الرئيسية / الأعداد / العدد الرابع والسبعون / أعمدة ثابتة 74 / الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الرابع عشر) – المصطفى أسدور

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الرابع عشر) – المصطفى أسدور

فصل من رواية

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الرابع عشر)

المصطفى أسدور*

تحت شجرة “الليمون القارص”، وضعت كَبُّورة شَكْوَتَهَا؛ قِربةً مصنوعةً من جلد الماعز، يتم وضع الحليب فيها، سواء حليب البقر أو الغنم، ثم يتم خَضُّ هذه الشكوة على الركبة لفترة غير قليلة، وهناك من يعلقها على حاملة أعواد خشبية، وبعد ذلك يتم تفريغ ما بداخلها في قدر خاص، فتكون الزبدة طافية على اللبن، ويتم جمعها باليد ونقلها إلى وعاء آخر، سواء للتخزين أو لتذويبها وصناعة السمن البلدي، وهناك من يحتفظ باللبن داخل الشكوة، وهذا هو الغالب، ويتم ربطها في مكان تهب فيه الريح، ليحافظ اللبن على طزاجته وطعمه وطراوته. ولأن “الشَّكْوَة” بالنسبة للبن، كالأرض بالنسبة للإنسان، فمنها خُلق وإليها يعود، يحدث ذلك التفاعل الغريب بينهما، والذي يعيد للبن حياته، فيُبقي على طعمه فلا يَتَسَنَّه.

وأما طريقة صنعها، فتتم بطرق بدائية، لكنها فعالة جدًا، حيث تُسلخ ذبيحة تَيسِ الماعز بطريقة خاصة، وبكثير من الكياسة والحذر حتى لا تُثقب “البْطَانة”، ثم تُملأ برماد الكَانون، يُضاف معه الملح وقليل من الماء، ثم تُترك لمدة خمسة عشر يومًا، ينفصل ويتساقط خلالها وَبَرُ الشَّكْوَة كله، ليبقى الجلد فقط، ثم تُنظف من الخارج، قبل أن تُقلب، فتُصبح الظِّهارةُ – وهي الجلد الذي كان يحتوي على الوبر – في الداخل بِطانةً، وتصبح البطانةُ ظِهارةً، ثم توضع في إناء كبير خاص بعملية الدبغ، ويتم ذلك عبر نقع الجلد في مسحوق لحاء البلوط أو الأرڭان.

كان المزارعون، إلى عهد قريب، يمارسون عملية دباغة جلود الأضاحي والأبقار والعجول التي تُذبح في الأعياد والمناسبات في مزارعهم، فأما جلود الماعز والخراف فتُصنع منها القِرَبُ، بما فيها الشَّكوة، وطُبُولْ العْبيدْ، وجلود البنادير، بينما تُستعمل جلود الأبقار والعجول لصناعة “جَلْدْ أغْرودْ”، وهو قِربة كبيرة تُستعمل لجلب الماء من أعماق البئر؛ تقنية قديمة انتشرت في المنطقة بشكل كبير، وكانت إلى عهد قريب معتمدة كثيرًا في سقي الحقول و”الناعُورات” (مزارع صغيرة).

كلمة أغْرُودْ كلمة تثير الباحث الشغوف الذي لا يتوقف عن تفكيك الكلمات، والبحث بين حروفها وثناياها عن حمولة ثقافية، أو عادة ما، أو غيرها مما له علاقة بالإنسان في رحلته الطويلة عبر جغرافيا الزمن؛ فكما الإنسان يسافر، تسافر معه الكلمات والعبارات، وتمنح نفسها ومعانيها لعبارات أخرى، تتقاسم بعض حروفها، وتستقبل حروفًا ومعاني أخرى، وفي رحلتها تكون العبارات قد أُشبعت معانيَ ودلالاتٍ، واكتسبت هوية جديدة مليئة بالإيحاءات والانزياحات والكناية، وكلمة “أغرودْ” مثال جيد لرحلة الكلمات، وقدرتها على المناورة.

في أول وهلة بدت لي كلمةً ذات مُسحة “أمازيغية”، وهذا أمر بديهي، فقد أخذت لهجةُ عرب سوس كثيرًا من المصطلحات والكلمات من المجموعات الأمازيغية التي تُطوق منبسط سوس ودواويره، حيث كُتب لهذه المجموعة العربية أن تستقر إلى يومنا هذا.

كلمة “أغروض” بالضاد معناها الكتفُ بالأمازيغية، لكنها في اللسان العربي الهواري تفقد فخامة “الضاد”، لتتحول إلى “أغْرُودْ” بالدال؛ وهناك اختلاف كبير بين الكلمتين، فأغرودْ بالدال المرققة تعني جزءًا من نظام سقي تقليدي، له علاقة بالقِربة التي تُصنع من جلد البقر أو العجول، حيث يتم إنزال القِربة، وتسمى “الجَلْدَة” (الدلو)، إلى البئر بواسطة مجموعة من الحبال تدور على أسطوانات خشبية مثبتة على جدارين قائمين على جانبي البئر. وتُشد الحبال عادة إلى بقرة أو جمل، ويتم سحب الدلو من البئر، ونظرًا لسعة الدلو التي قد تصل إلى مئتي لتر ماء، يتم شق ممر في الأرض على شكل منحدر، بحيث يتعمق في الأرض كلما ابتعد الحيوان عن البئر، وذلك لتحقيق نوع من التوازن بين عزم “الدلو” وقوة الجذب لدى الحيوان، في عملية هندسية دقيقة، يُطلق عليها اسم “أغرودْ”، يقول المزارعون:

  • يَسْݣِي بْآغْرُودْ.

فما العلاقة بـ”أغروض” التي تعني الكتف؟ في الواقع، وبعد أسئلة وجهناها إلى بعض المزارعين الأمازيغ في سوس والحوز وتافراوت، وجدنا السر في هذا التقارب بين الكلمتين، فالقاسم المشترك بينهما هو الماء؛ نقول بالأمازيغية:

  • أرْدَنْ تَّاكُمْ أمانْ سُو غْرُوضْ.

المعنى: نسقي الماء على الكتف، أو بالكتف، أو نأتي بالماء على الكتف.

وطريقة نقل المياه على الكتف، يبدو – بحسب من سألناهم – أنها كانت معروفة في القرى المحاذية للأطلس، حيث تنتشر السواقي بشكل كبير، وهناك من يسقي أرضه عن طريق نقل الماء بقِربة أو دلو من الساقية على الكتف. وكل الذين سألناهم لم تكن لديهم أية معرفة بـ”أغرودْ”، كما هو معروف في عدد من القرى العربية بسوس. يبقى السؤال المُحيِّر هو: كيف انتقلت هذه الكلمة إلى قاموس اللهجة العربية المحلية؟ سؤال مفتوح أمام الباحثين في اللغات والألسن.

لكننا نتوقع أن تكون من أصل أمازيغي (تاشلحيت)، وانتقلت ليس ككلمة بدلالتها، ولكن كعبارة بكنايتها، فالكتف يرمز إلى “السقي”، و”منظومة أغرود”، بما فيها جَلْدْ أغرودْ، أيضًا ترمز إلى السقي، وقد يكون الأمازيغ الذين يشتغلون في المنبسط هم من أطلقوا هذه العبارة، وهذا مجرد تخمين، يستند إلى استفزاز الكلمات.

وكمثال على ظاهرة “تَحَوُّرِ” الكلمات، ندرج عبارة “الزَّݣْبَة” التي تُطلق على قربة خض الحليب أيضًا، فيقول البعض “الشَّكوة”، والبعض يقول “الزَّݣْبَة”، وأصل الكلمة من زَكيبة، جمع زَكِيبات وزَكائِبُ: غِرارة، كيس كبير من الخيش ونحوه، نقول: حمل زكيبة القمح. لذا نجد عرب سوس (هوارة) يطلقون كلمة “الزَّݣْبَة” أو “الزَّݣِّيبَة” على البطن أيضًا في سياق الاستخفاف والسخرية ممن يملأ بطنه كثيرًا:

  • عَمَّرْ زَݣِّيبْتَكْ أو اسْكُتْ.

ولأن الصلاة هي نوع من تسليم الروح والصعود بها من الأرضي إلى السماوي، فإن اللحظة تقتضي صفاءً مطلقًا، ومع شغب هذه الشياطين المحبوبة وسخريتهم بها، لم تستطع أن تسمو بنفسها، فقطعت كَبُّورة صلاتها، وسحبت قطعة الجلد التي كانت تصلي عليها. دنت من شجرة الليمون القارص المعمرة، وافترشتها على مهل، وأفردت الركائز الخشبية، وعلَّقت “شكوتها”، بعد أن قضت ليلة كاملة مملوءة بالحليب بالقرب من الكَانون. هكذا كانت نساء الدُّوَّار يفعلن لتسريع عملية ترويب الحليب.

أضافت القليل من الملح والماء الفاتر إلى الحليب الرائب، لحفظ سيولته ومنعه من “التجبن” والتخثر، كي لا يتحول إلى كتل يستعصي خَضُّها، ثم نفخت فيه من نفسها كما نفخ الإله فيها من روحه، لتختلط أنفاس البشر بفرث ودم الحيوانات الحلوب، القادم من تراب الأرض وخشاشها، فتتقوى آصرة القرابة البيولوجية بين الإنسان والطبيعة، فيستحيلان شيئًا واحدًا.

وبينما كَبُّورة تَرُجُّ شكوتها المعلقة في الركائز الخشبية، وقد أسندت ظهرها إلى جذع شجرة الحامض، وافترشت هيضورتها، أحاط بها الصغار، بما فيهم حميد الذي ترعرع في غفلة عنها، وصار شابًّا يافعًا.

عملية خض الحليب – نفضل عبارة نَخْضْ الحليب بدل خض الحليب وفاءً لمن عاشوا ومن لا يزالون يقاومون في هذا العالم القروي – عملية اجتماعية ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر، ليحصلوا على قطعة زبدة أو لبن فاتر. وأما إن كان الجو حارًا، فلا بدَّ أن يحظوا بمَرِيس اللبن، وليس هناك طعام ألذ وأطيب في الصيف من “مْرِيسْة” اللبن، خليط متماسك القوام مكون من اللبن وطحين الزَّمِّيطْ أو الزَّمِّيطة، وهي عبارة عن حبوب شعير محمصة، تضاف إليه بعض الأعشاب الطبية والمُنَسِّمة، يتم طحنها معه، فيعطينا دقيق الزميط، ويستعمل كحساء بارد حين يُمزج بالماء أو اللبن، ويؤكل عبارة عن عجين متماسك، يتم تناوله مع زيت الأرڭان على الخصوص، وإن تعذر فزيت الزيتون، وهي أكلة منتشرة عند شعوب شمال إفريقيا.

السفر في هذا العالم المُغبرّ، عالم الوجود بين الخفاء والتجلي، عالم البداوة المتجذر في الأرض، يباغتنا دائمًا برغبته في التحدي والمكابرة أحيانًا، بعاداته ونُظم عيشه، وثقافته، وبالكلمات، وهذا ما يخلق علاقة “الاكداء” بين الباحث أو المتحدث عنه، وبين كلماته التي تتمنع أحيانًا عن الفهم والقراءة؛ و”الهيضورة” من تلك الكلمات التي تُكدي كل باحث عن معانيها، فمثلها مثل الحليب الرائب، لا يفصح عن “زبدته” إلا بالخض والرَّجِّ، وهذا ما نحاول القيام به بقدر ما تتيح شساعة المعاني ورحابة دلالاتها.

فمن أين أتت هذه الكلمة التي أثَّثت الحياة في القرية والبادية؟ هي مجرد فرو حيوان، تمت معالجته بالملح والشَّبَّة، للتخلص من الدهون والجلود الميتة، ليتحول إلى سجادة للصلاة، وفراش للنوم، وتزيين البيوت والجدران، وفيها مآرب أخرى.

هل هي رمز الخصب؟ هيضورة، من “هَادِرَة”، أي أرض خصبة مليئة بالعشب؟ هل لها علاقة بالهَادِر، أي اللبن الرائب حينما يَخْثُر أعلاه ويَرِقُّ أسفلُه؟ أم هي من أصول جرمانية انتقلت إلى أمازيغ المغرب العربي عبر الأندلس، كما قال بعض الباحثين، حيث ذهب إلى أن كلمة هيضورة (تَهِيضُورْتْ بالأمازيغية) يرجع أصلها إلى اللغة الجرمانية، فنجد أن هذه التسمية تُطلق على الجلد في كثير من اللغات ذات الأصل الجرماني، كالإنجليزية (Leather)، والإيسلندية (Ledur)، وكلمة (Leder) بالألمانية.

ويُعتقد أنها انتقلت إلى اللهجات المغربية إما عبر الأندلس، أو عبر اللهجات الأمازيغية التي أخذتها بدورها من الجرمانية خلال الحقبة الوندالية.

لكن الرأي المرجح أنها انتقلت عبر اللهجة الأندلسية، وما يدعم هذا الطرح هو أن نطق هذه الكلمة في اللهجة العربية هو الأقرب من نطقها في اللغة الأصلية، بينما في لهجات الأمازيغ قد أُضيفت لها أحرف زائدة (تَهِيضُورْتْ)، وهي حروف التأنيث بالأمازيغية، فنقول أفرُوخْ (الولد)، ومؤنثه تَفْرُوخْتْ.

كَبُّورة لا تعنيها هذه المتاهات شيئًا، وحين يحدثها حَميدْ بهذه المعلومات والمعارف والتفاصيل الدقيقة، تبقى مَشدوهة، وقد ارتخت شفتاها، وجحظت عيناها، في محاولة لفهم علاقة الجِيرْمَانْ بِاللْمَانْ، وعلاقة ذلك كله بهيضورة كبش العيد، التي تفترشها للجلوس وللصلاة؟ وحين لا تسعفها مداركها في فهم ما يتحدث به حميدْ، وبكبرياء قروي:

  • وَ نُوضْ ڭْلَبْ عْلَيَّ وَجْهَكْ، خَلِّيني نْكمَّلْ هَادْ النْخَيْضَة.

هي طريقة البدو في حسن التخلص ورفع الحرج، فلا يليق بها أن تقول: “لا أعلم”، فتحط من قدرها أمام هذا الذي كان بالأمس يعبث في أحشائها، فتترفع بأنها:

  • مَامْسَالِيَا لْهَادْ الهَضْرَة الخَاوْيَة.

وسواء تعلق الأمر بمسائل الدنيا وشؤون الحياة، أو مسائل الدين والآخرة، نجد دائمًا هذا النوع من المكابرة في الحوار بين القرويين، وادعاء المعرفة، التي تعني هنا معرفة كيفية البقاء بما يقتضيه البقاء من معارف وخبرات، وتجاوز كل التحديات والمصاعب التي تطرحها البيئة البدوية مهما كانت بسيطة، ولو تعلق الأمر بطريقة ربط البردعة على ظهر الحمار، فكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية تتطلب “معرفة”، وحين يقول الشخص إنه لا يدري ولا يعلم كيف يقوم بهذا الأمر أو ذاك، يكون عرضة للسخرية والحط من مكانته، لذا نجد البدو والقرويين يحرصون على تعليم أبنائهم وتلقينهم كل فنون الحياة منذ نعومة أظافرهم، وكلما تعلم الطفل بعض الأمور مبكرًا، كان ذلك دليلًا على نضجه، وبالتالي على المكانة التي سيحتلها في شبكة العلاقات.

كَبُّورة لا تفقه كثيرًا مما يقوله حميد، لكنها عندما ستلتقي بفاضمة وحَدِّيَّة، ستعرف كيف تستثمر كل ما سمعته لتركيب وتشكيل عدد من العبارات والجمل الغامضة، كي تُفحم بها صاحبتيها. لذا، حينما يتحدث حميد، ابنها، تُطرق السمع أحيانًا في محاولة لتأسيس فهم من نوع ما، وربط أطراف الحديث بما ستقوله في اليوم التالي حينما تلتقيهما، وأحيانًا، وبمكر بدوي، تدَّعي عدم الفهم، وتطلب من حميد أن يعيد عليها بعض ما قاله، ليس لتفهم، ولكن ليترسخ الكلام في سمعها وذاكرتها حتى لا تنسى.

حين تجتمع نساء القرية، يحلو لكل واحدة منهن أن تُظهر تفوقها وتميزها في مجال ما، وأن تباهي، ليس من باب المباهاة والتكبر، لكنه سلوك يسكن اللاوعي، وهو الخوف من أن يُتهم الشخص بعدم المعرفة، بمعنى أن المعرفة بشؤون الدين، بمفهومه القروي البدوي، وأمور الحياة البدوية، هي تحصيل حاصل، وليست مفخرة يباهي بها شخصٌ شخصًا آخر.

روائي من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً