أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / في الحاجة إلى قراءة نقدية تواكب وفرة الإنتاج الأدبي بكل أجناسه – الخبشي عبدالعزيز

في الحاجة إلى قراءة نقدية تواكب وفرة الإنتاج الأدبي بكل أجناسه – الخبشي عبدالعزيز

في الحاجة إلى قراءة نقدية تواكب وفرة الإنتاج الأدبي بكل أجناسه.

الخبشي عبدالعزيز*

يشهد المشهد الأدبي العربي عامة والمغربي خاصة، يشهد اليوم طفرة كمّية نوعية في مجالات الإبداع، سواء تعلق الأمر بالرواية أو الشعر أو القصة أو الكتابات الهامشية أو الرقمية، حيث باتت دور النشر تغص بعناوين جديدة كل موسم، وأصبحت المنصات الإلكترونية تعجّ بأصوات متباينة المشارب، متراوحة بين الاجتهاد والتقليد، وبين التفرد والتكرار. وإذا كانت هذه الوفرة مؤشرًا على دينامية إبداعية لا يمكن إنكارها، فإنها في الآن ذاته تطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة النقد على مواكبتها وتأطيرها، بل وتفكيك بنياتها ودلالاتها ومساءلة عمقها الجمالي والمعرفي.

لقد دأب الفكر الجمالي الحديث على التأكيد بأن الإنتاج الأدبي لا يكتسب قيمته داخل الحقل الثقافي إلا بقدر ما يتموضع في شبكة من القراءات التأويلية والنقدية التي تمنحه دلالته وتضعه ضمن سياق تطوره التاريخي. كما أشار بول ريكور إلى أن «النص لا يكتمل إلا بقرائه، وأن فعل التأويل هو ما يمنح المعنى شرعيته داخل دائرة الفهم» (ريكور، 2013). من هذا المنطلق، تصبح الحاجة إلى قراءة نقدية جادة ضرورة ملحّة في زمن لم يعد فيه النشر الأدبي مشروطًا بمعايير صارمة، بل بات مفتوحًا على كل الأهواء والأنواع.

غير أن هذه الحاجة لا يمكن أن تتحقق بمناهج سطحية تكتفي بمدح العمل أو ذمّه، بل تستدعي – في عمقها – مساءلة تركيبية للمتن الإبداعي، عبر تفعيل أدوات مستمدة من حقول معرفية متعددة: السيميائيات، والتحليل النفسي، والنقد الماركسي، والتأويل الهرمنوطيقي، ونظرية التلقي. فالنقد، كما يراه تيري إيجلتون، ليس مجرد «رأي ذاتي حول قيمة نص ما، بل ممارسة معرفية تتغذى من التاريخ والإيديولوجيا والبنية الثقافية للنص» (إيجلتون، 1996). وهنا يظهر العجز الفعلي الذي تعانيه المؤسسة النقدية العربية، حيث لا تزال غارقة في خطاب التمجيد أو الانتقاص، دون أن تنخرط في مساءلة عميقة تُنتج معرفة حول النص وتُعيد رسم علاقته بالمجتمع واللغة والتاريخ.

لقد أفضت وفرة الإنتاج الأدبي – في غياب قراءة نقدية جادة – إلى نوع من الفوضى التقييمية، حيث تُسوَّى الأعمال المتفاوتة في الجودة على أرضية واحدة، ويجد القارئ نفسه أمام طوفان من النصوص التي تفتقد إلى عمق لغوي أو رؤية فكرية، دون أن يجد في النقد ضالته لتوجيه بوصلة التذوق أو تشكيل الذائقة. وهذا ما يجعل من النقد مهمة فكرية لا تكتفي بالتصنيف، بل تنهض بوظيفة الفرز والتحليل وإضاءة المضمر.

ومن هنا، تصبح نظرية التلقي كما أسس لها هانس روبير ياوس حجر الزاوية في فهم آليات تلقي العمل الإبداعي، إذ إن «الأثر الأدبي لا يوجد إلا حين يُقرأ، ويتم استقباله ضمن أفق انتظار تاريخي وجمالي» (ياوس، 2014). وهذا يعني أن أي عمل أدبي لا يُقرأ نقديًا، يبقى ناقصًا ومبتورًا، بل ومهددًا بالذوبان في سوق الأدب الاستهلاكي.

إن الحاجة إلى القراءة النقدية تصبح أيضًا، في هذا السياق، حاجة إلى تأطير العلاقة المعقدة بين الأدب والسلطة والإيديولوجيا، وهي علاقة أضاءها إدوارد سعيد حين أبرز كيف أن «الخطاب الأدبي ليس بريئًا، بل هو مشتبك في علاقات القوة والمعرفة ومُنتج ضمن شروط ثقافية إمبريالية» (سعيد، 1997). وعليه، فإن قراءة الأدب لا تكتمل من دون مساءلة خلفياته الاجتماعية والسياسية والثقافية، سواء كان النص متخفيًا في الرمزية أو غارقًا في المباشرة.

وإذا كان جاك دريدا قد علمنا أن المعنى ليس ثابتًا، بل يتوالد ضمن سلسلة من الإرجاءات التي لا تنتهي (دريدا، 1988)، فإن القراءة النقدية الجادة مطالبة بتفكيك هذا التعدد والانفتاح، عبر الانخراط في لعبة الاختلاف والتأويل، لا من أجل فرض قراءة وحيدة، بل لإنتاج طبقات من الفهم تُثري النص وتحرّره من التلقي الكسول. فكل نص أدبي، بقدر ما هو منتَج، هو أيضًا حامل لتوترات داخلية تستحق أن تُقرأ بوصفها علامات على قلق المعنى وتعدد الدلالة.

أما النقد الماركسي كما نظّر له أنطونيو غرامشي، فإنه يجعل من القراءة فعلاً سياسيًا بامتياز، يضع النص في علاقته بالبنيات الاقتصادية والاجتماعية، ويقرأه كحقل للصراع الطبقي والإيديولوجي (غرامشي، 1984). وهذا ما يُمكِّن من ربط الإنتاج الأدبي بالبنيات العميقة للمجتمع، بدل الاكتفاء بالقراءة الشكلانية التي تفصل النص عن شروط إنتاجه وتداوله.

إن هذه الخلفيات النظرية ليست ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة منهجية لفهم غنى الحقل الأدبي العربي وتنوعه، خاصة في زمن باتت فيه الحدود بين الأجناس تتقاطع، وتنهار فيه التصنيفات القديمة بين السردي والشعري، وبين الواقعي والمتخيل. وهنا تظهر الحاجة إلى ناقد يمتلك أدواته المعرفية، ويستطيع اجتراح أسئلة جديدة تُعيد مساءلة النص في ضوء معطيات السياق والقراءة والتلقي.

في ظل هذا الواقع، لا يمكن للقراءة النقدية أن تظل حبيسة النخب الأكاديمية أو الأطر الجامعية، بل عليها أن تنفتح على فضاءات التداول الجديدة: المدونات، وسائل التواصل، المجلات الرقمية، وكل أشكال الفضاء العمومي الثقافي. فالرهان اليوم ليس فقط على إنتاج نقد متخصص، بل على خلق دينامية تأويلية جماعية تُعيد ربط الأدب بالمجتمع، وتُخرج النص من عزلته الرمزية إلى اشتباك فعلي مع قضايا الناس وهمومهم الجمالية والوجودية.

ومن ثم، فإن مستقبل النقد العربي رهين بقدرته على تجديد أدواته ومفاهيمه، وعلى الانفتاح على المناهج الحديثة دون السقوط في الانبهار السطحي أو الاستنساخ، وعلى إقامة حوار خلاق مع الإبداع، لا بوصفه سلطة تقويم، بل باعتباره شريكًا في إنتاج المعنى. فما أحوجنا اليوم إلى ناقد يقرأ بعين متسائلة، لا مبهورة، يُحلل لا يُمجد، يُثير الأسئلة لا يُسكتها، ويُعيد الاعتبار للعقل النقدي بوصفه جوهر كل فعل ثقافي حر.


الهوامش البيبلوغرافية:
1. بول ريكور، الصراع التأويلي، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2013.
2. تيري إيجلتون، مدخل إلى نظرية الأدب، ترجمة: جابر عصفور، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1996.
3. جاك دريدا، في علم الكتابة، ترجمة: محمد بنيس، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1988.
4. إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997.
5. هانس روبير ياوس، من أجل جمالية التلقي، ترجمة: رشيد بنحدو، منشورات الاختلاف ودار الأمان ومنشورات ضفاف، 2014.
6. أنطونيو غرامشي، كراسات السجن – مختارات، ترجمة: فواز طرابلسي، دار الفارابي، بيروت، 1984.

 

كاتب من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً