الرئيسية / الأعداد / نقد المحاباة – محمد دخيسي أبو أسامة

نقد المحاباة – محمد دخيسي أبو أسامة

مختبر النص

نقد المحاباة

محمد دخيسي أبو أسامة

 

تختزل المسافة بين الإبداع والنقد المساحة الفارغة التي تؤلف العلاقة بين الارتجال والتقنين. لذلك لا يمكن الحديث عن الإبداع في أي مجال دون ربطه بالتلقي المزامن للقراءة، والنقد الموازي للقراءة التفاعلية والنص (كيفما كان نوع الخطاب المتضمن له).

المسافة بين الإبداع والنقد، لا تختزل الكلمات، أو تقدم النص بصورة ثانية؛ بقدر ما تحيِّنه لتشجع القارئ على الالتفات إليه والتعامل معه.

بعد هذه الإشارات الخفية، نصل إلى الحقيقة التي نرجو تقديمها في هذه الورقة السياقية[1]، حيث من المفروض أن نستمر مع الصيرورة الثقافية العامة التي تتوخى تقديم القراءات النموذجية للنصوص المنشورة؛ شعريا، أو سرديا، أو أي نوع من الخطابات الأخرى.. غير أن الواقع يكشف في كثير من الأحيان عن سلطة الواقع الرقمي الذي شكل علاقة جديدة بين المبدع والمتلقي. فكثير من النصوص المبثوثة على صفحات التواصل الاجتماعي أصبحت تعرف نوعا من ردود الفعل المختلفة، لا نقول عنها إنها ردود فعل النقد، أو القراءة التفاعلية ا لجدية؛ بقدر ما تطرح من جديد المفهوم القديم للنقد الانطباعي حينا، نقد المحاباة كما ارتأينا أن نطلق عليه.

فما المقصود أولا بالنص التفاعلي أو الرقمي؟ وما العلاقة التي تربط بين الكاتب والقارئ في ظل هيمنة هذه النصوص؟؟

من المفروض أن يجد القارئ ما يسوِّغ له التماهي والنص، لذلك فلا بأس، من الاقتراب أكثر من النص التفاعلي، أو النص الإلكتروني، أو النص الرقمي[2]. ويمكن أن نقدم صورة أولية تعريفا بهذا النوع من الكتابة.

النص الالكتروني هو الوسيط الذي يحمل دلالات الإبداع والنقد عبر شاشة محمولة أو مكتبية، تجعل المتلقي جالسا أمام النص متفاعلا معه، من حيث تتبعه أولا، ثم مناقشته مباشرة، أو التعبير عن موقفه منه بالرد أو التصحيح أو التشكيل ثانيا. وبالتالي غدا النص ملكا للقارئ في أفق تحويل مضموني، أي تحوير المحتوى حسب موقف الناقد/ القارئ دون انتظار فتح منابر النشر والرد.

1- أبعاد النص الرقمي:

أضحت الكتابة في مجال الإبداع الالكتروني جامعة لجوانب عدة منها الأدبي والعلمي والتقني، وقد تتعدد الأبعاد الصياغية للنص الالكتروني أيضا من حيث القيم والبحث عن الأفكار الموازية ثم من جانب الإبداع، إذ تحول القارئ في لحظة وجيزة إلى مبدع ثان للنص على غرار ما كانت تطمح إليه نظرية التلقي.

2- التحولات النصية الرقمية:

من ذلك كان انتقال النص من الشكل التقليدي إلى الحداثي إلى الرقمي تدريجيا، فاتسم بانفتاح المتلقي على النص (سمعيا وبصريا وتفاعليا)، فأنجزت نقدا للإدراك المعرفي (المعلومة)، وغيرت وضعية المتلقي (الساكن) إلى حركية منوعة باستغلال البرامج والمعلوميات.

من خلال هذه الوظائف يمكن تسجيل كون النص الالكتروني (الأدبي) يتميز بخصوصيات متعددة نلخصها في النقط التالية:

– انفتاحه على عالم التواصل والاتصال.

– تعدد القراءة والقراء.

-إنتاج النص ثانية، بإعادة قراءته قراءة نقدية في لحظة وجيزة.

– التلقي المفتوح والمنفتح (التصحيح والتنقيح والإضافة ..)

– إعادة تشكيله بصريا حسب رغبة المتلقي، (إضافة جداول، تلوينات وحركات..)، واستغلال الطاقات الإبداعية للمتلقي إضافة إلى كسب النص لغة تقنية ومعلوماتية.

– إمكانية التواصل مع المبدع مباشرة بالحوار والنقاش.

 3- أنواع النص الرقمي:

تتنوع النصوص الرقمية من حيث الجنس والوظيفة، فأشكال النص الرقمي تتوزع إلى نص إبداعي ونص نقدي، والملاحظ أن النوع الأول أكثر انتشارا في المواقع المختصة والمنتديات الأدبية وشبكات التواصل الاجتماعي، لذلك أصبح الحضور الكمي غير مواز للنوع والكيفية والطريقة، فأضحت النصوص تنشر تلقائيا دون تصحيح، ودون تتبع للمبدع ذاته، ويرافق النصَّ كثيرٌ من التعليقات والردود التي تضفي عليه مشروعية مفبركة وجاهزة، تتخذ شكل الإطراء والمدح أو التغزل في بعض الأحيان، وهذا ما يشكل خطرا على التطور الفني للأدب، ونلحظ ذلك بالأخص في بعض شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك، فنقرأ تعليقات من مثل: (دمت رائعا بهيا، جميل هذا الإبداع الفذ وغيره…)

أما من حيث وظيفة النص الرقمي؛ فيمكن الإشارة إلى كونه ذا وظيفة تواصلية أولا إذا ما كان القصد والنية سليمين، بحيث يتسم النص بالواقعية والجمالية والبعد الفكري واللغوي والمعرفي وغيره. ثم يحظى بقيمة إشهارية للمبدع ذاته من خلال التعريف بالاسم وكسب ثقة القارئ، وأخيرا كسب تواصل إيجابي بأصدقاء افتراضيين يخلق ترابطا فكريا وروحيا ووديا بينهم.

4- مآل النص الأدبي في ضوء التطور التكنلوجي:

من المفروض أن تستغل هذه الطاقة الإبداعية والتقنية لإنتاج نصوص ذات فاعلية أكبر من سابقتها، ومن المعقول أيضا القول إن المبدع أو الناقد على السواء، سيجد نفسه متورطا في الكتابة الرقمية، تفاعلا، وانسجاما، وتقاطعا مع أشكال جديدة؛ تتيح الفرصة أمامه ليجدد العلاقة مع المتلقي بصورة أكثر تفاعلا أيضا. غير أن الواقع ينبئنا عكس ذلك، على الأقل بالنسبة للقارئ الحصيف الذي يستطيع أن يميز بين الغث والسمين. لذلك نجد الكثير من النصوص الأدبية، الإبداعية بشكل خاص، تُنفر الناقد الجدي، في الوقت نفسه الذي تتخبط حوله الكثير من الردود الإيجابية، أو لنقل، الردود التي تزكي القول، وترفعه إلى مصاف الأدب العالمي. ويتضح ذلك جليا من خلال بعض التعابير التي أصبحت عبارات مسكوكة تعبر عن أفق انتظار غير متوقع. نذكر على سبيل النمذجة:

  • إبداع راقٍ؛
  • نص مائز؛
  • شاعر كبير، شاعرة كبيرة؛
  • إبداع في مستوى عال، دام لك الألق؛
  • تألق وتميز؛
  • من أجمل ما قرأـ؛
  • محبات بلا ضفاف…

وغيرها من التعليقات التي لا تعكس البتة مستوى النص المقروء. وعلى العكس من ذلك قد نقرأ نصا أدبيا رقميا في موقع تواصلي، أو شبكة رقمية، لأديب متميز، لكن الاسم ربما لا يروق البعض؛ مما يؤدي في الغالب إلى تجاهل تدوينته، والتغاضي عنه..

بعيدا عن هذا الفيض غير المستساغ، نقف حينا عند الأسباب، وقد لا يتفق معنا في ذلك البعض، غير أن عملية الاستقصاء أثمرت هذه الأحكام.

من بين الأسباب التي تزود شبكات التواصل بهذا النوع من الردود، نذكر:

  • المحاباة، أو المجاملة التي يكون من ورائها قصد معين؛ إما شخصي أو جماعي؛
  • التقرب من الآخر، وفي الغالب يكون ذا نبرة غزلية، أو تقرب الأنثى من الآخر؛
  • التلمذة؛ والمقصود التقرب من الأستاذ أو الأستاذة حين يتم نشر تدوينة خاصة؛
  • التشجيع، وهو أمر محبوب، غير أنه يأخذ طابع المجاملة، حينما يبالغ المعقب في اختيار الكلمات والعبارات الدالة.

ختاما، يمكن التأكيد أن المسؤولية التي وجب الإنصات إليها، لا تتقيد بالنص، وإنما تبحث عن مصدره ومآله؛ لذلك وجب الانتباه إلى أن ما نقوِّمه لا يجب أن يتنزه عن الأعطاب، لكن في الوقت ذاته، نؤكد على ضرورة الاحتياط، وتنزيل فرد منزلته، وإعطائه القدر الذي يستحقه بعيدا عن المجاملة والمحاباة، وفي ذلك تأكيد على إعادة الأمور إلى نصابها، وتحقيق مبدأ الموضوعية والمصداقية

الهوامش:

[1]– المقصود بالسياقية، ما تضمنته الورقة من سياقات مختلفة: ثقافية، وأدبية، وتواصلية.. تتغيا التعريف بالنقد المجاملاتي الذي يضر غاليا أكثر مما ينفع المبدع.

[2]– نؤمن أن هذه المفاهيم تختلف من حيث الأصول والمقصدية، لذلك لا نريد الدخول في تفاصل المفارقات، بقدر ما نتوج عملنا بذكر القاسم المشترك في التعريق بها.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً