من آخر شجرة، تأكيداً على الإتقان وحصاد كامل الخير.
وبينما كانت عائشة تعود إلى بيتها في القرية، يتقدمها أولادها وأولاد أختها في مرح، شعرت بتعب لذيذ يغمر جسدها، وقلب خفيف يمتلئ بصور الأغاني والضحكات وأصوات مطر الزيتون. كانت تعلم أن هذه الذكريات، كرائحة زيت الزيتون البكر، ستبقى جزءاً ثابتاً من حكاياتهم العائلية، تتجدد قيمتها مع كل موسم جني قادم.
قاصة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي