أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ (الجزء الثاني)

طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ (الجزء الثاني)

اهتــــزازات

طنجة العالية عالية بجمالها الأخاذ (الجزء الثاني)

الحسَن الگامَح*

لماذا الشعر…؟

(واقفا تكتبني القصيدة

لا أملك شيئا غير استعارات

تحرسني من وهم الغياب الحزينْ

وأمتد بين أزقتها بالمدينة العتيقة

أقرأ تاريخ من مروا من هنا فاتحينْ

لست في استعجال كي أمضي

أنا هنا رهن القصيدة التي جعلت من طنجة

في عنفوانها ملاذا للعاشقينْ

أنا هنا رهن قراءة ما يخفيه التاريخ من حمال

عبر المكان، وسحر الجنائن القروءة في صمت البائحينْ)

في أزقتها الضيقة التي تشبه المتاهة، تفوح رائحة الزمن؛ فكل حجر في القصبة يحكي قصة فاتح، وكل زاوية في السوق الداخل تخبئ سر شاعر أو كاتب وجد في ضوء طنجة ملاذاً من ضجيج العالم. لم تكن طنجة يوماً مدينة عادية، بل كانت منطقة دولية تحتضن الغريب وتجعله ابناً لها، فاستوطنت في مقاهيها أرواح المبدعين الذين سحرهم ذلك المزيج الغريب بين بساطة الشرق وحداثة الغرب. في مقهى الحافة، حيث يتوقف الزمن أمام البحر، سطر الأدباء كلماتهم، وعلى أرصفة شوارعها العريضة، رُسمت ملامح نهضة مغربية تجمع بين الأصالة والشموخ.

إنها المدينة التي لا تنام إلا على صدى نداءات المآذن وصافرات السفن العملاقة في مينائها المتوسطي، معلنةً أنها تظل، برغم تعاقب العصور، القلب النابض للتواصل البشري.

طنجة هي تلك اللوحة التي رسمها القدر بألوان الزرقة والبيوضة، وهي القصيدة التي لا تنتهي قوافيها، تفتح ذراعيها لكل من يبحث عن الجمال والحقيقة عند ملتقى البحرين. إنها باختصار، حكاية عشق أزلية، تبدأ من طنجيس الأسطورة ولا تنتهي عند طنجة الحاضر، بل تمتد كأفق البحر نحو مستقبل لا يعرف الحدود.

(واقفا تكتبني القصيدة

لا أملك شيئا غير استعارات

تحرسني من وهم الغياب الحزينْ

وأمتد بين أزقتها بالمدينة العتيقة

أقرأ تاريخ من مروا من هنا فاتحينْ

لست في استعجال كي أمضي

أنا هنا رهن القصيدة التي جعلت من طنجة

في عنفوانها ملاذا للعاشقينْ

أنا هنا رهن قراءة ما يخفيه التاريخ من حمال

عبر المكان، وسحر الجنائن القروءة في صمت البائحينْ)

تستحيلُ أيام طنجة في الذاكرة قصيدةً عصيةً على النسيان، تجتاحُ مكامن الروح وتترددُ أصداؤها فينا مع كل إشراقة ومغيب، كأنها ترتيلةُ انشراحٍ لا تنتهي. لم تكن تلك الأيام مجرد عابرِ زمن، بل كانت لوحاتٍ فنية رُسمت بمداد السكينة والارتياح، وخُطت نصوصها على شغاف القلب في حضن البحر الدافئ. ومع كل صيفٍ يلوح، يبعثُ فينا الشوقُ عهداً قديماً، فنهفو إليها كعاشقٍ أضناه الحنين إلى وطنٍ يسكنه، ويستبدُّ بنا ظمأٌ لا يرويه إلا دفءُ رمالها وصدرُ مياهها الزرقاء الفسيح. في كل ركنٍ من أركانها أودعنا وعداً باللقاء، وفي كل موجةٍ تركنا همساً لا يدرك كنهه إلا من ذاق معنا سحر تلك اللحظات؛ لحظاتٌ نُقشت في سويداء القلب كوشمٍ أبدي، ننتظرُ بزوغ فجرها من جديد لنحيي أفراحها الساحرة وتفاصيلها التي لا تغيب.

أكادير: 22 يوليوز 2025

 

شاعر من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً