خطوط وحيوات متوازية: إدوارد سعيد موسيقياً وناقداً
تأليف: تور هولست*

ترجمة: رويدا جابر السعدني*
على الرغم من ذيوع صيت الناقد والباحث الفلسطيني الأمريكي “إدوارد سعيد” بوصفه علماً في دراسة وشرح وشيجة القربى بين الأدب والفن والسياسة ـ ولاسيما خطابات الاستعمار والإمبريالية ـ إلا أن شغفه العميق بالموسيقى لم يكن يوماً بمنأى عن مشروعه المعرفي. فبجانب كونه عازف بيانو بارعاً، أرفد “سعيد” المكتبة الموسيقية بثلاثة مؤلفات نقدية رصينة، كما أسهم بالتعاون مع الملحن والمايسترو الموسيقي “دانيال بارنبويم” في تأسيس “أوركسترا ديوان الشرق والغرب”؛ وهي تجربة فنية رائدة ضمت طاقات شابة من فلسطين وإسرائيل ومختلف الأقطار العربية. وعلاوة على ذلك، فقد مارست الموسيقى تأثيراً جوهرياً في صياغة جهازه المنهجي؛ ولعل النموذج الأبرز هنا هو اجتراحه لمفهوم “القراءة الطباقية” (Contrapuntal Reading)، المستلهم مباشرة من تقنية “الكونترابوينت” (Counterpoint) في التأليف الموسيقي. إن “سعيد” في جوهره لا يكتفي بحياة واحدة، بل يحيا حيوات عدة متوازية؛ فهو يقيم في أمكنة وتخصصات شتى في آن واحد، متمثلاً حالة “اللا انتماء” أو الحضور المتعدد جغرافياً وفكرياً. وفي لقاء سابق له، استدعى استعارة “الطباق” مرة أخرى، لا لفك شفرات النصوص الأدبية فحسب، بل لقراءة سيرته الذاتية ومسارات حياته الخاصة. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى استجلاء العلاقة الجدلية بين الموسيقى والمنهج لدى “إدوارد سعيد”، وكيف تضافرت هذه الرؤى في تشكيل ملامح هويته الفكرية النهائية.
1- يُصنف إدوارد سعيد (1935-2003) كأحد أبرز منظري “ما بعد الاستعمار” والنقد الأدبي في العصر الحديث. وقد حظي كتابه العمدة “الاستشراق” (1978) بانتشار واسع في الدوائر الأكاديمية؛ لما قدمه من تحليل معمق لكيفية توظيف “تمثيلات الآخر” غير الغربي في الخطاب الغربي حول الشرق، بوصفها أداة لممارسة الهيمنة الاستعمارية والسيطرة الإمبريالية على من اصطلح الغرب على تسميتهم بـ “الشرقيين”. وعقب صدور هذا المؤلف، تلقف أفكار سعيد وتبناها جمع من العلماء المؤثرين من أمثال: جوري فيسواناثان، وهومي بهابها، وغاياتري سبيفاك، الذين أخضعوا أطروحاته للنقد والتعديل، ووسعوا نطاق تطبيقها ليشمل مجالات التاريخ والجغرافيا وفضاءات التمثيل الأخرى. ولا تزال الأصداء العميقة التي أحدثها “الاستشراق” وما تلاه من مؤلفات ملموسة وفاعلة داخل الحقل الأكاديمي المعاصر. وإلى جانب منجزه الفكري، كان سعيد صوتاً فاعلاً وملازماً للقضية الفلسطينية طوال حياته؛ إذ نجح في الربط بين اهتمامه بنقد المخططات الاستعمارية للتمثيل والسيطرة، وبين تحليلاته السياسية للتدخلات الأمريكية المعاصرة في الشرق الأوسط، وتفنيد المسوغات التي تسوقها إسرائيل لاستمرار احتلال قطاع غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان. وفي سياق مواقفه السجالية، برزت معارضته الحادة لاتفاقية أوسلو عام 1993، والتي وصفها بـ “فرساي الفلسطينية”؛ وهو موقف جلب عليه عداوة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة من جهة، وأثار حفيظة القيادات الفلسطينية التي اعتلت سدة السلطة بموجب تلك الاتفاقية من جهة أخرى (سعيد 2005).
2- بيد أن “إدوارد سعيد” لم يقتصر في مسيرته على كونه أكاديمياً ومناضلاً سياسياً فحسب، بل كان أيضاً موسيقياً بارعاً وناقداً موسيقياً ضليعاً. وتتضمن قائمة مؤلفاته ثلاثة كتب مرجعية في الموسيقى (صدرت في الأعوام: 1991، 2002، 2006)، فضلاً عن مجموعة ضخمة من المقالات والمراجعات النقدية المتخصصة في الموسيقى الكلاسيكية وفن الأوبرا (نُشرت مجتمعة عام 2008). كما تجسد تعاونه المثمر مع قائد الأوركسترا “دانيال بارنبويم” في تأسيس “أوركسترا ديوان الشرق والغرب”، التي ضمت بين جنباتها موسيقيين شباباً من فلسطين وإسرائيل والدول العربية المجاورة. يسعى هذا المقال إلى تقصي السبل التي عكست من خلالها حياة “إدوارد سعيد” كموسيقي —بالمفهوم الأنطولوجي والموسع لهذه الكلمة— حياةً أخرى، أو ربما “حياة موازية” لتلك الحياة العامة التي عُرف بها كأستاذ للأدب والسياسة. كما ستعكف الدراسة على استنطاق الكيفية التي شكلت بها الموسيقى ركيزة جوهرية في معظم نتاجه الفكري؛ بما في ذلك النصوص التي قد يُظن للوهلة الأولى أنها بمنأى عن الفضاء الموسيقي.
3- وُلد إدوارد وديع سعيد في مدينة القدس عام 1935، لأسرة فلسطينية بروتستانتية؛ من أمٍ ذات جذور نصف لبنانية، وأبٍ شارك في الحرب العالمية الأولى وكان يعتز بهويته الأمريكية. تنقلت الأسرة في عيشها بين القاهرة والقدس حتى عام 1948، وهو العام الذي شهد استقرارهم النهائي في مصر إثر النكبة وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين. وبعد ثلاث سنوات، أُرسل “سعيد” إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته؛ وقد جاء هذا القرار مدفوعاً بوازعين: الأول هو نزعة التمرد التي أبداها تجاه معلميه الإنجليز ذوي التوجهات الاستعمارية في “كلية فيكتوريا” بالقاهرة، والثاني هو رغبة والده في ضمان حصول ابنه على الجنسية الأمريكية (سعيد 1999).
4- في مذكراته “خارج المكان” (1999)، كما في “إدوارد سعيد: المقابلة الأخيرة” التي سُجلت قبيل رحيله عام 2003، تحدث سعيد باستفاضة ومكاشفة عن المحورية الدائمة للموسيقى في حياته. فمنذ نعومة أظفاره، عكف على عزف البيانو، وكان يمتلك موهبة “الأذن المطلقة” (Perfect Pitch)، وهي قدرة نادرة تتيح لصاحبها تمييز النغمات وتحديدها بدقة متناهية بمعزل عن مقارنتها بنوتات أخرى؛ وهو ما يعد استثناءً حتى بين أمهر الموسيقيين. وعندما سُئل عن أسباب عزوفه عن احتراف الموسيقى، أجاب: “…لطالما شكل البيانو معضلة بالنسبة لي؛ إذ لم تكن قدراتي التقنية (براعة الأصابع) تضاهي حدة أذني الموسيقية أو سعة ذاكرتي”. ومع ذلك، فقد استمر في العزف بجدية بالغة، حتى خلال سنوات دراسته في جامعة هارفارد، إلى أن أدرك لاحقاً أن مهاراته الأدائية —رغم تميزها— لن تبلغ يوماً المستوى الذي ينشده للمسار المهني الذي تصوره لنفسه (سعيد 1999: 291).
5- عبر استرجاعه لذاكرة الطفولة، يربط “سعيد” جلّ ذكرياته بالموسيقى، لكنها موسيقى من نوع خاص؛ فبنشأته في فلسطين ومصر إبان الحقبة الاستعمارية، ظل سعيد في معزلٍ عن “الثقافة الشعبية” السائدة، لاسيما وأن نشأته خلت من وجود جهاز التلفاز. كما كانت مشاهدة الأفلام السينمائية مقننةً بمرة واحدة أسبوعياً، فيما كان الوقت المتبقي مكرساً “للمكتبة” وقراءة الأدب الكلاسيكي الإنجليزي؛ وهو ما ولّد لديه إحساساً باللغة الإنجليزية بوصفها “لغة أدبية بامتياز”، لا صلة لها باللغة العربية “الديموطيقية” (العامية) التي كانت تجري على ألسنة الناس في حياتهم اليومية. وعلى المنوال ذاته، آثر سعيد منذ صباه الموسيقى الغربية الكلاسيكية على الموسيقى العربية؛ ففي مقدمة كتابه “الموسيقى على الحدود” (Music at the Limits)، ترسم زوجته “مريم” صورةً له وهو طفل يصغي بتركيز لبرنامج “ليالي الأوبرا” (Nights at the Opera) الذي كانت تبثه إذاعة “بي بي سي” أيام الأحد في القاهرة الملكية. وفي مقابلته الأخيرة، يصف سعيد انحيازه المبكر لهذا النوع من الموسيقى بعبارات أكثر حدة وجزماً: «كانت ذائقتي محصورة كلياً في الموسيقى الكلاسيكية الغربية؛ أما الموسيقى العربية، فكانت في ذاكرتي مرتبطة حصراً بالمناسبات العائلية. وفي إحدى المرات التي تعرضتُ فيها لتجربة موسيقية عربية مكثفة —كنت حينها في التاسعة من عمري— ذهبنا للاستماع إلى “أم كلثوم”، فتملكتني حالة من النفور والتمرد؛ إذ صدمتني ألحانها وبدت لي حينذاك “مفزعة”. لم أستطع تحديد ملامح أو قالب عضوي لتلك الموسيقى، فقد بدت لي مجرد تكرار رتيب مع تنويعات طفيفة في كل مقطع. لقد كان ثمة تناقض مروع بينها وبين الموسيقى الغربية —كأعمال “موزارت” و”بيتهوفن” و”مندلسون”— تلك الأعمال التي عشقتها وكنت أعزف مقطوعاتها أحياناً». (المقابلة الأخيرة، 23:35 – 24:26).
6- إن الصورة التي ترتسم لإدوارد سعيد في طفولته هي صورة طفل فلسطيني يحمل اسماً إنجليزياً، دُفع دفعاً للتفاعل مع “الثقافة الغربية الرفيعة” في مقابل (الثقافة الشعبية) والتماهي معها تدريجياً، سواء عبر رفوف المكتبات أو من خلال أثير الأوبرا. وبينما كان يجلس في مسرح مصري يصغي للموسيقى العربية، كان ثمة حنين جارف يشده إلى “موطنه” الروحي بين أساطين الموسيقى الكلاسيكية الغربية. وبالنسبة لقراء كتابي “الاستشراق” (1978) و”الثقافة والإمبريالية” (1993)، قد تبدو هذه الصورة للوهلة الأولى منطوية على مفارقة ساخرة؛ إذ ينبري سعيد في هذين المؤلفين لنقد كيفية تمثيل “الآخر” غير الغربي في الفنون والآداب والموسيقى الغربية. ومع ذلك، فإن هذه الصورة تقدم السياق الجوهري الذي يوضح تموضع سعيد الشخصي في تحليلاته؛ فباعتباره عالماً يجمع بين الهويتين الغربية وغير الغربية في آن واحد، استطاع صياغة نقد مركب وعميق للثقافة الغربية الرفيعة، مستنداً في ذلك بالتحديد إلى شغفه وفهمه العميق للموسيقى والفن والأدب المنبثق من رحم هذه الثقافة ذاتها. كما تشكل هذه الصورة خلفيةً لكتاباته الأكثر تنظيراً، مثل: “العالم والنص والناقد” (1983) و”صور المثقف” (1996)؛ حيث يبسط سعيد منهجيته مختاراً بوعي مفهوم “الانتماء” (Affiliation) كبديل لمفهوم “البنوة” (Filiation)، ومنتصراً “للهجنة” على حساب “الجوهرانية الثقافية”، ومعرّفاً “المنفى” بوصفه حالة ذهنية متأصلة في أداء دور المثقف (سعيد 1996: 47-65). أخيراً، فإن صورة سعيد الشاب وهو يوزع اهتماماته على تخصصات وأشكال فنية شتى، تمثل انعكاساً لرثائه المتكرر للمثقف المعاصر الذي يفتقر —على نقيض مثقفي العصور الغابرة— إلى المعرفة الموسيقية الكلاسيكية الواسعة سعيد (2002)؛ وهي صورة تجسد عشقه “للتعقيد” ورفضه القاطع لما يراه تعبيراً “تبسيطياً” مسطحاً، سواء في الموسيقى أو الأدب أو السياسة.
7- قد يرى القراء المنشغلون بالتحليلات الأدبية والسياسية لإدوارد سعيد أن عزفه على البيانو وكتاباته عن الموسيقى الكلاسيكية الغربية لا تعدو كونها اهتمامات هامشية، بيد أن الحقيقة تؤكد أن الموسيقى قد صهرت منهجيته وشكلت رؤاه في تلك المجالات بصورة جذرية. ولعل المثال الأبرز على ذلك نجده في كتابه “الثقافة والإمبريالية” (1993)؛ حيث استعار لأول مرة المصطلح الموسيقي “الطباق” (Counterpoint)، الذي تحول —على حد تعبيره— إلى “هاجسٍ ملازم” (المقابلة الأخيرة، 27:42). ويتجلى مفهوم “الطباق” في سياقه الموسيقي في صياغة خطوط لحنية تتحرك باستقلالية تامة عن بعضها البعض، ومع ذلك، فهي تشكل نسيجاً متناغماً عند عزفها في آنٍ واحد. ويظل “فوجا” (Fugue) باخ النموذج الأمثل لهذا الفن، ولاسيما في أداء عازف البيانو “غلين غولد” لـ “تنويعات غولدبرغ”، وهو الموضوع الذي أفاض سعيد في الكتابة عنه طوال مسيرته (سعيد 2008). وما يفتأ سعيد يؤكد في شرحه للطباق الموسيقي على قيم “الحوار والشمولية في تعايش الأصوات المتعددة”، حيث لا تُمنح “مزية مؤقتة لصوت بعينه؛ بل يبرز التناغم والنظام من خلال تعدد الأصوات (Polyphony) الناتج” (سعيد 1993: 59). وحتى بالنسبة لمن يفتقرون للتدريب الموسيقي الأكاديمي، يمكنهم إدراك مقصود سعيد غريزيًا عند الإنصات إلى الألحان المتشابكة في “تنويعات غولدبرغ”؛ حيث يبدو الصوتان في المقطوعة وكأنهما في حالة “حوار” مستمر: فبينما تؤدي اليد اليمنى دوراً في السجِل الصوتي المرتفع (Soprano)، “تجيبها” اليد اليسرى في السجِل المنخفض (Bass) عبر تطوير التيمة الموسيقية، ثم تتبادلان الأدوار في جدلية لحنية مستمرة حتى خاتمة القطعة.
8- عمد “سعيد” في تكييفه الأدبي لهذا المصطلح إلى صياغة رابطة وشيجة بين الموسيقى والنص، عبر ابتكار مفهوم “القراءة الطباقية” (Contrapuntal Reading). وبموجب هذا المنهج، حين نستنطق الأرشيف الثقافي، فإننا نعيد قراءته لا بوصفه صوتاً منفرداً، بل من منظور “طباقي” يرتكز على إدراك متزامن لكل من “التاريخ المتروبولي” (تاريخ المركز الحضري المسرود)، وتلك “التواريخ الأخرى” التي يتفاعل معها الخطاب المهيمن أو يعمل على تهميشها في آن واحد (سعيد 1993: 59).
9- إن “الأرشيف الثقافي” الذي يحيل إليه سعيد يتمثل أساساً في “المتن الأدبي (Canon)” والأوبرالي العالمي؛ لدى أسماء مثل: أوستن، وكونراد، وكيبلينج، وكامو، وفيردي. وحين يشرع في قراءة أعمالهم قراءة “طباقية”، فإن تلك “التواريخ الأخرى” التي يسعى لاستحضارها هي حضور المستعمرات، أو غيابها المتعمد؛ سواء في المتن الثقافي ذاته، أو في القراءات التقليدية له، وصولاً إلى ممارسات إعادة كتابة التمثيل التي اضطلع بها كتاب مناهضون للاستعمار من أمثال: ييتس، وسي. إل. آر. جيمس، وفانون.
10- في قراءته لرواية “حديقة مانسفيلد” (1814) لجين أوستن، يتقصى سعيد ذلك الحضور المستتر للمستعمرات الذي طالما أُغفل في الدراسات السابقة؛ مشيراً إلى أن نفقات صيانة القصر —مسرح الأحداث— كانت تُسدَّد من عوائد مزارع الرقيق في “أنتيجوا”. بطلة الرواية، “فاني”، هي ابنة أخت سيدة القصر، وتطمح بهدوء وتأمل إلى استحقاق كرم الضيافة الذي حُظيت به حين سُمح لها بالإقامة فيه. وبينما يغيب “اللورد بيرترام” عن القصر لرعاية ممتلكاته في المستعمرات، ينزلق أبناؤه —أبناء عمومة فاني— وأصدقاؤهم إلى سلوكيات لا تليق بمكانتهم الاجتماعية، منخرطين في نزوات عاطفية وعروض مسرحية للهواة، ولا يستقيم أمرهم إلا بعودة اللورد. يوضح سعيد كيف وظف اللورد بيرترام تنظيماً مكانياً وسلطوياً في مزارعه يماثل ذلك الذي فرضه في منزله، وكيف أعيد إنتاج هذا النظام لاحقاً عبر شخصية “فاني” التي غدت “السيدة الروحية للمنزل” (سعيد 1993: 100-116). ومن ثَمَّ، لا يهدف سعيد فحسب إلى اتهام “أوستن” بإغفال قسوة تجارة الرقيق —وإن كان هذا الغياب بحد ذاته دلالة صارخة— بل يرمي إلى تفسير أثر تلك الإغفالات على بنية الرواية والأوضاع التي تصورها. وفقاً لهذه القراءة، تغدو “حديقة مانسفيلد” حكاية إنجليزية محلية حول فتاة تكتسب الوعي والأخلاق والملكية، وتتوج ذلك بالزواج من طبقة أرستقراطية لا تنتمي إليها طبقياً، وفي الوقت ذاته، سردية توضح كيف تُحجب القسوة الاستعمارية خلف ستار “الكياسة” والحوار المهذب؛ رغم أن التدخل الذي يحمي المحتوى الأخلاقي لهذه الكياسة قد يكون هو نفسه نتاج المواجهة الاستعمارية. وفي قراءة سعيد، يعمل نص “أوستن” وسياقه “المحذوف” كصوتين في مقطوعة “فوجا” (Fugue)، يعلق كل منهما على الآخر، ليشكلا معاً بنية معرفية أوسع وأشمل مما قد يوحيه النص أو السياق إذا ما دُرسا بصفة منفردة.
11- يطرح “سعيد” رؤية مماثلة في قراءته لعمل جوزيف كونراد الكلاسيكي “قلب الظلام” (1899)؛ حيث يتتبع رحلة “مارلو”، راوي الرواية، إلى أعماق أفريقيا بحثاً عن “كورتز”؛ الضابط الاستعماري الذي فقد اتزانه العقلي ونصب نفسه حاكماً مستبداً على قبيلته. يمثل “كورتز” مصدر حرج لـ “الشركة الاستعمارية”؛ لأنه يجمع العاج للاستهلاك الأوروبي عبر ممارسات وحشية غالباً ما تُنسب زيفاً لأفريقيا وسكانها، وبذلك يصور كونراد (عبر لسان مارلو) الاستعمار في أفريقيا بوصفه نظاماً قاسيًا من الاستغلال، يضع “الرجل الأبيض” في مواجهة صورة مشوهة وزائفة لذاته. بيد أن مارلو —ومنه كونراد— لا يستطيعان تصور أفريقيا كيانًا مستقلاً بمعزل عن ذلك النظام القهري الذي يصورانه. وفي هذا الصدد، يشير الكاتب الأفريقي “تشينوا أتشيبي” إلى أن كل شخصية سوداء في الرواية تظل إما صامتة أو هامشية (سعيد 1993: 200). ومع موافقة سعيد على هذا الطرح، إلا أنه يصر على أن رؤية الرواية للجنون الأوروبي المزروع في “القارة المظلمة” لا ينبغي نبذها لمجرد عجز كونراد عن تخيل خروج أفريقيا من دوامة الفوضى والقسوة في حال تُركت لشأنها. بل إن الرواية تمثل نموذجاً مؤثراً لمنطق “المركزية الأوروبية” الذي لا يزال حياً حتى يومنا هذا؛ وهو المنطق القائل بأن “الممتلكات الخارجية” كانت بمثابة “أرض مباحة” (Terra Nullius) قبل وصول الرجل الأبيض. ومن هذا الافتراض الباطل، يستتبع منطقياً أن تلك الأرض تظل في حاجة مستمرة للوصاية والحكم؛ وهو ما يُعرف بمنطق “عبء الرجل الأبيض” الذي يؤيده ضمنياً كتاب مثل كونراد، الذين ورغم نقدهم لآليات تنفيذ ذلك الحكم، يعجزون عن تصور بديل له. لذا، فإن قراءة “قلب الظلام” قراءةً طباقية تتطلب استحضار “أفريقيا” التي غابت عن بصيرة مارلو وكونراد، وإضافتها إلى نسيج الرواية كـ لحن ثانٍ خافت يمنح اللحن الأساسي عمقاً وكثافة معرفية.
12- يستطرد “سعيد” لاحقاً في كتابه “الثقافة والإمبريالية” واصفاً كيف استعاد هذا المنطق ذاته هيمنته على الفضاء العام في الولايات المتحدة إبان “حرب الخليج” (1990-1991) كمسوغ لغزو العراق (341-349، 391) حيث يحلل الكيفية التي يعمد بها الخطاب الاستشراقي الاختزالي لثنائية “الإسلام مقابل الغرب” إلى خلق لغة نمطية ومختصرة لتوصيف الآخر؛ مما يفاقم الانقسام القائم بين “نحن” و”هم”، ويختزل النقاش إلى درجة تبدو فيها “القوة الغاشمة” هي الحل الوحيد الممكن، انطلاقاً من فرضية واهمة تدعي أن هذا الآخر لا يفهم سوى لغة القوة. ونتيجة لذلك، يخلص سعيد إلى أنه خلال حرب الخليج الأولى، عجز حتى معارضو الحرب الأمريكيون عن خلق “فضاء استطرادي” (Discursive Space) يؤمن بإمكانية سيادة الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط دون تدخل عسكري أمريكي. وهكذا، أعيد إنتاج العالم “المستعمر سابقاً” بوصفه “أرضاً مباحة” يسكنها آخرون غير غربيين، لا غنى عن فرض الوصاية عليهم. ويرى سعيد أن أعمالاً كلاسيكية مثل “قلب الظلام” و”حديقة مانسفيلد” تمثل روافد أساسية في “الأرشيف الثقافي” الذي يمنح المشروعية للخطابات الاختزالية المعاصرة حول الآخر؛ ما لم يُعد قراءة هذا الأرشيف قراءة “طباقية” تكشف كيفية انخراطه في منطق الإمبراطورية، وتفضح تهافت هذا المنطق ومغالطاته التي تستوجب تفكيكاً وشرحاً مستفيضاً.
13- ومع ذلك، يظل من الأهمية بمكان لدى “سعيد” ألا يُفهم منهجه على أنه دعوة لرفض النصوص التي تشكل هذا الأرشيف بعد قراءتها نقدياً؛ ذلك أن تعقيد هذه النصوص وقدرتها على استيعاب وجهات نظر متناقضة تظل —في نظر سعيد— مجسدةً لما أسماه “ماثيو أرنولد”: «أفضل ما عُرف وفُكر فيه» (سعيد 1993: 52). فهو يرى أن «… السرديات تكتسب أهمية بالغة، لكن ما يعنيني ليس تلك القصص التي تبدأ من النقطة (أ) وتنتهي عند النقطة (ي) في خط مستقيم، بل ما يهمني حقاً هو تعايش المسارات وتداخلها؛ من (أ) إلى (ي)، ومن (ب) إلى (ت)، ومن (ج) إلى (خ) وهكذا؛ إن هذا التعايش هو جوهر ما أصبو إليه» (المقابلة الأخيرة، دقيقة 28). ولأجل تصور هذا النوع من التعقيد الذي يصر عليه سعيد في “قراءته الفاحصة”، ينبغي لنا تجاوز حدود كتاب “الثقافة والإمبريالية”. ففي مقالتها حول توظيف سعيد لـ”الطباق الموسيقي”، تستعير الباحثة “بوشنيل” (Bushnell) مفهوم “النص الباطني” أو “التحتي” (Subtext) من “كولر” (Culler)، مشيرةً إلى أنه النص المتولد عن تأويل «ينبثق من تحليل بنى اللغة وعناصرها؛ إنه نص داخلي» (بوشنيل: 25). بيد أن إنتاج سعيد لهذا “النص الباطني” يختلف عن أنماط التحليل الأدبي الأخرى بكونه ذا طبيعة “طباقية”. ففي الموسيقى، يتضمن “اللحن الثابت” (Cantus Firmus) تجميلاً وتطويراً للموضوع الأصلي، ليُعاد عزفه في نهاية الدورة بصيغة موسعة وأكثر ثراءً. وإذا ما نقلنا هذا المنظور الموسيقي إلى تكييف سعيد الأدبي للمصطلح، سنجد أن “القراءة الطباقية” تستلزم ما هو أبعد من مجرد الإمساك برؤيتين متكاملتين في إطار واحد. فالأمر لا يقتصر على كون النص الأصلي (مثل “حديقة مانسفيلد” أو “قلب الظلام”) ونثر سعيد التحليلي يعملان كأصوات متشابكة في مقطوعة “فوجا” (Fugue)؛ بل إن سعيداً قد تعامل مع هذه النصوص بوصفها “لحناً ثابتاً” (Cantus Firmus) خاصاً به، ليعكف بعدها —على غرار “باخ” في ابتكاره لتنويعات تُزخرف الموضوع الأصلي— على كتابة “نص باطني” يكشف عن طبقات المعنى المضمرة في ذلك اللحن الثابت. وبناءً على ذلك، حين يعود القارئ لقراءة “حديقة مانسفيلد” أو “قلب الظلام”، يجد الكلمات وقد شُحنت فجأة بكل السياقات التي استنطقها سعيد. إن المنظورات المتباينة الكامنة في النص، والتي تترقب “النص الباطني” لقارئ “الطباق” لتمكينها من البروز، تغدو هي السياق ذاته، مما يثري تجربة القراءة ويمنحها أبعاداً معرفية وجمالية غير مسبوقة.
14- والأهم من ذلك، أن “سعيد” لا يرمي إلى التوفيق القسري بين “الأصوات” المتباينة في تفسيره الطباقي؛ إذ إن قيم “الشمول” و”الحوار” الكامنة في تعدد الأصوات (Polyphony) لا تعني بالضرورة نفي “العدائية” أو الصراع. فهو يتصورها بوصفها «…خطوطاً متوازية… تتحرك معاً دون حاجة إلى المصالحة في أي لحظة؛ بل قد يظل العداء قائماً بينها. ولو قمت بتجميد لحظة زمنية معينة —في مقطوعة “فوجا” مثلاً— لربما سمعت تنافراً (Dissonance) حاداً، لكن ذلك لا يهم؛ إذ إن القيمة الحقيقية تكمن في “التدفق”، وفي الحركة المتصلة، وفي تشابك الخطوط أو الأصوات وتضافرها معاً». (المقابلة الأخيرة، دقيقة 1:53).
15- ومع ذلك، لا يقتصر تطبيق “القراءة الطباقية” في كتاب “الثقافة والإمبريالية” على المتن الأدبي وحده؛ إذ يشرع سعيد في إجراء قراءة طباقية لأوبرا فيردي “المصرية” «عايدة» (1871). ومن خلال هذا التحليل، يرسخ سعيد جانباً من أطروحته التي استهلها في كتابه السابق “الاستشراق” (1978)؛ حيث يوضح كيف استصحب نابليون بونابرت في حملته لغزو مصر جيشاً حقيقياً من العلماء والفنانين والآثاريين، الذين انبروا للكشف عن ماضي مصر (ما قبل الإسلامي) وتدوينه في الموسوعة الضخمة “وصف مصر”؛ لتقدم مصر بوصفها “كياناً معرفياً” مُعداً للاستهلاك الأوروبي. ويستأنف سعيد هذا الدور في “الثقافة والإمبريالية” عبر كشف الكيفية التي استلهمت بها “أوبرا فيردي” تصاميمها وأزياءها من موسوعة “وصف مصر”، بعد تنقيتها تماماً من «… المصريين المعاصرين، فلم يتبقَ في المشهد سوى المتفرجين الأوروبيين» (سعيد 1993: 142). ومن ثَمَّ، أُهلت هذه المساحة المسرحية لتعج بشخصيات مستمدة من “كتالوج الاستشراق” النمطي؛ من سبايا خاضعات، وكاهنات صوفيات، وحكام شرقيين مستبدين. وحتى التغيرات في “البنية التوافقية” (Harmonic Structure) التي أفسحت المجال أمام الكليشيهات اللحنية “الشرقية” —التي شاع استخدامها لاحقاً في رقصات “الهوتشي كوتشي” (Hoochy-koochy) الكرنفالية— يرى سعيد أنها استندت في الأصل إلى دراسات علمية غربية حول “الموسيقى الشرقية” (سعيد 1993: 145-146).
16- تتجلى النزعة الواعية للارتداد إلى “ماضي ما قبل الإسلام” في ظروف نشأة هذه الأوبرا ذاتها؛ إذ كلف الخديوي إسماعيل (نائب الملك العثماني في مصر آنذاك) الموسيقار “فيردي” بصياغتها، لتُعرض في دار الأوبرا القاهرية المشيدة حديثاً. كانت القاهرة في ذلك الحين مدينة عربية وإسلامية بامتياز، رغم سعي الخديوي الحثيث لإعادة تشكيلها لتغدو “بوابة أوروبية نحو أفريقيا”، أو كما وُصفت بـ «باريس على النيل» (سعيد 1993: 153). ووفقاً لرؤية سعيد، فإن أي أوبرا ضخمة بحجم “عايدة” تُعرض في القاهرة بالتزامن مع افتتاح قناة السويس، كان سيُنظر إليها من قِبل عامة المصريين بوصفها “استعراضاً نخبويًا أوروبيًا” مكثفاً. بيد أن تقديم أوبرا “عن مصر” تتجاهل تماماً الوجود الفعلي للمجتمع المصري الإسلامي المعاصر، وتستحوذ في المقابل على ماضيها القديم (ما قبل الإسلامي) —كما فعلت “عايدة”— كان يمثل تجسيداً لقوة استعمارية متغطرسة؛ لدرجة أن سعيداً يرى في هذا الاستعراض حافزاً ربما أسهم فعلياً في إذكاء جذوة القومية المصرية الصاعدة آنذاك. وفي نهاية المطاف، توقفت عروض “عايدة” في القاهرة بعد فترة وجيزة، لتنتقل إلى دور الأوبرا في أوروبا وأمريكا، حيث لا تزال تُعرض حتى يومنا هذا كجزء من المتن الأوبرالي العالمي.
17- وكما يتضح من هذا التحليل، فإن سعيد يولي اهتماماً متساوياً للموسيقى والأدب بوصفهما نمطين من التعبير الفني الجدير بالتحليل؛ بيد أنه يراهما أيضاً متجذرين —على حد سواء— في المشروع السياسي للهيمنة الإمبراطورية، ويقوم بتحليلهما بالمنهجية ذاتها. وبناءً على ذلك، يصبح عزف الموسيقى فعلاً سياسياً بامتياز؛ ومن هنا، لم يكن من قبيل المفاجأة أن يشرع سعيد في تعاونه مع المايسترو الإسرائيلي-الأرجنتيني “دانيال بارنبويم” لتأسيس «أوركسترا ديوان الشرق والغرب» في عام 1999. وقد استُمِد اسم الأوركسترا من ديوان شعري كتبه “جوته” (1814-1819) بعنوان «الديوان الغربي والشرقي»، والذي يبدو في جوهره محاولة لصهر شعر “العاصفة والاندفاع” (Sturm und Drang) الألماني مع قالب “الديوان” الفارسي ذي الرمزية العالية، واضعاً بذلك العالمين جنباً إلى جنب في إطار شعري واحد. تضم الأوركسترا أعضاءً من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وقد أُسست بوعي لتكون فضاءً لمحاولة الحوار، لا سيما بين العرب واليهود. ومن ثَمَّ، تبدو محاولة جوته لتعلم اللغة العربية وافتتانه بالقرآن الكريم وبالشعر الفارسي أكثر انسجاماً مع روح هذه الأوركسترا، مقارنةً بروح الهيمنة الإمبراطورية التي طغت على كواليس عرض أوبرا “عايدة”.
18- دُوّنت تفاصيل البروفات الأولى لهذه الأوركسترا في الكتاب المشترك بين سعيد وبارنبويم: «المتوازيات والمفارقات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع» (2002)، وكذلك في المقابلات اللاحقة التي أجراها “بارنبويم”، الذي استمر في قيادة الأوركسترا عقب رحيل سعيد. ونطالع في هذا السياق قصة عازف يهودي من أصول ألبانية يعيش في إسرائيل، مُنع في البداية من الارتجال مع مجموعة من الموسيقيين لأنهم يعزفون موسيقى “عربية”، وهو —بحكم هويته اليهودية— لا ينتمي “عرقياً” لهذا اللون الفني (سعيد وبارنبويم 2002: 8). إن السجال الذي دار لاحقاً داخل المجموعة حول مدى قدرة غير الألمان على عزف مقطوعات “بيتهوفن” —والذي انتهى باتفاق الجميع على إمكانية ذلك طبعاً— لم يفضِ إلى حل الصراع جزئياً فحسب، بل جسّد أيضاً أطروحة سعيد النظرية بأن المساعي الفكرية، بأشكالها كافة، تتجاوز حدود الاختلاف العرقي؛ وهو ما يعزز مفهومه عن المثقف الذي يختار بوعي أن يكون “في غير مكانه” (سعيد 1996). ولا يغيب عن إدراك سعيد أو بارنبويم أن الأوركسترا بحد ذاتها لن تجلب السلام إلى الشرق الأوسط، لكنها قد تسهم، ولو بنصيب يسير، في تبديد الجهل بالآخر، وتعليم أعضاء الأوركسترا فن “الإنصات”؛ في الموسيقى كما في الحوار. وقد بلور “بارنبويم” هذه الفكرة حين تحدث عن عازف تشيلو سوري وآخر إسرائيلي أُجبرا على مشاركة منصة موسيقية واحدة: «كانا يحاولان عزف النغمة ذاتها، بالديناميكية نفسها، وبذات ضربة القوس، وبذات الصوت والتعبير. كانا يحاولان إنجاز شيء ما معاً… وبعد أن حققا ذلك التناغم في النغمة، لم يعد بإمكانهما النظر إلى بعضهما البعض بالطريقة السابقة ذاتها؛ فقد تشاركا تجربة وجودية واحدة».
19- ومع ذلك، لا يُنظر إلى الأوركسترا بوصفها وسيلة للتخلص من العداوات التاريخية عبر الولوج إلى “فضاء لا تاريخي” يقتصر على التعاون الموسيقي الصرف؛ بل إن فكرة الأوركسترا ذاتها —المستلهمة من محاولة “جوته” الصادقة للتعرف على الآخر غير الغربي، ومن مخزون الموسيقى الكلاسيكية الغربية— تنطلق من مبدأ أن “الأرشيفات الثقافية” المذكورة آنفاً كانت دوماً “منطقة تماس” واتصال بين الثقافات المتباينة. وبحكم هذه الحقيقة، ينبغي للمرء أن يكون قادراً على استحضار نماذج الحوار تلك، دون إغفال آثار الهيمنة التي أعقبتها. وفي السياق ذاته، يذكر سعيد وبارنبويم أن التباين في وجهات النظر، بل وحتى العداء الصريح، قد ساد بين بعض الموسيقيين؛ وهو أمر لا يثير العجب بالنظر إلى أن بعضهم ينتمون لدول كانت في حالة حرب فعلية، إلا أنهم داخل “مساحة الأوركسترا” اكتفوا بالسجال اللفظي. ومن ثَمَّ، يمكن اعتبار أوركسترا “ديوان الشرق والغرب” فضاءً “طباقياً” (Contrapuntal Space) بامتياز؛ غير أنها لا تشبه “الطباق” في كتب سعيد، حيث يحاول فرد واحد خلق حوار عبر استدعاء أصوات متعددة، بل هي مساحة ينخرط فيها أشخاص حقيقيون في تجربة “الاعتراف بالآخر” بمساعدة الموسيقى. وهنا، تتجسد تلك «الخطوط المتوازية… التي تعمل معاً دون ضرورة التوفيق بينها في أي لحظة» (المقابلة الأخيرة، دقيقة 33)؛ حيث تُسمع في أصوات هؤلاء الأشخاص الذين —رغم خصومتهم— يتعلمون قيمة “التعايش” داخل هذا الفضاء الطباقي الرحب.
20- عمد “سعيد” في كتاباته المتأخرة إلى تطوير مفهوم “الطباق” (Counterpoint) كإطار تفسيري لم يقتصر استخدامه على قراءة النصوص والموسيقى التي أبدعها الآخرون فحسب، بل امتد ليشمل قراءة “سرديته الشخصية” ذاتها. فرغم أن حياته اتسمت بالاضطرابات والتحولات الكبرى، إلا أنه لم ينظر إليها في نهاية المطاف كعبءٍ سلبي، بل كحالة إيجابية من التعدد؛ حيث كتب في الفقرات الختامية من مذكراته: «أختبرُ نفسي أحياناً بوصفها مجموعةً من التيارات المتدفقة؛ وأنا أؤثرُ هذا التصور على فكرة “الذات الصلبة” أو الهوية الساكنة التي يوليها الكثيرون أهميةً بالغة. إن هذه التيارات، التي تشكل تيمات (موضوعات) حياة المرء، تتدفق عبر ساعات اليقظة، وهي في أبهى تجلياتها لا تقتضي مصالحةً قسريةً أو تناغماً مفتعلاً». (سعيد 1999: 295).
21- وقد تجلت هذه الرؤية للذات بوصفها “تيارات متشابكة” لا تقتضي تناغماً مفتعلاً في “المقابلة الأخيرة”؛ حيث ذكر سعيد أن حياته تتألف من «سلالات معرفية غير قابلة للتسوية»، لا يملك المرء «تبريرها أو تفسيرها» كلياً. وفي هذا السياق، يعيد التأكيد على تلازم «اهتمامه بالأدب وانشغاله الملحّ بالتحرر السياسي، لاسيما فيما يخص القضية الفلسطينية»؛ إذ يرى نفسه “مساحةً مشتركة” تتجاور فيها هذه المسارات بوصفها “تجربةً حية” (المقابلة الأخيرة، 33:00). ويرتبط هذا الطرح مجدداً بضرورة استيعاب التعقيد؛ حيث يقول: «… يمكنك اختبار كل ذلك بوصفه خليطاً غير متجانس… أو يمكنك تصفية جُلّه والقول “هذا هو المهم حقاً”، أو يمكنك أن تقول —كما أفعل أنا— إن هذه العناصر موجودةٌ هناك كُلّها. إن دورك كعقل، كمثقف، وكـ “مترجم”، ومبدع في نهاية المطاف، يكمن في السماح لها بالاستمرار… في مراقبة تفاعلها وهي تعمل معاً، والسماح لها بالتأثير المتبادل، ومن ثَمَّ تسجيل ذلك بطريقة ما؛ وهذا هو جوهر تأكيدي الذاتي» (المقابلة الأخيرة 34:00).
22- تماماً كما لا يعتدُّ سعيد بالسرديات التي «تنتقل من الألف إلى الياء» في خطيّة رتيبة، فإنه يسعى كذلك إلى صهر خبراته الإنسانية وتحويلها إلى كينونة ذات معنى، دون اختزالها فيما يُشاع عنه أنه “الأهم حقاً”؛ إنه يكتب “طباقاً ذاتياً”، إذا جاز التعبير، يُشكل بمرور الوقت حججاً علمية متسقة ورصينة. فبالنسبة لسعيد، لا يُعد “الطباق” مجرد استراتيجية أدبية للتمثيل تهدف لإنصاف الطبيعة المتناقضة للنصوص والموسيقى المعقدة فحسب، بل هو أيضاً وسيلة لتدوين مكمن هذا التعقيد: أي الكيفية التي تستوعب بها الذاتُ التجربةَ الإنسانية برمتها. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يستخدم سعيد ما لا يقل عن أربعة توصيفات متباينة لكنها متآلفة لوصف ما يشغل هذا الفضاء الطباقي: «أصوات متشابكة»، و«خطوط متوازية»، و«سلالات متضاربة»، و«تيارات متدفقة». وفي نهاية المطاف، يخلص إلى أن الأمر «…يتعلق بمفاهيم التعايش؛ بأن العالم ليس مكاناً إقصائياً، وبأن ثمة أشياء مختلفة تحدث في الوقت ذاته. هنا تبرز الفاعلية والإرادة البشرية؛ إذ يقع على عاتقك أنت وحدك عبءُ محاولةِ جمعِ كل هذه الخيوط معاً» (المقابلة الأخيرة 35:00).
23- ومع ذلك، فإن عملية “جمع تلك الخيوط معاً” ومن ثَمَّ “تدوينها” لا تعني فحسب إدراك إمكاناتنا كبشر، بل تقتضي أيضاً الاعتراف بـ “الآخر” ككيان إنساني مساوٍ لنا في القدرة على استيعاب ذات التعقيد. ويتجلى هذا بوضوح في قراءات سعيد الطباقية لـ “الأرشيف الثقافي”؛ حيث يستنطق نصوصاً يكون فيها حضور الآخر المستعمر وتعقيده وإمكاناته مجرد صوت خافت بالكاد يُسمع، كما يظهر في سجالاته حول حروب مثل “حرب الخليج الأولى”، حيث سعى لتمثيل العرب المعاصرين استطرادياً بوصفهم كيانات تتجاوز تلك الصورة النمطية التي تحصرهم في خانة “الآخر غير الغربي” المحتاج دوماً للوصاية الغربية. وفي تجربة أوركسترا “ديوان الشرق والغرب”، يغدو فضاء “الطباق” (Counterpoint) مساحة اجتماعية بامتياز؛ يتعرف فيها الخصوم السياسيون والعرقيون والقوميون على بعضهم البعض كبشر، مدركين أن إبداع الموسيقى لا يتحقق إلا من خلال العمل المشترك. وإذا كان سعيد محقاً في أن “الذات” ليست كياناً أحادياً صلباً، فإن الاعتراف بالآخر قد يتجلى حتى في قدرتنا الداخلية على احتواء “السلالات المتضاربة” دون قسرها على “توفيق” مصطنع. وهكذا، تبدو الموسيقى —بوصفها أحد أسمى أشكال التعبير عن “التجربة الإنسانية”— ركيزة أساسية لفهم كتابات سعيد المؤثرة في شتى المجالات؛ بما في ذلك الفكرة الجوهرية التي تسكن جميع أنشطته: التعايش السلمي في ظل الصراع، حيث يتم البحث عن الحلول في فضاء العقل والتواصل، بدلاً من ميادين العدوان والحرب.
قائمة المراجع
Ahluwalia, Pal & Ashcroft, Bill. Edward Said. 1999. London & New York: Routledge, 2001.
Austen, Jane. Mansfield Park. 1814. New York: Modern Library, 1995.
Bushnell, Cameron Fae. ‘Reading Between the Lines: Resituating Said’s Contrapuntalism in music’, in Counterpoints: Edward Said’s Legacy, Telmissany, May & Schwartz, Stephanie Tara, eds. Newcastle: Cambridge Scholars Publishing, 2010.
Conrad, Joseph. Heart of Darkness. 1899. New York: Norton, 1988.
Deutsch, Diana, ed. The Psychology of Music, 2nd edition. San Diego, CA.: Academic Press, 1999.
Goethe, Johan W. West-Östlicher Diwan. Stuttgart, 1814-19.
Said, Edward W. Orientalism. London: Vintage, 1978.
Said, Edward W. Musical Elaborations. New York: Columbia University Press, 1991.
Said, Edward W. Culture & Imperialism. London: Vintage, 1993.
Said, Edward W. The World the Text and the Critic. Cambridge, MA.: Harvard University Press, 1993.
Said, Edward W. Representations of the Intellectual: The 1993 Reith Lectures Music at the Limits. London: Vintage, 1996.
Said, Edward W. Out of Place: a Memoir. New York: Vintage, 1999.
Said, Edward W. From Oslo to Iraq and the Road Map: Essays. London: Vintage, 2005.
Said, Edward W. On Late Style. 2006. London: Bloomsbury, 2007.
Said, Edward W. Music at the Limits. New York: Columbia University Press, 2008.
Said, Edward W & Barenboim, Daniel. Parallels and Paradoxes: Explorations in Music and Society. New York: Pantheon books, 2002.
Music
Bach, Johan Sebastian. Goldberg Variations. Glen Gould. Columbia Masterworks, 1955.
Verdi, Giuseppe. Aida. Libretto by Antonio Ghislanzoni. Khedivial Opera House, Cairo. 24/12 1871.
Video
Edward Said: The Last Interview. Dir. Mike Dibb. First Run Icarus Film, UK. 2004. DVD.
نبذة حول المؤلف: تور هولست (Tore Holst) باحث ومحاضر بجامعة روسكيلد – الدنمارك. يعمل تور هولست محاضراً خارجياً بجامعة روسكيلد في كوبنهاغن، ويتخصص في أدب ما بعد الاستعمار، والأدب الهندي المكتوب بالإنجليزية، وأدب الرحلات. صنف هولست كتابين في أدب الرحلات حول الهند، وله كتابات مستفيضة تتناول السفر في الهند من منظور دراسات ما بعد الاستعمار. وإلى جانب مسيرته الأكاديمية، يُعد هولست موسيقياً محترفاً؛ حيث أصدر ألبومين موسيقيين، ويعمل حالياً في تدريس الموسيقى بمدرسة “أماجر” الموسيقية (Amager Lilleskoles Musikskole).
نبذة حول المترجمة: الدكتورة رويدا جابر السعدني تعمل أستاذاً مساعداً للأدب الإنجليزي بجامعة الأزهر؛ مترجمة وناقدة مصرية صدرت لها العديد من الترجمات من الإنجليزية وإليها في دور نشر عربية وعالمية. كما نشرت لها العديد من الكتابات النقدية في صحف مصرية.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي