حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

حلاق قريتي

عمر أيت سعيد*

 

يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة التي لا تَفارق محيّاه. إنه “باسو”، حلاق قريتي، الذي حوّل مهنته إلى لوحة فنية يُبدع فيها كل يوم.

هذا الرجل العجيب يعشق مهنته عشقاً نادراً، فهي ليست مجرد قصّ شعر أو تهذيب لحية، بل هي جزء من فنّه المتعدّد الأوجه. منذ سنوات طويلة وهو يمارس هذه الحرفة، لكنه لا يمارسها كحرفة بل كطقسٍ جمالي. يخلق الجمال على وجوه الناس ورؤوسهم، فيبدأ حصة كل زبون بابتسامة وتنتهي بابتسامة، وبين الابتسامتين ما هو أجمل وأرقى – إنه الفنّ الخالص.

يستمع باسو إلى هموم الصغار والكبار، فيتحول من حلّاق فنان إلى طبيب نفسي يُداوي الآلام بالإنصات والإحساس. عندما يعمل مقصّه في شعر زبونه، يُسمعه من موسيقاه المفضلة، فيشعر الزبون براحة لا توصف ومتعة لا تُضاهى. كيف لا وهو يخاطب العقل ويداعب القلب بأنغام ملتزمة تدافع عن القيم والتراث والثقافة والهوية.

ما أحوجنا في زمن التفاهة هذا إلى أبطال مثل باسو، أبطال يزرعون الورود والجمال أينما حلّوا، يصوّبون أفكار الناس ويعالجونها من شظايا التفكير السلبي. “ar ittalel i mddn tiwngimin” – هكذا يقول أهل قريتنا عنه.

لا يقتصر إبداع باسو على فن الحلاقة، بل يمتد إلى فن المسرح والأغنية الملتزمة. فهو فنان أمازيغي أصدر عدة ألبومات وقصائد لمع نجمه فيها. يعمل حالياً على تسجيل ألبومه الرابع، الذي يتناول في مواضيعه الذاكرة الجماعية، وحب الأرض، والهوية، والحب، والسلام، ويدافع عن كرامة الإنسان في “أسامر” وفي كل بقاع “تامازغا”.

مارس باسو الفن منذ التسعينيات، لكنه لم يؤسس فرقته الفنية الخاصة إلا في سنة 2006. ومن الرسائل التي يسعى لتبليغها دعوته إلى ضرورة الاعتناء بالأبناء من خلال التربية والتعليم، فلا شيء يستطيع إنقاذهم غيرهما. كما يدافع باستماته عن هويته الأمازيغية في أغانيه، وينصح الشباب المقبلين على الممارسة الفنية بضرورة الابتعاد عن المخدرات بكل أصنافها، حفاظاً على صحتهم وموهبتهم. فالفن وحده كفيل بتغذية الروح وخلق مساحات للتعبير والتفاعل والمتعة والمرافعة.

ويستمر باسو – الحلاق المغني – في عطائه الغزير، متنقلاً بين مقصّه وميكروفونه، مؤمناً بأن لا حدود بين الفنون، فالفن بصفة عامة هو إفشاء للحب من أجل الاستمتاع بمباهج الحياة. وفي كل مرة أرى طفلة صغيرة تقصّ ضفيرتها الأولى على يديه، أو شاباً يغادر صالونه وقد أشرق وجهه، أتأكد أن في قريتنا ملاكاً حارساً للجمال.

باحث في الأمازيغية من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

اَلْهَايكُو كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ – الجزء الثالث – توفيق أبو خميس

توفيق أبوخميس* إذا كانت الكتابة هي الطريق إلى الشعور بالحرية، فإن أول ما قد يواجهه …

اترك تعليقاً