الحفر التاريخي والبناء الحكائي في آداب الهجرة قراءة في كتاب “تخييل الهجرة السرية “[1] للباحث عبد النبي ذاكر

محمد شوكري*
توطئة
تمتلك نصوص الهجرة -على غرار نصوص الارتحال والسفر- إمكانية كبرى على استيعاب وتوثيق وتسجيل كل ما له علاقة بالأمكنة والأزمنة والفضاءات…[2] وتمتلك كذلك قدرة كبيرة على إبراز المعطيات الاجتماعية والثقافية والسياسية والحقوقية… كما تمتاز بقدرتها على الفضح وإبراز التناقض الصارخ بين المصرّح به نظريا والمعمول به عمليا من لدن الحكومات والمسؤولين.
إن نصوص الهجرة -وخاصة الهجرة السرية- نصوص كاشفة للمستور، وفاضحة للهوة الفاصلة بين القول والفعل، لهذا فإن اللجوء إلى الكتابة يعتبر هجرة من النص الرسمي (النص الذي يمتح من المرجعيات الحقوقية) الذي تتغنى به الدول إلى النص المسكوت عنه (النص الذي يمتح من ثقافة العنصرية والرفض والإيذاء…) الذي تطبقه فعليا في حق المهاجر السري[3]. غير أن كاتب آداب الهجرة لا ينقل النص المسكوت عنه نقلا مباشرا؛ لأن النقل المباشر يهدد بجعل نصه خطابا سياسيا، وإنما يغنيه بالتخييل، وتحقيق ذلك يتطلب الاشتغال على محورين متداخلين؛ محور الذاكرة (الوقائع والأمكنة والأزمنة…) ومحور التخييل (الصناعة الأدبية بشكل عام)، ويأمل الكاتب/ صاحب تجربة الهجرة السرية من خلال الاشتغال عليهما أن يتمكّن من الانفلات من سلطة الصور المريرة التي تعتقل ذاكرته، خاصة وأن إعادة تشكيل الذاكرة وكل ما يرتبط بها من صور أمر محتمل الوقوع، ما دامت الكتابة تستجيب لشروط المتخيل وحاجيات الكتابة الأدبية.

1- الحفر التاريخي أو حديث الذاكرة المعتقلة
يغوص الباحث عبد النبي ذاكر في تاريخ الهجرة بين الضفتين- الجنوبية والشمالية- حتى يربط الأمس باليوم، فيجد أن من نهاجر اليوم- نحن المغاربة- نحو ديارهم شكلنا يوما ما قبلة لهجرتهم؛ فقد هاجر الإسبان نحو بلادنا بالأمس القريب، وذاقوا بذورهم لعنة الهروب من واقعهم المرير…[4]
حفر الباحث في نصوص التاريخ حتى يكشف عن صور معاناة وردت على لسان مواطنين اسبان اختاروا قوارب الموت بدل البقاء في بلادهم، فتشتتوا في ربوع العالم حتى صاروا” شعبا لا تغرب عنه الشمس، وليس إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس”. فوظّف عبد النبي ذاكر لغة ساخرة[5] حتى يدعو الغير- الإسباني- المتعجرف صاحب الذاكرة القصيرة لتذكر ما فات، وحتى يلزمه بطرح سؤال إنساني مفاده: كيف نحمي المهاجر الهارب من هناك؟ وماذا نفعل حتى لا تتكرر المأساة التي سبق لنا أن عشناها في لحظة تاريخية سابقة؟
عاش الشعب الإسباني إلى حدود الأمس القريب وبالذات في عهد الجنرال فرانكو صورا فظيعة من المعاناة والألم… كما عاشت شعوب أوروبية أخرى المعاناة نفسها وذاقت الخوف والحرمان واليأس والحزن والعبودية… فبحثوا جميعا في أراضينا حينهاعن مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم… فما أشبه أمسهم بيومنا. لكن لماذا ذاكرة البشر تتناسى الحقائق؟ لماذا يستعلي الإنسان على أخيه الإنسان على الرغم من أن التجربة الإنسانية مشتركة؟
يناقش المؤلف ظاهرة الهجرة بخلفية تاريخية، فيؤكد أن العمران والحضارة لا يسودهما منطق الاستمرار الأبدي في الزعامة والتحكم، فقد دارت دورة الهجرة فأصبحنا مهاجرين والغير مستقبل، فصارت الأجساد تتدفق على إسبانيا بشكل رهيب، لكن قد تتحول المعطيات من جديد مادامت مقولة “مكر التاريخ” أكدت مصداقيتها؛ فقد يعيد التاريخ دورته مرة أخرى ليجعل من الضفة الجنوبية مستقبلة ومن الضفة الشمالية طاردة للأجسام والأحلام.
ينقل الكتاب المعاناة التي يعيشها المغربي في إسبانيا، فيكشف عن جذورها التاريخية، التي جعلت من المغربي عدوا غير مرغوب فيه، كما يفعل الإسباني تجاه المغربي، وذلك بسبب الحروب والمعارك التي خاضاها ضد بعضهما حتى صارت ذاكراتهما معتقلة… وقد زادت وسائل الإعلام، خاصة الإسبانية، تغذية العداوة بين الشعبين عبر اتباعها سياسة التحريض وترسيخ الإحساس بالخوف والاحتراس من كل ما هو مغربي.
إن صورة المغربي مخيفة في المخيال الإسباني، فالمورو ماكر، وزير نساء، ومخادع، وقاس، وهمجي، وشرس، وجائع، ومتهم دائما، وعاشق للموت، ومحب للمال لهذا يعمل ولا يأكل، ولا يعترف بقانون ولا بدين ولا بسلم ولا بملك… إنه وحش أدمي … يسبر الباحث أغوار الصور الثقافية التي تعتقل ذاكرة الشعبين، فيورد نصوصا لكتاب إسبان يصفون فيها المغربي بأقدح الأوصاف… هذه الأوصاف الرائجة ليومنا هذا، بفعل مفعول الذاكرة المثخنة بالماضي وصراعاته، صور تقويها وسائل الإعلام والمصالح السياسية المتضاربة… ليكون الضحية في نهاية المطاف هو المهاجر القادم من الجنوب عامة والمغربي خاصة.
2- تجليات التخييل ومراحل بنائه الحكائي
بعد أن أكد الباحث عالمية الكتابة في آداب الهجرة، وعالمية ظاهرة الهجرة، وأبرز جذور الصور الثقافية التي يحملها الإسباني والمغربي عن بعضهما البعض… انتقل ليتناول بالدرس والتحليل كتاب “يوميات مهاجر سري”[6]، لصاحبه رشيد نيني الذي عاش تجربة الهجرة السرية، وكان من أوائل الأقلام المغربية التي تحدثت عن هذه المأساة الإنسانية.
بحث الباحث عبد النبي ذاكر عند دراسة يوميات رشيد نيني عن مظاهر التخييل في آداب الهجرة ومراحل بنائه الحكائي، فحدّدها في ست لحظات، هي:
أولها، لحظة التأهب وما قبل السفر: يحاول المهاجر في هذه اللحظة أن يقدم أجوبة عن سؤاله الحارق: لم الهجرة؟ فيسعى إلى أن يقنع نفسه بجدوى اختياره الاضطراري، لهذا تجده يشخص واقعه المرير ويعريه، خاصة وأنه واقع لا يعترف بالكفاءة والعدل والحريات…
ثانيها، لحظة الانطلاق: سماها الباحث بلحظة بداية المغامرة وانقطاع الحبل السري، لأن الهجرة قد لا تنتهي بموت بيولوجي، فلربما تنجح تجربة الوصول إلى يابسة الضفة الأخرى.
ثالثها، لحظة اللقاء: حيث يلتقي المهاجر مع من كان يخالها فردوسه المنشودة، تلك الفردوس التي تشيح بوجهها عنه ما إن تطأ قدماه أرضها، وهنا تبدأ أول مؤشرات المعاناة في العالم الجديد.
رابعها، لحظة الإقامة السرية: التي تحمل كل مظاهر القساوة والانمحاء والخوف والحذر… فالمهاجر شخص سري عليه الاختباء والانكماش… فأقل ظهور قد يهدد تجربته بالفشل. ومن المعروف أن من متطلبات السرية التخلّص من الماضي وخاصة من كل ما يعلن عن الهوية الأصلية، لهذا يضطر المهاجر إلى حرق أوراقه الرسمية[7].
خامسها، لحظة الحنين: بعد اشتداد الألم يطفو الحنين إلى الوطن، صحيح أن الحنين لم يكن غائبا عن المهاجر منذ اللحظة الأولى التي قرّر فيها الهجرة إلا أنه يشتد بعد أن تتعرض أحلامه للكسر وأنفاسه للخنق… إن الحنين خصم الهجرة الأول وبسببه تقع العودة، لكن هل العودة تعبير عن الفشل؟ هل هي فشل للجسد أم فشل للروح؟ أم مصالحة مع الأنا؟
حلّل عبد النبي ذاكر في الفصل نفسه رواية “الحراكة ” للماحي بنبين[8]، وتساءل عن مراحل بنائها الحكائي، فانتهى إلى تحديدها في ست مراحل كذلك، هي التالية، الأولى: ترقب الليلة الموعودة، والثانية: سلطة المهرب، والثالثة: شعريات لمحكي الألم، والرابعة: شعريات لمحكي الأمل، والخامسة: لحظة الحريق، والسادسة: لحظة الانمحاء.
يلاحظ تقارب كبير بين لحظات البناء الحكائي في المؤلفين- رواية الحراكة ويوميات مهاجر سري- اللذين ينتهيان بلحظة العودة إلى الوطن، لكن قبل العودة يتعلم المهاجر كيف يصبح غير مرئي وكيف يلتصق بالحيطان ويقبر عزة النفس… يتعلم كيف يكون ظلا غارقا في الحشد وكلبا نائما ومجرد صرصور… إنه الانمحاء، أي الذل، فـ”الحكرة” نفسها التي جعلته يغادر بلاده يتعلمها هناك ليعود بها إلى وطنه مضاعفة، فأي معاناة أكبر من هذه: أن تجد الجنة جهنما؟ وأن تبني قصورا من رمال؟ وأن تلاحق سرابا؟ أي حياة قاسية هذه تجبر الإنسان على مضاعفة الذل في داخله؟
لم يتناس الباحث وهو يسبر أغوار آداب الهجرة السرية أن يتحدث عن محترفيها، فلكل مهنة محترفوها، وتجارة المعاناة- من قبيل تجارة الهجرة السرية- تنتعش لحظة الحروب والأزمات… فالمهرب تاجر الهجرة وصاحب سلطة ومصاص دماء المحتاجين… لكن هل هو فعلا كذلك؟ لقد واجه الباحث عبد النبي ذاكر أللامفكر فيه في ظاهرة الهجرة عبر طرح سؤال مسكوت عنه مفاده ما يلي: من هو المهرب الحقيقي؟ هل هو من يقود قوارب الموت؟ أم هي البلاد التي تسلب أبناءها أبسط حقوقهم؟ فتجبرهم على الهجرة؟ فأي منهما يحترف حرفة الموت فعلا؟
يسافر المهاجر السري كما يسافر الرحالة، فالسفر يشكّل بنية الرحلة كما يشكّل بنية آداب الهجرة، إلا أن الفرق بين السفرين شاسع جدا، فالرحالة قادر على اختيار وجهته… بينما يُفرض على المهاجر السري سفر قسري من دوافعه الأساس البحث عن لقمة العيش… ويتولّد عن اختلاف السفرين هوة تفصل بين الرحالة والمهاجر، فالأول ينطلق في سفره مستمتعا، لهذا يدرك ذاته من خلال التعرف على بلاد الآخرين… بينما يبدأ المهاجر السري سفره منكسرا، لهذا يفقد ذاته كلما زادت مدة هجرته في بلاد الغير…
تركيب
أشار عبد النبي ذاكر في كتابه إلى مجموعة من الكتب العالمية التي اتخذت من تجربة الهجرة موضوعا لها. مؤكدا أن الهجرة ظاهرة عالمية، لا تقتصر على شعب دون آخر، وبناء عليه طرح السؤالين التاليين: هل ما تحتويه المواثيق الدولية الحالية من قوانين وما تنص عليه من حرية التنقل يجد ما يؤكده على أرض الواقع؟ وهل الحواجز والعوائق الموضوعة أمام البشر استطاعت أن تعيق تدفق الأجساد الحالمة والهاربة من اليأس والظلم والفقر والجوع…
تتبع عبد النبي ذاكر الخطوات الحكائية التي بُني عليها كتابي “يوميات مهاجر سري” ورواية “الحراكة”، فغاص في أعماق نصوصهما مبرزا عمق تجربة الهجرة السرية وقساوتها، وأكد أن آداب الهجرة السرية نقد لاذع للواقع المعيش، ورفض جذري لمعطياته الظالمة. فالهجرة السرية في عمقها دعوة للتغيير وإعلان للمعارضة ضد الاستعباد والفساد وكل أشكال الذل والاستغلال… إلا أن الهروب -مع كامل الأسف- من الوطن القاسي المذل لأبنائه نحو الضفة الأخرى لا يعني الخلاص من الذل والعار، وإنما قد يعني أحيانا كثيرة تضاعفهما وتزايد حجمهما؛ فبين الواقع الرديء والأمل الصادم يتبخر الحلم فيظل المهاجر معلقا، فلا يجد حلا إلا العودة إلى وطنه الأصلي الذي غادره مضطرا، فيختار في آخر المطاف معاناة بلاده وجراحها على معاناة بلاد الغير وجراحها.
مزج الباحث في دراسته للكتابين بين المنهج البنيوي والمنهج التاريخي، واستعان بخلفيات حقوقية وسياسية، كما انطلق من حس إنساني مرهف، فاستطاع بذلك أن يبين أن البحث في آداب الهجرة هو بحث فيما هو إنساني ونفسي وثقافي واجتماعي واقتصادي… وأن الخوض في آداب الهجرة يتطلب القدرة على المواجهة وتعرية الواقع المصدر للهجرة، وفضح حقيقة الغير مدعي الديمقراطية والعدل والإنصاف… كما يتطلب القدرة على مساءلة الضمير الإنساني وحثه على طرح الأسئلة المسكوت عنها واللا مفكر فيها. لهذا فقد كان كتاب “تخييل الهجرة السرية” بمثابة بحث في ملحمة العصر، ومساءلة للبشرية ودورها في حماية المهاجرين، وغوص في الصورة الثقافية المعتقلة للذاكرة الجمعية، وتأكيد لوحدة تجربة الهجرة التي تبقى ظاهرة كونية وبشرية… لا يمكن بأي حال من الأحوال معالجتها وفق مقاربة أمنية/ بوليسية صرفة.
المراجع
[1]– عبد النبي ذاكر، تخييل الهجرة السرية، منشورات المركز المغربي للتوثيق والبحث في أدب الهجرة، الطبعة الأولى2013م.
[2]– عبد الرحيم مؤذن، الرحلة في الأدب المغربي؛ النص-النوع-السياق، منشورات أفريقيا الشرق، 2006، الدار البيضاء، ص81.
[3]– لاحَظَ الأديبُ والمفكر الإسباني خوان غريتيصو أنه على الرغم من أن المجتمع الإسباني اختار النظام الديمقراطي إلا أنه لا يزال بعيدا عن العقلية والمنطق الديمقراطيين، ولعل ما يؤكد ذلك هو طريقة تعامله مع المهاجرين وأحكامه المسبقة تجاههم. للتوسع أكثر أنظر عبد الواحد أكمير، الهجرة إلى الموت، إسبانيا وأحداث إليخيدو، تقديم العربي المساري، منشورات الزمن، العدد28، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001م، ص23.
[4]– للتوسع أنظر أحمد إحدوثن، المغرب وإسبانيا -الهجرة والتعليم والتربية-، منشورات سلسلة شراع، العدد47، 15 يناير1999. ص26، وما بعدها.
[5]– يذهب عبد النبي ذاكر إلى أن اللغة الساخرة شديدة الارتباط بالنظرة إلى الغير، وتحضر كمحسن بلاغي وتقنية كتابية لها وظيفة احتمالية، العين الساحرة أقنعتها وقناعاتها في الرحلة العربية، منشورات المركز المغربي للتوثيق والبحث في أدب الرحلة، مطبعة الكماني، الدشيرة الجهادية، 2000م، ص9، وما بعدها.
[6]– رشيد نيني، يوميات مهاجر سري، منشورات عكاظ، الرباط، الطبعة2، 2005م.
[7]– تساءل الباحث عبد النبي ذاكر قائلا: ما علاقة الهجرة بالحرق؟ ما العلاقة بين حرق طارق بن زياد قوارب جنده وحرق المهاجر أوراقه الثبوتية؟ لماذا يلاحق الحرق العربي/ المسلم/ الإفريقي كلما لمست قدماه أرض تلك الضفة؟ وأضاف قائلا: إن الحرق مرحلة لابد منها في الهجرة السرية، فهو سيمة بارزة وخصيصة تشكل جوهر الهجرة السرية؛ فالمهاجر يركب قوارب الموت ويحرق أوراقه الرسمية… بل ويحرق بدنه كذلك حتى يثبت أنه لا يزال موجودا… وبذلك يصير الحرق بمثابة عقيدة للمهاجر السري. لكن مع ذلك فالحرق يقتصر على محو ما يثبت الانتماء الجغرافي والسياسي دون الروحي، إذ يظل الوطن متواجدا في وجدان المهاجر، الذي ينتظر بشغف لحظة الانبثاق ليعود من جديد إلى وطنه ويخرج من سريته وضعفه. وإن كان الحرق خصيصة بارزة في آداب الهجرة السرية فإننا نجد في المقابل أن المحو خصيصة بارزة في آداب الرحلة، فالرحالة على الرغم من حرية التنقل التي ينعم بها ونعمة الاختيار التي حباه الله بها إلا أنه يختار أن يصمت عن أشياء كثيرة، ويمحوها من ذاكرته: فقد يمحو سيرته ونسبه ومشاهدات كثيرة صادفها في رحلته… للتوسع أنظر، عبد النبي ذاكر، بلاغة المحو في رحلة ابن بطوطة، منشورات المركز المغربي للتوثيق والبحث في أدب الرحلة، مطبعة أنفو- برينت، فاس، الطبعة1 ( ب ت)، ص6 إلى ص39.
[8]– Bienebine, Mahi, Cannibales, casablanca, Editions le Fennce, 2001.
باحث في تحليل الخطاب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي