إيگودار: قصيدة ظلال الذاكرة الجماعية

الحسَن الگامَح*
على سبيل البدء:
تعتبر المخازن الجماعية، أو ما يُعرف بالأمازيغية باسم إيگودار (مفردها أگادير)، واحدة من أذكى وأعرق النظم المعمارية والاجتماعية التي عرفها التاريخ البشري، وتحديداً في مناطق جبال الأطلس وسوس بالمغرب. هي ليست مجرد بنايات حجرية، بل هي بنوك آمنة صممتها القبائل منذ قرون لحماية ممتلكاتها من النهب والظروف الطبيعية القاسية.
تعتمد فلسفة هذه المخازن على التدبير المشترك؛ حيث تشيد القبيلة بناية حصينة فوق قمة جبل أو في مكان يصعب الوصول إليه، وتُقسم داخلياً إلى غرف صغيرة (حجرات) تملك كل أسرة واحدة منها. في هذه الغرف، كان يتم تخزين النفائس من حبوب، وزيوت، وحلي، وحتى الوثائق والظهائر الملكية والعقود العدلية، مما جعلها بمثابة صناديق أمانات تقليدية.
من الناحية المعمارية، تدهشنا هذه الحصون بقدرتها على الصمود أمام الزمن؛ فهي تُبنى بمواد محلية بسيطة مثل الحجر والطين وخشب الأرز أو الأركان، لكن بتصميم هندسي معقد يتضمن أبراجاً للمراقبة وممرات ضيقة تسهل الدفاع عنها. وتبرز في جدرانها تلك الأدراج الحجرية التي رأيناها في صورة الفنان سعيد أوبرايم، وهي وسيلة ذكية للتنقل بين الطوابق دون الحاجة لسلالم خشبية قد تُسرق أو تُحرق.
أما الجانب الأكثر إثارة للإعجاب، فهو النظام القانوني الذي يسيرها؛ فلكل مخزن جماعي أمين (لأمين ن وگادير) ومجلس يدير شؤونه يُعرف بـإنفلاس، يضعون قوانين صارمة (ألواح) تحدد حقوق وواجبات كل فرد، مما يعكس رُقي الفكر التعاوني وقدرة الإنسان الأمازيغي على خلق مؤسسات ديمقراطية محلية لتدبير الندرة والأزمات.
اليوم، لم تعد هذه المخازن تؤدي وظيفتها الأصلية في التخزين، لكنها تحولت إلى رموز ثقافية وسياحية عالمية تشهد على عبقرية الإنسان في التأقلم مع بيئته الجبلية، وهي تراث إنساني يستحق الصون والترميم ليبقى شاهداً على تاريخ من الصمود والذكاء.

القراءة الفنية:
تعتبر هذه الصورة الفوتوغرافية للفنان سعيد أوبرايم وثيقة بصرية مذهلة تختزل عبقرية العمارة الأمازيغية التقليدية، وتحديداً إيگودار التي تُعد من أقدم النظم البنكية والاجتماعية في العالم. اعتمد الفنان في تكوينه على المنظور المركزي حيث يلتقي الخطان المتوازيان للمبنيين في نقطة تلاشٍ يقبع فيها برج المراقبة في الخلفية، مما يمنح المشاهد شعوراً بالرهبة والشموخ وكأن الممر يقودنا إلى عمق التاريخ وليس فقط لعمق المكان.
ما يميز هذه اللوحة هو الإيقاع البصري المتكرر لبروزات الأدراج الحجرية التي تخرج من الجدران، وهو تكرار يخلق حركة تجعل العين تنتقل بانسجام بين الطوابق، مما يعكس النظام الدقيق والصارم في التصميم المعماري الأصلي. تهيمن على الكادر الألوان الترابية الدافئة كالأصفر المغري والبرتقالي والبني، وهي ألوان الأرض المغربية التي تعزز فكرة الاندماج مع الطبيعة، فالمبنى يبدو وكأنه نبت من الصخر لا غريباً عنه.
استخدام الإضاءة النهارية الغامرة في الخلفية جعل السماء تبدو ناصعة، مما سلط الضوء بشكل كامل على التفاصيل الدقيقة للأحجار والشقوق، وأبرز الملمس الخشن للمواد الطبيعية. وتبرز الرمزية هنا في تلك الأدراج التي تظهر كأجنحة حجرية كانت تُستخدم للوصول إلى الغرف العلوية لتخزين الحبوب والزيوت والممتلكات الثمينة، بينما يمثل البرج القابع في المركز عنصر الحماية والأمان، محولاً المكان من مجرد مخزن إلى حصن منيع يعكس قيم التضامن الجماعي.
لقد نجح سعيد أوبرايم في تحويل موقع أثري صامت إلى لوحة حية تنبض بالحكايات؛ فمن خلال اختيار زاوية تصوير مدروسة، جعل العمارة تبدو عملاقة ومهيبة، مما يعيد الاعتبار لهذا الموروث الثقافي ويخرجه من حيز التوثيق الجاف إلى رحاب التقدير الجمالي المعاصر، محتفياً بما يمكن تسميته هندسة البقاء التي تتحد فيها الحجارة والطين مع عين الفنان الخبيرة.
الرسالة الفنية:
تكمن الرسالة الفنية في هذه اللوحة الفوتوغرافية في الاحتفاء بـ عبقرية البقاء وتقديم انحناءة تقدير لذكاء الإنسان الذي استطاع تطويع الجغرافيا القاسية لتحويلها إلى نظام اجتماعي ومعماري متكامل. فالفنان لا يقدم مجرد توثيق لجدران صامتة، بل يبعث رسالة حول قوة الجماعة؛ حيث تعكس هذه الغرف المتراصة والمتلاصقة قيم التضامن الأمازيغي القديم، وكيف كان الخزن المشترك وسيلة لمواجهة الندرة والمخاطر.
من جانب آخر، تحمل اللوحة رسالة جماليات الصمود؛ فمن خلال إبراز ملمس الحجر وتآكل الجدران بفعل الزمن، يذكرنا الفنان بأن الجمال لا يكمن فقط في الحداثة، بل في الندوب التي يتركها التاريخ على وجه الأثر. هي دعوة بصرية لإعادة اكتشاف الهوية المغربية العميقة، والتأمل في العلاقة المتناغمة بين المادة (الطين والحجر) والروح (النظام والقانون الجماعي).
وتتجلى الرسالة أيضاً في الارتقاء الذي ترمز إليه تلك الأدراج الحجرية البارزة؛ فهي ليست مجرد سلالم، بل هي مسارات للصعود نحو الأمان، تجسد طموح الإنسان لتأمين لقمة عيشه وحقوقه في فضاء محصن بذكاء هندسي يسبق عصره. باختصار، اللوحة هي جسر بصري يربط بين عظمة الماضي ووعي الحاضر بضرورة الحفاظ على هذا الإرث الإنساني الفريد.
الرسالة الإنسانية:
تتجلى الرسالة الإنسانية في هذه اللوحة الفوتوغرافية في الاحتفاء بقيم التضامن والعيش المشترك؛ فهذه المخازن الجماعية (إيگودار) ليست سوى مخازن للحبوب، بل تجسيداً مادياً لمفهوم الأمان الجماعي. الرسالة هنا تقول إن الإنسان، مهما بلغت قسوة بيئته الجبلية وشح مواردها، استطاع بذكائه الفطري أن يخلق نظاماً يحمي فيه الضعيف قبل القوي، حيث تتشارك القبيلة بأكملها في حراسة لقمة عيشها وتأمين مستقبلها.
كما تحمل اللوحة بعداً إنسانياً عميقاً يتعلق بالأمانة والتعاقد الأخلاقي؛ فكل حجر وكل باب في هذا الممر الضيق يمثل عهداً غير مكتوب بين الأفراد والمجتمع. هي رسالة تذكرنا في عصرنا الحديث بأن التنظيم الاجتماعي المحكم القائم على الثقة المتبادلة هو الحصن الحقيقي ضد الأزمات، وأن العمارة في جوهرها ليست إلا وعاءً للقيم الإنسانية النبيلة.
أيضاً، تبرز في اللوحة رسالة الارتقاء والجهد الإنساني من خلال تلك النتوءات الحجرية التي تتطلب مهارة وتوازناً للصعود؛ فهي ترمز لقصة كفاح الإنسان الأمازيغي اليومي من أجل البقاء بكرامة. الفنان هنا يخلد عرق الأجداد وصبرهم، داعياً المشاهد لتقدير ذلك الموروث الذي يمثل الهوية المتجذرة في الأرض، والتي صمدت لقرون كشاهد على إرادة لا تنكسر.
على سبيل الختم:
تظل هذه اللوحة الفوتوغرافية للفنان سعيد أوبرايم توثيقا بصريا واستنطاقا للحجر واستحضار لروح الجماعة التي شيدت هذه الحصون. هي رسالة تذكير بأن العمارة الحقيقية هي تلك التي تُبنى من قيم التضامن والأمانة، وأن ذكاء الأجداد في تدبير الندرة يظل درساً إنسانياً خالداً يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا، ليبقى أگادير شاهداً حياً على عبقرية الابتكار في قلب العزلة.
باحث في الجماليات من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي