عندما يأتي الشاحبون زاحفين- إليزا بورنيمان[1]

ترجمة عبد اللطيف شهيد*
ما إن علم فيليبي بالأمر ــ عند تلقّيه الرسالة في ذلك الصباح ــ حتى اتصل بصديقه هوبرتو هاتفياً.
ــ لقد ربحتُ سحب يناصيب المعرض يا هوبر! الدراجة النارية أصبحت لنا!
قال: «لنا»، وكان مُحقاً في ذلك، لأن الصداقة التي جمعت بينهما منذ الطفولة جعلتهما يتقاسمان معظم الأشياء. ومن باب أولى تلك الدراجة النارية القوية المستوردة التي طالما حلما بها معاً.
لم يكن من الممكن حتى التفكير في شرائها. فحتى لو جمعا مدخرات سنوات طويلة، لمَا استطاعا توفير ذلك المبلغ الضخم اللازم لاقتناء دراجة كهذه.
ــ يا لها من تحفة! ــ كان هوبر يردد بعد بضعة أيام وهو يتأملها مركونة في الفناء الصغير أمام منزل فيليبي، بينما كانا يتبادلان مشروب “المتّة” ويخططان لرحلة قصيرة لتجريبها.
أول تجربة لها ــ كما هو متوقع ــ فكانت القيام بجولات لا تُحصى في شوارع الحي وسط إعجاب الشبان.
قال فيليبي وهو يتفحص خريطة للطرق برفقة هوبر:
ــ أظن أن الأفضل هو السفر نحو مدينة “أريناماريس”…ــ
ــ إنها تبعد خمسمئة وثلاثة كيلومترات. يمكننا التوقف في “فيّا سولتيرا”، “في بوستا لوسييرناغا”، وفي…
صاح هوبرتو مُحتجّا:
ــ لكن عبر هذا الطريق… ستكون المسافة أطول بنحو مئة وعشرين كيلومتراً يا فيليبي!
ــ نعم، لكنني أختار الطرق الأقل ازدحاماً. ما نخسره في عدد الكيلومترات نربحه في الراحة. ففي هذا الوقت من السنة يتجه نصف العالم إلى الشواطئ. إنني أكره الاختناقات المرورية!
شرع هوبرتو يدوّن قائمة المؤن الضرورية لتلك الرحلة الافتتاحية «الرسمية» لـ«البرق»، وهو الاسم الذي أطلقاه على الدراجة بعد أن لصقا عليها هذه الكلمات بأحرف لاصقة متوهجة.
وأخيراً اكتملت جميع الاستعدادات، فانطلق الصديقان ليلةَ أحد أيام الجمعة متجهين نحو أريناماريس.
كانا في غاية السعادة.
قطعا أول مئتي كيلومتر دون أي نوع من المتاعب. كان «البرق» (اسم الدراجة النارية) يسير على أكمل وجه، مما شجعهما على زيادة السرعة إلى حدٍّ يفوق ما يُنصح به لدراجة ما تزال في مرحلة التليين (فترة التشغيل الأولى للمحرك).
كان هواء الليل المنعش يتمزق إلى شرائط غير مرئية خلفهما وهما يشُقّان الطريق.
وكانا على وشك عبور الجسر الممتد فوق مجرى لوبونا عندما خُيِّل لهوبير وفيليبي أن الدراجة النارية قد أقلعت مُحلِّقة، وأنها انفصلت عن الإسفلت، وتحولت إلى برقٍ حقيقي يشق ظلام ذلك المشهد الريفي وسكونه.
وبعد حين — فجأة — توقفت الدراجة في منتصف الجسر، ولم يجدا أي وسيلة لإعادتها إلى العمل من جديد…
—والآن… ماذا سنفعل؟ — تساءل فيليبي منزعجًا.
—هذا الطريق موحش تمامًا… ولكن… من الذي اختاره أصلًا؟ — أضاف هوبير، محاولًا عبثًا أن يلمَحَ أي مركبة قادمة في اتجاههما.
أخرج فيليبي دليل الطرق وسلّط عليه ضوء مصباحه اليدوي.
—نحن هنا — قال مشيرًا إلى مجرى لوبونا على الخريطة —. ما زال يفصلنا نحو تسعين كيلومترًا عن لاس أكاسياس، وهي أقرب بلدة. يا لسوء الحظ…
—لا خيار أمامنا سوى الانتظار. عاجلًا أم آجلًا سيمر أحدهم عبر هذه الصحراء، أليس كذلك يا خبير اختيار الطرق؟
كان هوبير يمزح، لكن الحقيقة أنه كان يشعر بشيء من الاستياء لأنه سمح لفيليبي بإقناعه بسلك الطرق الأقل ازدحامًا والأقل ارتيادًا.
أدرك فيليبي ذلك فقال:
—ليس ذنبي أن الدراجة تعطلت. من كان يمكنه أن يتوقع ذلك، أيها العارف بكل شيء؟
وبعد قليل، استعدّ الاثنان لتناول بعض السندويشات من المؤونة التي كانا قد أعدّاها للرحلة.
لكن لم تتح لهما الفرصة لفعل ذلك.
فما إن فكّا غلاف أحد السندويشات حتى ظهرت لهما فجأة، من الجهة نفسها للطريق التي كانا قد تركاها خلفهما منذ وقت، سيارة من نوع كومبي بيضاء.
كانت مصابيحها الأمامية مضاءة، كما كان داخلها مضاءً.
في تلك اللحظة نفسها، بدا ضوء القمر كأنه كشافٌ قويّ أضاء الليل ببياضٍ ساطع لوهلة قصيرة.
تبادل هوبير وفيليبي نظراتٍ مليئة بالدهشة قبل أن يعود الظلام فيغطي كل شيء من جديد. ولم يبقَ سوى تلك البقعة المضيئة التي كانت سيارة الكومبي ترسمها على الطريق وهي تقترب منهما ببطء.
—كم هذا غريب! — قال فيليبي —. هذه السيارة لا تُصدر أي ضجيج… أنا لا أسمع شيئًا…
—وأنا أيضًا لا أسمع شيئًا، لكن… ما أهمية ذلك؟ المهم أننا سنُغادر هذا الجسر قريبًا. هيا يا فيليبي، لنطلب منهم أن يَحمِلونا معهم!
عندئذٍ أسرع الصديقان نحو مدخل الجسر، وبدآ يلوّحان بمصابيحهما اليدوية، بينما كانا يشيران إلى الاتجاه الذي يرغبان في الذهاب إليه.
كانت سيارة الكومبي تقترب منهما أكثر فأكثر، متباطئة وبأضوائها المنيرة كما كانت حين لمحاها لأول مرة. وعاد الفرح إلى نفسيهما، إذ كانا يعتقدان أنهما سيُنقَلان قريبًا، وسيتمكنان من الوصول إلى لاس أكاسياس طلبًا للمساعدة لإصلاح دراجتهما “البرق” المُعطَّلة.
عندما توقفت السيارة البيضاء الناصعة على جانب الطريق، على بُعد نحو ثلاثين مترًا من الجسر، ركض هوبير وفيليبي نحوها وهما يلوحان بخوذتيهما ويهتفان ترحيبًا.
—يجب ألا يظنوا أننا لصوص أو قُطاع طرق — كانا يقولان —. عليهم أن يدركوا أننا بحاجة إلى المساعدة.
وبالفعل، مستقلّي الكومبي أدركوا جيدًا أن الشابين في حاجة إلى المساعدة….
كانوا ينتظرونهما بالفعل، وقد فُتحت إحدى الأبواب الخلفية دعوةً للصعود دون أي كلام. فصعد الصديقان، تقريبًا دون أن ينتبها إلى الركاب الغريبين في تلك المركبة، منشغلين فقط بحل مشكلتهما.
ولم يبدأ الشعور بالغرابة يتسلل إليهما إلا عندما عادت السيارة إلى الحركة من جديد — بينما كانت المقصورة مضاءة باستمرار — حين أحسّ فيليبي وهوبير أن شيئًا غير عادي يحدث داخلها.
كانوا يعبرون الجِسر.
ومن مقعدهما في الخلف، كان بإمكانهما رؤية رؤوس وأكتاف الأشخاص الستة الذين شغلوا المقعدَين الأماميين، وكذلك الشخص الذي كان يقود السيارة.
السبعة جميعًا لا يزالون ملتزمين بالصمت نفسه الذي استقبلوا به الضيفين.
همس هوبير لفيليبي:
—هل رأيت؟ إنهم جميعًا يرتدون الأبيض. لماذا لا يتكلمون؟ — قالها بصوت خافت، وقد بدأ يشعر بالقلق — يا لها من جماعة غريبة!
أما فيليبي فكان أكثر حسمًا:
—يا سادة — قال فجأة —، نشكركم كثيرًا على أنكم حملتمونا معكم. كما لاحظتم، تعطَّلت دراجتنا على الجسر. نريد الوصول إلى البلدة التالية… لا أدري إن كنتم ستتجهون إلى هناك، ولكن…
ستّة رؤوس —باستثناء رأس السائق— التفتت ببطء نحو الصديقين، حتى أتاح لهما ذلك رؤية شحوب وجوههم بشكل واضح.
ثم ابتسموا ابتسامة بلا كلام، شفاههم كانت ملتصقة، ولم يتفوهوا شيئًا، وعادوا من جديد إلى النظر إلى الأمام.
—يا سادة! —صرخ فيليبي تقريبًا، مُطالبًا بإجابة —. عذرًا… لكن… هل أنتم متجهون إلى لاس أكاسياس أم لا؟
وفي هذه المرة، كان رأس السائق هو الذي التفت نحو الخلف.
أجاب بإشارة نفي بسيطة، لكن ابتسامته انطلقت من فم خالٍ من الأسنان ووجه مُتقشر مُصفَر جعلا الإيماءة أكثر إزعاجًا. والأسوأ من ذلك أنه عدّل المرآة الداخلية بطريقة تسمح له بمراقبة الشابين، ولهم أيضًا مراقبته في الوقت نفسه. كان لا يزال يبتسم.
—أين وضعنا أنفسنا يا فيليبي؟ — همس هوبير مرة أخرى وهو يلمزه، وقد اقترب من البكاء — هذا الرجل جلده كأنه شمعة ذائبة…من شموع الجنائز…
الآن أصبح الاثنان خائفين تمامًا. لا شك أن تلك السيارة بدت كأنها مركبة شبحية، وركابها كأنهم أرواح في رحلة.
— توسَّل فيليبي: – إذا كنتم لا تتجهون إلى لاس أكاسياس، أنزلونا هنا من فضلكم!
لكن لم يتلقيا أي رد.
على الفور، حاول الصديقان فتح الأبواب الأقرب إليهما.
كان واضحًا أنهما يُفضِّلان القفز إلى الطريق على الاستمرار برفقة هؤلاء «المُنقذين» الغريبين…
أما السبعة الشاحبون فلم يتحرَّكوا إطلاقًا طوال محاولات الشدّ والاعتراض التي قام بها هوبير وفيليبي، ولم يردّ أيٌّ منهم بكلمة.
ثم، ومن دون أي إنذار، قام السائق بانعطاف مفاجئ، وعاد إلى الطريق الذي كانا قد تركاه خلفهما، متجهًا مجددًا نحو الجسر فوق مجرى لوبونا.
كان من الواضح بالنسبة إلى الصديقين أن مركبة الكومبي كانت في الحقيقة تعود إلى المكان الذي جاءت منه.
- وأي مكان كان ذلك؟
في هذه المرحلة، كان الرعب قد استولى تمامًا على الشابين، وازداد أكثر — بل تضاعف — عندما تكلم ركاب المركبة السبعة معهم أخيرًا، وللمرة الأولى والأخيرة.
كانت أصواتهم رتيبة، متجانسة، وكأنها تخرج في انسجام تام من تلك الشفاه الملتصقة تقريبًا، فقد تحدثوا كجوقة واحدة:
—لقد خرجنا بحثًا عنكم لأنكم أنتم من نادينَنا. وقد نقلناكم إلى المكان الذي طلبتموه. لم يعد من الممكن التراجع الآن. لكن لا تخافوا، لن يحدث لكم شيء بعد ذلك. لا شيء… لا شيء… لا شيء آخر…
كانت هذه الكلمات لا تزال تتردد في الليل حين انحرفت الكومبي عن الطريق، وسلكت ممرًا جانبيًا، ثم اجتازت بوابة حجرية عتيقة جدًا.
فوق البوابة كانت هناك مجموعة من الحروف المنقوشة، لكنها غير مقروءة، تآكلت بفعل الزمن، وكانت تعلن اسم المكان.
في اليوم الموالي، نشرت الصحف الخبر التالي:
مأساة على طريق لاس أكاسياس
وفاة شابين هي حصيلة الحادث المؤسف الذي وقع ليلة أمس على جسر مجرى لوبونا.
فبحسب الأسباب التي يحاول الخبراء تحديدها، انحرفت الدراجة النارية التي كان يستقلها الشابان عن مسارها، واخترقت حاجز الحماية على الجسر، وسقطت في المجرى الذي — في هذا الوقت من السنة — يكون جافًا تمامًا ولا يحتوي على ماء.
وسيتم تسليم جثتي الشابين الضحيتين — اللذين تم التعرف عليهما باسم فيليبي لوزانو وهوبيرتو بيريث — إلى عائلتيهما بعد أن تقوم الشرطة بتوضيح ملابسات القضية، هذه الحادثة شهدت تطورًا غير مفهوم وفق ما أفادت به بعض الشهادات غير الرسمية التي جُمعت في موقع الحادث.
لا يزال قرار سرية التحقيق ساريًا، لكن مصادر موثوقة أفادت للصحافة بأن جثتي الشابين عُثر عليهما على بعد كيلومتر واحد من موقع الحادث، داخل المقبرة القديمة المهجورة التي تقع في تلك المنطقة.
كما تسرّب أيضًا أن جميع الإجراءات جارية لتحديد من قام بنقل الجثث إلى ذلك المكان، ولماذا تم ذلك.
النهاية
من المجموعة القصصية ” أغيثونا! اثنا عشرة تُخيفك حتى الموت”
مترجم من المغرب
[1] (بوينس آيرس، 20 فبراير 1952 – بوينس آيرس، 24 مايو 2013) كاتبة أرجنتينية، متخرجة من جامعة بوينس آيرس. مارست التدريس في جميع المستويات التعليمية، وقدّمت العديد من الدورات والمحاضرات، كما شاركت في مختلف الندوات ولجان التحكيم.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي