جماليات التداخل بين الواقعي والمتخيل في المسرح المغربي المعاصر: مسرحية “حياة وحلم” لبوسلهام الضعيف أنموذجا

محمد الزنجلي*
تقديم:
يتخذ المقال من العرض المسرحي “حياة وحلم” الذي ألفه وأخرجه الكاتب والمخرج المسرحي المغربي بوسلهام الضعيف، وأدته فرقة “الشامات”، ضمن فعاليات مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي في دورته الثامنة بالشارقة، متنا تحليليا باعتباره نموذجا للممارسة المسرحية المغربية المعاصرة التي تشتغل على تخوم التداخل بين الواقعي والمتخيل. ويروم المقال استجلاء الأنساق الجمالية والآليات الدرامية التي يوظفها العرض لتجاوز الحكاية الإنسانية البسيطة، المتجسدة في موقف الأم أمام حالة الغيبوبة التي يعيشها ابنها، نحو فضاء فلسفي مكثف يستحضر الوجودية والتراث الأدبي المغربي وجماليات سينما ألمودوفار. وينطلق المقال من افتراض أساس حاصله أن قيمة هذا العرض تتجاوز التوظيف الإحالي للمرجعيات الثقافية، لتتجلى بوضوح في الكيفية التي تدمج بها هذه المرجعيات داخل بنية الصراع الدرامي وفي تشكيل الوعي الداخلي للشخصيات، بما ينتج خطابا مسرحيا ذا خصوصية إبداعية متميزة في سياق المشهد الثقافي المغربي.
1- البحث عن المعنى والمصير الحتمي:
تتكئ الفلسفة الوجودية في المسرحية على ثنائية البحث الإنساني الدائم في مواجهة المصير المحتوم. ومن ثم، تقدم المسرحية رؤية تؤكد أن كل إنسان مقدر له البحث عن شيء بعينه، سواء أكان محنة أم راحة أم الإنسان في الإنسان. ويعد هذا البحث نشاطا جوهريا ومحاولة من الكائن الإنساني لإسباغ معنى على وجوده وسط شعوره بأنه حيوان ضال طريد مكسور. بيد أن العرض يوحي بأن هذا البحث مقيد بمسار حتمي، إذ يعيش الإنسان وهم ممارسة حريته بينما هو موجه نحو غاية مكتوبة له سلفا.
ويستحضر العمل المسرحي في هذا السياق مفهوم “المكتوب”؛ فما قدر للإنسان لا يمكنه تغييره، وإن أمكن تغيير الطريق أو المسار، فالنتيجة تبقى واحدة. ويجسد هذا التوتر بين إرادة التغيير وحتمية النهاية رؤية وجودية تصور الإنسان محاصرا بين أفعاله وقدره، ما يولد لديه شعورا بالدوار والغثيان، في إحالة صريحة إلى أعمال جان بول سارتر التي تستحضرها إحدى شخصيات المسرحية.
2- إشكالية الهوية بين الاسم والجوهر:
تطرح المسرحية إشكالية وجودية عميقة حول ماهية الذات وعلاقتها بالأسماء التي يحملها البشر. إذ تقدم الشخصيات الأسماء باعتبارها “مجرد أرقام نستأجرها” لفترة مؤقتة ثم نتركها لعابرين آخرين؛ فهي “ظلال بلا أثر” لا تعبر عن كينونة الشخص الحقيقية. ويتجلى هذا التصور في تساؤل جوهري: هل الاسم مجرد “قناع لجسد آخر لا نراه” يعبر عن مصيرنا المكتوب أكثر مما يعبر عن ذواتنا الحقيقية؟
ويظهر هذا الصراع في شخصية سفيان الذي يستعير اسم محمد خير الدين مؤكدا تشابها باطنيا رغم اختلافهما الجسدي. وتتأمل سعيدة العلالي اسمها لتكتشف أنه مجرد “علامة” أو “قناع”، بينما تظل ذاتها الحقيقية “قصية هاربة”. ويبلغ هذا الصراع ذروته في تعبير يونس عن اغترابه الحاد بقوله “أنا لست أنا”، و”ذاتي بعيدة عني، نفسي قصية هاربة”.
3- الإنسان كائن هش وصراع الجسد والروح:
تتعالق في المسرحية رؤيتان متناقضتان للجسد الإنساني؛ إذ يصف يونس الإنسان بأنه “كائن هش من لحم وعظم” مصنوع من “صلصال”، وفي الوقت ذاته يتساءل عن السر الذي يجعل هذا الكائن الطيني يفكر ويهندس ويحب ويبدع. وفي خضم آلامه يتمنى لو كان “شخصية كرتونية” لا تمرض ولا تتهشم؛ إذ تمثل تلك الشخصية في مخيلته النموذج المثالي للوجود بلا عذاب، وهروبا من هشاشة “اللحم والعظم”.
وتتحول الغيبوبة في المسرحية من حالة طبية صرفة إلى فضاء فلسفي يتيح للشخصيات مواجهة ذواتها المفقودة وإعادة قراءة مصائرها. فتوصف هذه الحالة بأنها وحدة معلقة بين غموضين، حيث يتوقف الزمن الخارجي ويبدأ زمن داخلي مكثف تبرز فيه التساؤلات الوجودية الكبرى: “هل أنا حي أم ميت؟ خيال أم حقيقة؟ موجود أم معدوم؟”. وتسقط الغيبوبة كذلك أقنعة الإنسان الاجتماعية والمهنية فتعيده إلى صورته الأولى ككائن هش. ومن أبرز دلالاتها في العرض أن الإنسان قبيل النهاية يرى حياته تمر أمامه “مثل شريط في ثانية أو جزء من الثانية”؛ وهي لحظة المواجهة المنفردة مع الذات، والخاتمة الكاشفة لرحلة البحث عن المعنى.
4– محمد خير الدين: الهوية والالتزام الأدبي:
يبرز حضور الكاتب المغربي محمد خير الدين في المسرحية بوصفه رمزا للبحث الباطني عن الهوية والالتزام الفكري، ويتجلى ذلك من خلال جوانب متعددة: منها استعارة سفيان اسم محمد خير الدين الذي يؤكد تشابها باطنيا رغم الاختلاف الجسدي، وقد جسد بذلك فكرة المسرحية عن أسبقية الجوهر على المسمى؛ واستعراض تفاصيل من حياة خير الدين، من بينها لحظاته الأخيرة في المستشفى العسكري بالرباط عام 1995، وارتباطه بمدينة تفراوت، وعمله في أكادير في أعقاب زلزال 1960؛ وكذلك استحضار كاتب المحارب الأدبي الذي يستخدم الكتابة سلاحا في مواجهة الواقع وتغييره؛ وإنجاز سعيدة أطروحة دكتوراه حول أعمال خير الدين بعنوان “شعرية اللغة وتضافر الأجناس الأدبية”، ما جعل فكره مكونا أساسيا من وعيها الذاتي.
وتستند المسرحية إلى رواية “أكادير” لخير الدين استنادا رمزيا عميقا. فبحسب ما يوضحه سفيان، لا توجد علاقة مباشرة بين الزلزال الحقيقي لعام 1960 والزلزال الذي تتناوله الرواية؛ إذ أراد خير الدين أن يرمز به إلى الزلزال السياسي والاجتماعي الذي يجتاح دول العالم الثالث. وتجسد الشخصية المحورية محضر هذا الزلزال الرمزي؛ فهي كائن يرزح تحت وطأة تمزق أسري وشعور بالعجز عن الفعل، في ظل ظروف موضوعية تعيق أي تغيير تماما كما عانت مدينة أكادير من فوضى عارمة في أعقاب الكارثة الجيولوجية.
كما لعبت أعمال المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار دورا محوريا في تشكيل وعي شخصية سعيدة، وتجاوزت كونها مادة ترفيهية لتصبح دليلا على التعامل مع الواقع وأداة لاستعادة الشعور بالحياة. فأدمنت سعيدة مشاهدة أفلامه لأنها تدفعها إلى البكاء، وهذا البكاء هو الإثبات الحسي على أنها موجودة وحية، وقادرة على الشعور بالناس وبالأشياء وبالعالم بعيدا عن جفاف الدراسة الأكاديمية. كما وجدت سعيدة في سينما ألمودوفار مرآة لآلامها الخاصة، إذ يتناول قصص نساء يحلمن ويتعذبن، ما يمنحها شعورا بالمشاركة الوجدانية.
وقد شكل فيلم “تحدث معها Hable con ella” نقطة تحول في وعي سعيدة تجاه حالة ابنها؛ إذ يحكي قصة امرأتين في غيبوبة ورجلين يواصلان الحديث معهما رغم صمتهما. وقد استلهمت سعيدة منه استراتيجية للتعامل مع صمت يونس، فقررت البقاء بجانبه والحكي له لكي يعود، حيث اعتبرت الكلمات جسرا قادرا على اختراق الظلمات والعتمة التي تحيط بغيبوبته. كما أسهم فيلم “كل شيء عن أمي” Todo sobre mi madre” في جعل سعيدة ترصد أنماطا تكرارية في ربط المصير بالطبيعة؛ حيث لاحظت أن حوادث السير في أفلام ألمودوفار تقترن دائما بسقوط المطر. وعندما ربطت هذه الملاحظة بحادث ابنها الذي وقع في ظروف جوية مماثلة، تحول المطر في وعيها إلى علامة قدرية تسبق الفواجع، فأصبحت ترى في مأساتها جزءا من مكتوب كوني يتداخل فيه الواقع والتخييل.
5– التكامل بين المرجعيتين الأدبية والسينمائية:
تلتقي المرجعيتان، خير الدين وألمودوفار، عند فكرة البحث المشترك. فبينما يبحث خير الدين عن الكلمة والحقيقة في مجتمع مضطرب، تقدم سينما ألمودوفار نماذج لنساء يتعذبن ويحلمن. ويعبر العرض عن هذا التكامل في جملة دالة تقولها سعيدة: “كتابات خير الدين ملأت حياتي، والآن جاءت سينما ألمودوفار لتساعدني لكي أخرجك من الظلمات”، وهو ما يجسد الانتقال من الوعي الفكري والسياسي إلى الوعي العاطفي والإنساني.
6- الشخصيات وتطور العلاقات الدرامية
أ- سعيدة: الأم الباحثة
تمثل سعيدة الشخصية المحورية في المسرحية، وتتسم برحلة تحول درامي من الباحثة الأكاديمية إلى الأم الموجوعة. أنجزت أطروحتها حول أعمال خير الدين، بيد أن حادث ابنها حولها من عالم الكتب إلى التجربة الوجودية المباشرة. فعند تلقيها نبأ الحادث عبر مكالمة هاتفية وصفت شعورها بأن يدها أصبحت مثل سلك كهرباء يحمل صوتا بعيدا غارقا في الغياب.
هذا، وقد كشفت لها حقيبة الأقراص المدمجة التي وجدتها بين متعلقات يونس أسرارا مظلمة من مرحلة غيابه التي امتدت سنتين، إذ وجدت أقراصا معبأة بالدم والألم جعلتها تنكر ابنها قائلة: “هذا ليس ابني”. بيد أنها عثرت في ذات الحقيبة على قرص مختلف يحتوي على فيلم “تحدث معها”، فأضحى هذا الاكتشاف نقطة تحول من اليأس إلى البحث عن وسيلة للتواصل.
ب- يونس: الابن في مواجهة الذات
يونس طالب طب كان يحلم بفهم الكائن الإنساني وعلاجه. أودى به حادث السير إلى غيبوبة عميقة، فتجلت في صوته الداخلي أعمق تعبيرات الاغتراب الوجودي: يكرر “أنا لست أنا”، ويرفض ملابسه ويطلب حرقها، ويصف نفسه بأنها “بعيدة عنه وقصية هاربة”. ويبلغ اغترابه ذروته في تمنيه أن يكون “شخصية كرتونية” بلا مرض ولا ألم ولا دم، هروبا من هشاشة جسده. ويكشف العرض أن الانقطاع بينه ووالدته سبق الغيبوبة بسنتين، وقد جاءت الغيبوبة لتنهي هذا الغياب القسري جسديا بينما عمقت الهوة بطريقة أخرى.
ج- سفيان وهند: البحث عن هوية بديلة
يمثل سفيان نموذج الشخصية الباحثة عن هوية ثرية فكريا لملء الفراغ الوجودي، فيستعير اسم خير الدين لأنه يرى فيه تجسيدا لزمن أدبي كان فيه يقرأ بنهم الكتب ويحلم بالشعر. أما هند فتقدم الرؤية الأعمق تجاه إشكالية الأسماء، إذ تجسد التساؤل الفلسفي حول العلاقة بين الاسم والمصير، وحول إمكانية تجاوز القشرة الخارجية للبلوغ إلى الجوهر الباطني.
7- الغيبوبة والحكي في بناء الدراما الوجودية:
تتحول الغيبوبة من أزمة طبية إلى رحلة وجودية لاسترداد الروابط المفقودة. فقد أوقفت الغيبوبة الغياب القسري وأعادت جسد الابن إلى حضن الأم، فانتقلت سعيدة من خسارة الابن المتمرد إلى بحث محموم عن روحه وصوته. وتجسد في ذلك فكرة أن “الرجال لا يكبرون في عيون أمهاتهم”، إذ تصر على غسل جسده وضمه كما كانت تفعل حين كان طفلا.
ويقدم العرض الحكي باعتباره أداة للمقاومة ضد الموت والصمت. ذلك أن سعيدة تستلهم من فيلم “تحدث معها” إيمانها بأن الكلام سبيل قادر على اختراق الغيبوبة، فتقرر البقاء في المستشفى لتروي لابنها ما كتب لها قوله، ولتبادر إلى كل ما ظل حبيسا في نفسها طوال سنتي الانقطاع. فيتحول الحكي بموجب ذلك من مجرد سرد إلى سلاح عاطفي ووجودي تحارب به الأم غياب ابنها.
أما نهاية المسرحية فإنها جاءت مفتوحة على فعل الانتظار والحكي المستمر، فلم تثبت استيقاظ يونس من الغيبوبة. ذلك أن الأطباء يؤكدون أن حالته لا تزال حرجة، ورغم ذلك تصر سعيدة على المضي في مشروعها. ويظل نجاحه غير محسوم ماديا، بيد أنها نجحت في تحويل صمت الغيبوبة إلى فضاء للحوار واستعادة الروابط المفقودة، وهو ما تؤكده فكرة البحث الدائم التي يؤطر بها العرض نهايته.
8- البنية الجمالية للعمل:
تتشكل العناصر البصرية في هذا العرض من حيث هي منظومة دلالية متكاملة تتجاوز وظيفتها الجمالية الزخرفية لتتحول إلى مرآة مادية تعكس الأحوال النفسية والانفعالية للشخصيات؛ حيث يتأرجح الفضاء المسرحي بين مستويين متداخلين: واقعي تجسده بيئات كالمستشفى، ورمزي تشكله جدران بيضاء تعلوها صور وكتابات وخطوط مبهمة، ما يعمق الإحساس بالتيه وتفكك الهوية. وفي إطار هذا الفضاء المزدوج، يهيمن الأبيض دلالة على الغيبوبة والفراغ الوجودي، في حين يحتل الأسود موقعه رمزا للمأساة والمجهول. أما الإكسسوارات فتنهض بدور محوري في بناء الحدث ودلالاته؛ فالهاتف يمثل المحرك الأساسي للأحداث ويغدو رنينه لحظة المواجهة الحتمية مع المكتوب، فيما تقطع حقيبة الأقراص مسافة رمزية لافتة حين تتحول من حقيبة العار إلى مفتاح الخلاص السينمائي. وعلى المنوال ذاته، يتخذ رفض يونس لملابسه ومطالبته بإحراقها بعدا دراميا عميقا، إذ يجسد رغبة جذرية في الانعتاق من هوية مشوهة والتحرر من أثقالها. وفي ما يتصل بالأداء الجسدي والصوتي، فإن الممثلين يجسدان هشاشة الإنسان من خلال حركات توحي بثقل الأعضاء وتخدرها، كالرأس الذي يستشعر ككرة موضوعة فوق العنق، واليد التي تتحول في لحظة الصدمة إلى سلك كهرباء مشحون. ويرتقي الكلام من مجرد حوار إلى فعل مقاومة وجودي، حيث يصبح البقاء قرب الابن والحكي له الأداة الدرامية الكبرى التي تنتزع الشخصية من عتمتها وتعيد إليها خيط الحياة. ويكتمل هذا المشهد الصوتي بتشابك الصمت والصراخ والأصوات الغائبة في طبقات صوتية متعددة تعبر في مجملها عن اضطراب الوعي وتصدع الذات.
خاتمة:
تقدم مسرحية “حياة وحلم” عملا متكامل البنى الفكرية والجمالية يتوسل بالفجيعة الإنسانية وسيلة لاستجلاء الأعماق الفلسفية للوجود. من خلال ثنائيات الحياة والموت، والغيبوبة واليقظة، والاسم والجوهر، والمكتوب والحرية، يرسم العرض صورة كاملة لإنسان يتعلق بالكلمة والحكي في مواجهة صمت لا يبرر وقدر لا يرحم. وتبقى المسرحية في جوهرها تساؤلا مفتوحا: هل يستطيع الحكي انتزاع الإنسان من براثن الغيبوبة والنسيان؟
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي