الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الثاني عشر)
المصطفى أسدور*
إنها شرارات من ماء ممزوج بدخان فتيل الشمعة، كانت أيامنا وليالينا تدور حول النور والضوء وكل شيء يضيء، حتى تلك الحشرات المضيئة كانت تملأ المكان في المزارع والطرقات، كنا نحمل بعضها إلى البيوت لتضيء العتمة، فالنور والضوء كانا كل حياتنا، لست أدري لِمَ كنا نكره العتمة؟ الكبار فقط يفضلونها، فلهم مخططاتهم الخاصة، أما نحن الصغار فنحرص على إبقاء الشموع و”مصابيح الكاز” التي بدأت تغزو البيوت مُشْتَعلةً.
كنا نسهر مع ضوء الشموع أو لمبات الكاز حتى يغلبنا النعاس فننام، ولا نصحو إلا على أشعة الشمس المتسربة من نافذة حجرتنا، تتلصص علينا، وتضحك من وضعياتنا أثناء النوم، كان شكلنا ونحن نحتضن الوسائد وما يشبه الأغطية يثير ضحكها، فتزداد دفئًا وحرارة، فننهض وقد علتنا أسئلة كثيرة عن تلك الأحلام التي شغلت ليلنا.
في ليلة من ليالي أكتوبر الباردة، لم أتمكن أنا وإخوتي من اللعب بقطع الشمع المتصلبة على الأشياء، كان البرد قارسًا، لدرجة أنه جعل كل شيء فينا يتصلب، وينكمش إلى درجة التقزيم، ومع تقدمنا في النوم تتحول أجسادنا النحيفة إلى كتلة متخشبة تحت أغطية بالكاد تداري شعورنا بالبرد، وأما الدفء الذي كانت توفره لنا قطع الشموع، فلم يعد بالمستطاع الاستمتاع به.
نحن الأطفال حين ننام، لم يكن أي منا يرغب في الالتصاق بالآخر لأجل الاستدفاء، فتلك الخصومات الصبيانية والصراعات الطفولية التي تحدث أثناء اللعب في النهار، كانت تخلق حالة نفور بيننا، لدرجة أن نجتنب الكلام لفترة قد تشمل الليل كله، وحين نصحو في الصباح، نكتشف فجأة أننا نتحدث ويخاطب بعضنا بعضًا، نتذكر تلك الخصومات، نبتسم، نضحك ونسخر من أنفسنا، وننسى أننا نمنا على خصام.
تطول بعض المناكفات والنقاشات والمناكدات الصغيرة ما طال عمر الشموع، ما إن تبدأ شعلة الشمعة في الخفوت، ويخبو وهجها، وتخور إضاءتها، حتى نُسلم أرواحنا لملك النوم “بُوسلهامْ” أو ملك السهر “حْمارْ الليلْ” كما تسميهم أمي كبُّورة، وكل ما نتذكره من ليلة باردة طويلة هو بعض شذرات من أحلام وكوابيس متضاربة، ينفع بعضها للحكي وتمضية الوقت في النهار.
أحيانًا ونحن نيام -وكثيرًا ما يحدث هذا- نشعر بشيء دافئ يغمر أسفلنا، ويسري بين أرجلنا، تصاحبه حالة من الدفء ما تلبث أن تتحول إلى برودة تزيد من برودة الجو، لنكتشف في صباح اليوم الموالي أننا كنا نتمرغ في بركة من البول، وكما كانت تلك الألعاب الصغيرة والخصومات الطفولية تجمعنا في النهار، فإن تلك البرك الصغيرة كانت أيضًا قاسمنا المشترك، فقد يستيقظ أحدنا ليجد نفسه تحت غطاء أخيه، أو في “بركة” أخيه، ولا ندري كيف ولا متى استبدلنا الأمكنة، لكن ذلك لا يثير فينا الكثير من الأسئلة، فقد كانت تلك حياتنا.
في إحدى الليالي عمت القرية عاصفة برد قارس، أسفرت عن انتشار تلك البلورات البيضاء الباردة على حشائش الحقول ومروجها وجنبات الطريق، وتحولت بعض البرك الصغيرة إلى صفيحة متجمدة، حين نمشي عليها تصدر صوتًا كصليل زجاج منكسر، يحدث “قرمشة” تحت الأقدام الحافية، قبل أن يتحول إلى صاعق بارد يجمد الدم في العروق.
يبدو أن تلك الليلة كانت قاسية وبلا رحمة على الأطفال والحيوانات والطيور، حتى الحشرات المضيئة التي كانت تؤنسنا في ليالينا، توارت وغابت وربما ماتت من شدة البرد. بعض السحالي وجد طريقه إلى سقف الحجرات، بينما الضفادع ملأت مصارف الماء، وصارت تنشد سنفونيتها المعهودة، لا ندري كيف تستمتع الضفادع بالماء المتجمد في البرك، ولا تتوقف عن الغناء والنقنقة؟ بينما نحن نرتعد و”نُقَفْقِفُ” تحت الأغطية المتلاشية.
في الصباح، بينما كنت أصارع ما تبقى من جنود الظلام، لأصحو مع إخوتي، وعلى ضوء خافت قادم عبر شقوق النافذة، تراءت لي عيون صفراء متدلية من مِعلَق الملابس في سقف الغرفة.
المِعلَقُ، ونسميه “المَعْلَڭْ” بتفخيم العين، نسيت أن أحدثكم عنه، لقد كان الأجداد والآباء إلى عهد قريب يربطون قطعة خشب -عادة ما يحصلون عليها من أشجار الزيتون الفتية، وإن توفرت أشجار الصفصاف التي تنبت من ذاتها على ضفاف النهر ومجاري المياه والسواقي كان أفضلَ- ويشدُّون طرفيها بحبل إلى سقف الحُجرة، يُعَلقون عليها كل الأفرشة والأغطية، وبعض الملابس. كنا نحن الصغار نتجنب النوم تحت “المَعْلَڭْ” مخافة أن يسقط علينا، فلم نكن نعلم كيف يبقى معلقًا، ويبقى ما عليه عاليًا بمحاذاة سقف الغرفة؟
قطع عنا البردُ القارس حبل التفكير في الأمر، وجعلنا نتكتل في قاع الغرفة، بعيدًا عن الباب والنافذة، هناك أمكننا الحصول على بعض الدفء، فتلك الجهة من الغرفة كانت مقابلة للشمس، فتبقى الجُدران دافئة لبعض الوقت، هكذا أقنعتنا أمي كبُّورة بالنوم في تلك الزاوية، ولتُطمئننا وتؤكد أن “المَعْلَڭْ” قوي ومتين ولن يسقط ويهشم جماجمنا الصغيرة، قفزت بخفة، رغم أنها امرأة مُكتنزة، وأمسكت به، تأرجحت لبعض الوقت، فانخرطنا أنا وإخوتي في الضحك على هذا المنظر، فليس من عادة الكبار أن يشاركونا اللعب أو المُزاح، وحين يقومون بذلك ننظر إليهم باستغراب ودهشة، فنكتشف فجأة أن شيئًا من طفولتنا يبقى مرتهنًا فينا حتى نكبر، نخفيه صحيح من باب المكابرة، لكنه لا يلبث أن يظهر في بعض اللحظات التي يخرج فيها الكبار عن كِبرهم رغم المكابرة.
لست وحدي من يقول ذلك، فجميع الأطفال حينما تجمعنا مقصورة الجامع لحفظ القرآن، وينشغل الفقيه ببعض الأمور، كأن يستقبل زائرًا أو صاحب حاجة، يروون بعض قصصهم مع الآباء والأمهات وكبار السن، وتكاد تلك القصص تتكرر، كان الأمر محيرًا بالنسبة لنا، فلا نفهم كيف يستطيع الكبار الانتقال من حالة “سلوكية” إلى حالة أخرى، فحين يجتمعون فيما بينهم، نراهم يمرحون ويلعبون مثلنا، ويلهون ببعض الأشياء أكثر مما نفعل نحن الصغار، وبمجرد أن يظهر أحد الأطفال، يتغير سلوكهم وتتخذ ملامح وجوههم كثيرًا من الصرامة والقساوة، فتختفي تلك الكلمات التي تثير الضحك والمرح، وحين ينهروننا ويأمروننا بالابتعاد عن مجالسهم، تتحول الأفواهُ إلى سبطانات قاذفة للشرر، وما إن نبتعد قليلًا حتى يعودوا إلى حالتهم الطفولية فيلعبون ويمرحون، فتشتعل فينا تلك الرغبة الطفولية في اللعب والمشاركة، وما هي إلا لحظات حتى نكتشف، من حيث لا ندري، أننا طوقناهم من كل جانب، دون أن يلتفتوا لوجودنا، ودون أن يكون لوجودنا وجود.
بعض الأطفال، من كان أبوه ضمن الحضور، لا يتردد في الاقتراب أكثر والالتصاق بأبيه، قبل أن يلحق به باقي الأطفال. يمكن أن يستمر بقاؤنا لفترة طويلة من الزمن، لا يقطعها سوى تمادينا في الشغب، والقيام ببعض الأعمال التي تفقد الكبار صوابهم، حينها ينفجرون، ويستلون نعالهم من تحت أفخاذهم، وينهالون علينا ضربًا، ومن تمكن من الفرار تلاحقه النعال و”البلْغَاتْ”.
رغم قساوة الكبار وشدتهم، يحدث كثيرًا أن نبقى هناك ما شئنا من الوقت، نتبادل نظرات الاستغراب من هذه الأجساد المتخشبة حين تصيبها حالة من الترهل والارتخاء، فيتنصلون من وقارهم المفروض علينا في البيوت بالعصا و”السَّمْطَة” (حزام من الجلد أو من ألياف نبتة الدُّومْ)، ليتحولوا إلى صبية ومراهقين في حركاتهم وكلماتهم.
هناك أيام ومناسبات يتجنب فيها الكبار التعامل معنا بقسوة، سواء لأنها أيام محببة أو مباركة، أو لأن لها قدسية خاصة؛ ليس فقط الأيام، فهناك أيضًا أوقات من اليوم وأخرى من الليل يتحاشى فيها الكبار ضربنا أو حتى تعنيفنا، كوقت غروب الشمس، ولهذه اللحظات خصوصية لا نفهمها نحن الصغار، لكننا من كثرة تكرارها، صرنا نترصدها لنقوم بالشغب وبعض المشاكسات المُستفزة لنغيظ بها الكبار، وكم مرة يرفع أحدُهم يده ليصفع أحدنا، فيتخذ الطفل وضعية الدفاع برفع كفيه إلى أعلى، مداريًا رأسه عن الضرب، قبل أن يتراجع الشخص فيقبض أصابع يده على هيئة قبضة، ثم يبسطها ويرخيها حينما يتذكر -أو ينبهه شخص ما- أنه وقت الغروب، والضرب في هذا الوقت مكروه، فقد يسبب “تْشْييرةً” للطفل، وأما إن صُفِعَ طفلٌ على خده في هذه الأوقات، فقد يصاب بعاهة مستديمة كالحول مدى الحياة.
يقضي رجال الدُّوَّارْ وقتًا طويلًا بعد “العصرية” في لعب ضَامَا، وهي “لعبة شعبية، ووسيلة تسلية وتنافس بسيطة، تُلعب بين شخصين فقط، على لوح من الخشب يحمل مربعات، عليها يقوم اللاعبان بتحريك قطع من خشب أو حجر، أو حتى غطاء بعض القناني، ولا يمكن للاعب أن يعيد قِطعَ اللعب إلى الخلف، وعليه أن يبحث عن الفراغات في مربعات الخصم، ليقفز بقطعته على قطعة الخصم” فـ”يَأْكُلَها”. يُذكر أن صاحب كتاب “شمس العرب تسطع على الغرب” قال بأنها لعبة عربية دخلت إلى أوروبا عن طريق الأندلس هي والشطرنج (زيغريد هونكه ص47).
أبناء الدوَّارْ لا يكلفون أنفسهم البحث عن قطعة خشبية مقسمة إلى ثماني خطوط طولًا وعرضًا، وإنما يكتفون بحفر خطوط على أرضية صلبة، واستعمال قطع الحجر الصغيرة بدلًا عن الأسطوانات المعروفة في لعب “ضاما”.
قليلٌ من الرجال من يفترش قطعة حصير أو فرو خروف، فهم جزء من الأرض، ومن بعيد يبدو تكتل أجسادهم بتلك الملابس ترابيةِ اللونِ، كرُبوةٍ من تراب بالكاد تميزها حركاتهم وصراخهم على بعضهم وهم يلعبون.
يتخذ اللاعبون والمتفرجون على تلك “المنازلات” الحامية، على رقعة صغيرة من الكارتون أو الأرض، أشكالًا ووضعيات مختلفة، فمنهم من يجلس القرفصاء، ومنهم من يطوي رجله فيستند على إحدى ركبتيه ويفترش الأخرى، وبعضهم يجلس جلسة الجِمال في مَبركِها، يطوي رجليه بشكل مستقيم، بحيث تتقدم الرُّكب بينما تتوجه رؤوس أصابع القدم إلى الخلف، فيبدو جسمه كصقر في هيئة الانقضاض؛ وبعض المترهلين من الكسالى ومن يلازمون زوجاتهم في البيوت، لا يستقرون على هيئة واحدة، فيغيرون هيئة جلوسهم مرات عديدة، مستعينين بالأيادي للاتكاء عليها، بينما يلعبون بيد واحدة، وفي غالب الأحيان يكون هذا الصنف من الرجال من المتفرجين أصحاب التعليقات الساخرة والعبارات المستفزة، ولا تتوقف أياديهم عن اللكز والنخس، حتى يتضايق منهم الجالسون:
- شَدْ أوَا يْدِيكْ، طَيَّبتني يا هاد الخلقْ، وا شَدْ يْدِيكْ أو لَّا نْجمَعْ معاك بشي بُونية!!
جلسات اللعب بدون هذا الصنف من الناس تفقد الكثير من حرارتها، فلهم طرقهم الخاصة في تحفيز المتبارين على رقعة ضامَا، ولهم عباراتهم التي تخلق جوًا من الحماسة:
- وسيرْ ضِّيمْ، سِيرْ.. سِيرْ آ صَاحْبِي، وَاسِيرْ ضِّيمْ رَاهْ با يَنفخُو ليكْ!!
يلتفت للتأكد من انشغال الأطفال بأمر ما، ليضيف تلك الإيحاءات المغرضة:
- أو لَّا انْتَ يَادْلَّيكْ عْزِيزْ عْليكْ لِّي يْنَفْخَكْ
مثل هذه العبارات، تخلق حالة احتقان، لا تلبث أن تتحول إلى مشادة بالأيدي أحيانًا إن لم يفلح اللسان في الفصل بينهما، وسط موجة من الضحك والهرج.
روائي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي