محمد المدلاوي المنبهي يا ذا الميمات الثلاث

المختار النواري*
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق من تراب عباده، وقدر لكل بالقسمة بلاده، وهيأ له في الأرض بالرحمة جهاده، وجعل عليه سبحانه وتعالى بالنعمة توفيقه وسداده، ومنحه من عقله وبدنه ورزقه ما يمايز به أنداده، ووعده، ووعده الحق، إن ضعف قوى إسناده، وإن افتقر زود إمداده، وإن ضل ضمن هديه وإرشاده.. وصلى الله وسلم على من بعث مسدَّدا، واختير له من بين الأسماء محمّدا، وتشرف من بعده كل من تسمى به مسترشدا، وأُلهم من قبسه جهادا مجهِدا، ونبراسا مجتهِدا، وأُحيط بعناية ربه من كل جانب مرتصَدا.. والصلاة والسلام على الآل والأصحاب، ومن تبعهم إلى يوم الحساب امين.
السيد العالم الفاهم، الناظم الناغم، القدير الجدير، البدير النذير، الشهير البهير، الجهير السهير، اللسين المكين، الرصين المعين.. سيدي محمد المدلاوي المنبهي..
السادة الفضلاء الحضور، المستأجرون على العبور، الموفون بالنذور..
السادة المنظمون الأوفياء، الخلص الأصفياء..
سلام من رب رحيم، جواد كريم، راع عظيم..

أنعم الله على جمعكم بالبهاء، الذي يَقدُم قدومَكم، ويجلل مجلسكم، وينمي متمناكم، ويجوِّد من بين المعاني معناكم. وباركتكم السماء، التي تبهج مغناكم، وتسدد مرماكم، وتربي مسعاكم، وتخلد في الصالحات ذكراكم.
بدهي ألا تعمر البلاد إلا بسكانها، وإلهي ألا تقوم الأرض إلا بخلفانها، وكل صقع لا يذكر إلا برجاله، الذين ينشرون جميع أحواله، ويبعثون إلى العالمين بليغ إرساله. ويؤرخون الرجال برفيع الأفعال، ويرتقون الكلام بسديد الأقوال، فيقلبون الحجر جوهرا، والتراب تبرا، والشوك تمرا، والهواء عطرا، والخبر ذكرا، والسم بلسما، والخراب معلما، إذ هم الصالحون الأتقياء، العاملون الأوفياء، البارعون الأصفياء، البارون الأمناء.
وها نحن اليوم بحضرة جليل من أجلتهم، وعزيز من أعزتهم، ومنيع من منعتهم، وبار من بررتهم، وسدن من سدنتهم، وسليل من أصلابهم، وحكيم من حكمائهم. فتاريخه يلخص السيرة، ويغمر الفؤاد مسرة، ويملأ الصحف مبرة. أمضى عمره بين الكَتْب والكِتاب، وقسم مساحته بين الغُلْب والغِلاب، وعدل عمله بين الطِّلْب والطُّلاب، ونشر علمه بين الصَّحب والأصحاب، ومد صيته بين الغَرْب والإغراب.
ولم يكن يوما داعي سلب ولا استلاب، ولا مبتغي ركب ولا إركاب، ولا طامع دهب ولا إذهاب، ولا مستجلب عُجْب ولا إعجاب.
عالمنا النحرير.. يا ذا الميمات الثلاث..
باركك الله ببركة حرف الميم، بما يدل به على قطع وانقطاع، وللخير اصطناع، وأنت داخل تحت قوله تعالى: “ولهم أجر غير ممنون”، بفعل الخير النبيل، والصنع الجميل. فمنك المنح، ومن غيرك المنع. ومنك المنى، ومن غيرك المن. ومنك التملل، ومن غيرك الملل.
وكفاك بميماتك الثلاث زينا وحصنا.
يا محمد..
يا ذا الفعل الأمجد، لك من محمد ما تبز به الحمد، وتثقل به العَمد، وتستفز به الثناء والتحميد، وترغم به الصواب والتسديد، وتَنْهج به منهاج الرسالة، ويطلب منه غيرك الإقالة. ولكن الله حباك بنفس قوالة فعالة، معطاءة سيالة.
يا محمد..!
أنت صريح من سلالة المحمدين، وإضافة نفيسة في صرح المحامدة.
يا المدلاوي..!
أنت السؤدد الطارف، والمجد التالد، الآتي من أعماق التاريخ، الصاعد من تلاوات الزمن، النازل على كل فنن، المطير لكل وسن، المشرف للوطن.
فأنت يال المدلاوي عز للمدلاويين ومدلاوة.
يا المنبهي..!
يا أيها البهي، في القلم بليغ شهي، وفي الحق آمر نهي، وعن العتاب غافل سهي، وعند العذر متجاوز نسي، وفي المواقف جبل رسي، وللسر بلوع حسي، وعند المصاب مقاسم وسي..
فأنت شرف للمنبهيين والمنابهة.
يا صاحب الرسائل السبع..!
يا من نبش عن الرافد اليهودي، وأزال الحجب عن مانعه التجويدي، وأخرج خفاياه من لونها التسويدي، وكساه ما يغنيه ويكشف منحاه التوليدي.
يا أيها المتسائل..!
تساءلت في سبع رسائل في اليهود وفي الفكر العبري: أي علاقه بالرافد العبري للثقافة المغربية؟ فجعلت المنتوج الفكري صلة الصلة بين عبرانيي المغرب وعربييه، ويهودييه وأمازيغييه، بديلا عن العنصرية العرقية والدينية والجغرافية، ونزعاتها الصهيونية. إن الحريص على الإخاء، المتطلع لرحم المرتخى، المحب للسلام، الجاعل له إدام الدوام، الراغب في رتق ما انفتق، ولم ما انهرق، لا يمكنه إلا أن ينكب على ربط الأواصر، وردم الفروق، وتعميق اللُّحَم.
ولن يكون إلا ذا الفكر المتسامي، والنزوع الإنساني..
وقد كنته.
يا ذا يوميات محماد..!
حيث الحرص على صبغ الأسماء باللهجة المحلية، وإنعاش الحاضر بالذاكرة المستعادة، ورسم مسار المنبهي السوسي الأمازيغي على خطى حياة ثابتة، تزيح الحواجز، وتطوي الصعاب، وتسير في ثبات، إلى أن تدني المبتغى، وتحقق المرتجى، وتصل إلى المأمول.
وقد وصلته، فهنيئا لك يا محماد.
يا صاحب الملعبة الأمازيغية..!
أنطقت جُواك شعرا، وراقصت دواخلك لحنا، وأبرمت لسانك مزغا، فكنت العروب الطروب، المدني للرغوب، المجلي للكروب. المتصافح مع تعدد نفسه، المتسامح مع اختلاف لسنه، المتمثل: أنا هنا, وإن سكنت مكانا مطارفا، وعمقي هو ذا، وان لاسنت لغوا مخالفا..
فكذا وليكن الشعر وإلا فلا شعر.
يا منشأ بدل المجهود في إفحام اليهود..!
يا أيها السموأل السوسي، ذو المحتد الفروسي، الذي يقارع الفكر بالحجة، ولا يخشى على الثابت من الرجة، ويبخس النزعة الفجة.. نل بهاء.. فأنت أحلى مجة.
يا من رفع الحجاب …!
يا من رفع الحجاب عن مغمور الثقافة والآداب، وكشف عن عروض الأمازيغية والملحون النقاب، وسهل الوصول إليهما، ووضعهما على الأعتاب، وأقر أن للأخوة أواصر أعمق من التاريخ والأصلاب، وأنقى من المزاعم والسباب. إن زورها الأتراب، فلن ينكرها اللحن والإطراب.
قِر عينا فقد رُفع الحجاب.
وأفضالك هاته، وأفضالك تلك، التي لا يحصيها عد، ولا يخفيها رد، ولا يدفعها صد، أنبه من أن تُخفى، وأقرب من أن تُلفى، وأنت النقير النحرير، الذي له في نفسه شأن، وله في نفوسنا شؤون.. عرفناك وما عدلناك، وبجلناك وما وفيناك، وادعينا تكريمك، وما أدينا بسيطا واحدا من حقوقك، فالمجتهد يُعَد في الأثر مقصرا، والمكثر يُحسب في الكرم مقللا، وكل منهما في العدل معذور، وعلى ما ياتيه مجبول ومجبور. فاقبل عذرنا، وتغاضى عن تقصيرنا، فأنت أهل لذلك، وذخره، ورافع رأس سوس وفخره، وإن سلط الإهمال السوس ونخره..
ولأنت رأسمال هذا البلد وفضلُه، وفاك معتاصِه وعَضْلِه، فجزاك الله عنه وعنا بما هو جاز عباده الصالحين، الهادين المهتدين، المبشرين المستبشرين، المناضلين المكافحين، المنزلين للحق، المواصلين للطرْق، المبرزين للفرق. وجعل شهادتنا لك تَشرُف بك ولا تُشرِّفك، وتُعرَف بك ولا تُعرِّفك، وتأخذ منك ولا تعطيك، وتَتَطَرّى بك ولا تُطْريك.. فأنت المشرِف المشرِّف، وانت المعروف المعرِّف، وأنت المعطي المعطاء، المطري المطراء.
حفظك الله بدنا وعقلا، وزكاك علما وعملا، وامد عمرك أزمانا طِولا، ومعذرة عن التقصير قِولا.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
تارودانت 22نونبر 2025
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي