الرئيسية / الأعداد / طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ مقهى الحافة: حيث تكتب القصيدة الروح (الجزء الثالث) الحسن الگامَح

طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ مقهى الحافة: حيث تكتب القصيدة الروح (الجزء الثالث) الحسن الگامَح

highlight color=”gray”]اهتــــزازات[/highlight]

طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ – مقهى الحافة: حيث تكتب القصيدة الروح (الجزء الثالث)

الحسَن الگامَح*

 

لماذا الشعر…؟

(للحافة بابان

باب جهة البحر لا يغلقُ

وباب جهة البر في الليالي يغلقُ

وأنت بينهما تائه في ملكوت الله

تقرأ صمت المكان في وجل يعشقُ)

هنا، حيث تنتهي اليابسة وتبدأ حكاية البحر، يقف مقهى الحافة شامخاً على جرف الذكريات، كحارس أمين لمدينة طنجة التي لا تنام. حين تطأ قدماك درجاته الحجرية المتهالكة، لا تدخل مقهى ككل المقاهي، بل تعبر بوابة زمنية تعود بك إلى بداية العشرينيات القرن الماضي، حيث الزمن هناك ليس ساعات ودقائق، بل هو إيقاع منتظم للأمواج التي تكسر صمت المكان. الرائحة هي أول ما يستقبلك؛ خليط ساحر بين ملوحة المتوسط ونفحات النعناع الطنجاوي العبق، تلك الرائحة التي التصقت بجدران المقهى البيضاء والزرقاء حتى صارت جزءاً من هويته.

في هذا الركن القصي من طنجة، أنت لا تجلس على مقعد إسنمتي فقط، بل تجلس على أرشيفٍ من الأحلام. الحافة هي المكان الذي قرر فيه الزمن أن يأخذ استراحة محارب، ليترك للمكان حرية أن يكون خارج التصنيف؛ فلا هو مقهى شعبي بالمعنى الضيق، ولا هو مزار سياحي بالمعنى البارد، بل هو محرابُ الوجود.

على هذه المدرجات، ترك محمد شكري بقايا دخان سيجارته ومرارة الخبز الحافي، هنا كان يرمق البحر بعينين متعبتين، باحثاً عن كلماتٍ لم تقلها لغة من قبل. وبجانبه، ربما في زمنٍ موازٍ، كان بول باولز يترجم صمت المكان إلى رواياتٍ تسافر عبر القارات.

حين تجلس هنا، تشعر وكأن البيتلز (The Beatles) ما زالوا يهمسون بألحانهم للريح، وأن ماتيس لم يرحل، بل فقط ذهب ليحضر فرشاةً أرقّ ليصور زرقة طنجة التي لا تُقهر.

(الجلوس في الحافة

متأملا ذاتك تعبرك في اتجاه العلى

وأنت كما أنت أنت

مفتوح على كل الواجهاتِ

ومن كأس منعنع ترشفُ

يا أيها الساكن هذا الركن الفسيح

هلا عانقت الريح،

ولا تركن في زاوية ترتجفُ

هنا الصمتُ ينطقُ

هنا الشوق في شوقه يغرقُ

وهنا الحافة حارسة الأبيض،

والبياضُ عن وعد لا يخلفُ)

المشهد من الحافة ليس مشهداً بصرياً فقط، بل هو تجربة حسية متكاملة حيث خشونة الحجر البارد تحت يديك تذكرك بصلابة الأرض، بينما رذاذ الموج المتطاير يداعب وجهك ليخبرك بأن البحر قريب بما يكفي ليحتضن أسرارك. وإيقاعٌ فريد يمزج بين رنين الملاعق في الكؤوس، وزعيق النوارس التي تحرس المضيق، ودردشات الصيادين بلهجتهم الشمالية الحادة والمحببة التي تشبه في تموجاتها حركة الموج. من هنا يرتفع فيها الضباب ليحجب إسبانيا حيناً ويظهرها حيناً آخر، كأنها عروس البحر التي تتمنع دلالاً.

العظمة في الحافة تكمن في أنها تعلمك فن اللاشيء في مدننا الحديثة، نركض خلف الوقت، أما في الحافة، فنحن ننتظر الوقت ليمر من أمامنا ونلقي عليه التحية. هو المقهى الذي لا يفرض عليك بروتوكولاً؛ يمكنك أن تكون فيه ملكاً حافياً، أو شاعراً مفلساً، أو غريباً يبحث عن وجهه في مرآة الماء.

إنه المكان الذي يثبت فيه للعالم أن الحافة ليست مكاناً للسقوط، بل هي أعلى نقطة في الارتفاع الروحي، حيث ينتهي العالم المادي ويبدأ عالم الخيال المطلق.

(سأكتب القصيدة قلتُ

لكن القصيدة من تلقاء عشقها كتبت روحي

على روح الجنب عشقٌ مندفقُ)

الشاي في الحافة مشروب له طقس من طقوس التأمل. يأتيك في كأس زجاجي بسيط، ساخناً كقلوب أهل الشمال، ومحلىً بجرعة كافية من الصبر. وبينما ترتشف رشفاتك الأولى، تراقب السفن العابرة في المضيق كأنها نقاط صغيرة في لوحة زيتية لا تنتهي. والكلمات أمامك تنساب على البياض، والجنب جنبك غارقة في تأمل ملكوت الله. لا ضجيج يقطع خلوتك سوى أحاديث هامسة لزوار جاؤوا من شتى بقاع الأرض، لا بحثاً عن الرفاهية، بل طلباً لتلك اللحظة النادرة من السكينة التي لا يوفرها سوى هذا المكان الذي يأبى أن يتغير، متحدياً عاديات الزمن والحداثة الصاخبة.

والقصيدة تتدلى بين عينيك من الأعلى كأنها ثريا لكنها لا تسقط على الأرض بل تبقى معلقة على البياض استثناء، لأن هذا المكان في حذ ذاته استثناء خارج التصنيف.

مع اقتراب الغروب، والكلمات بينك وبين الجنب تأخذ شكلا آخرا، شكلا يذكرك باللقاءات الأولى، حين تكتسي “الحافة” ثوباً آخرا صوفيا، وتتحول الجلسة إلى قصيدة صامتة تُقرأ بالعين لا باللسان. تصبح الشمس ملاذا يغوص ببطء في الماء، تاركةً خلفها وعوداً بالعودة. في تلك اللحظة تحديداً، تدرك أن سر الحافة ليس في قهوتها أو بنائها، بل في تلك الروح التي تسكن زواياها، وفي تلك القدرة الغريبة على جعلك تشعر، ولو لساعة واحدة، أن العالم بأسره يختصر في فضاء صغير بين السماء والماء، وأن كل ما تحتاجه هو كأس شاي وقلم وبياض لتدون سمو المكان، وإطلالة تمتد إلى اللانهائية.

أكادير: 22 يوليوز 2025

شاعر من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً