الرئيسية / الأعداد / عن هالات الشاعر إسماعيل زويريق – عبدالله الطني

عن هالات الشاعر إسماعيل زويريق – عبدالله الطني

دراســــــــات

عن هالات الشاعر إسماعيل زويريق

 

عبدالله الطني*

(إلى الأستاذ الفاضل العزيز إسماعيل زويريق شاعرا وإنسانا)

 

المفاهيم بالمعنى الصوفي هالات وعلامات، وبالمعنى الأرسطي سنادات وموضوعات وأسناد، والأسماء محاميل وصور تتجلى فيها تلك العلامات والهالات. ومن ثمة تبقى العلاقة بين المفاهيم والأسماء علاقة تكامل، كي يستقيم المعنى وتكتمل الدلالة.

والمفهوم الذي يشدني إليه هذه المرة، والمناسبة احتفاء مجلة مدارات الثقافية بالأستاذ والشاعر والمبدع إسماعيل زويريق، هو مفهوم “الإنسان التكاملي”، أو الإنسان في ذاته وجزئياته إلى الإنسان في امتداداته وكلياته، من الإنسان المفرد إلى الإنسان المتكوثر.

وهو مفهوم شغل الفلاسفة والمتصوفة وعلماء الإنسان (الأنثروبولوجيون). ويتراوح من خلال تلك الانشغالات بين معنى “الكمال” المُخَوَّل للإنسان، و”القدرة” على امتلاك رؤية شمولية نسقية بدل المنظور التجزيئي الضيق. ومن ثمة كانت مواصفات الإنسان التكاملي لدى سقراط (470 ق م ـ 399 ق م) هو الذي يستطيع معرفة النفس معرفة ذاتية بدل معرفتها بالوكالة، وهذا من مدلولات قولته “أعرف نفسك بنفسك”؛ ولدى أبي نصر الفارابي (874 م ـ 950 م)، يعني القدرة على التناظر النسقي بين قوانين المعرفة (المنطق، الابستمولوجيا) وقوانين الوجود (الأنطولوجيا)، وقوانين التعايش في المجتمع المدني وفق القيم الإنسانية المثلى (الأكسيولوجيا)، والتوفيق بين كيفية التفكير وكيفية الوجود في الوجود، والوجود في المجتمع المدني.

وهي نظرية فصل فيها القول في العديد من كتبه، مثل “آراء أهل المدينة الفاضلة” (1)، وكتاب “تحصيل السعادة” (2)، وكتاب “السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات” (3)؛

في حين يرى الأنثروبولوجيون، وعلى رأسهم “كلود ليفي ستراوس” (1908 م ـ 2009م) صاحب كتاب “الأسطورة والمعنى (1978) ، أن وجود الإنسان محكوم بقانون التكامل بين مختلف أصناف التفكير في إطار وحدة العقل البشري، والتي في إطارها ينفي وجود اختلاف أو تنافي بين تلك الأصناف، وأن الاختلاف الظاهر بينها هو مجرد اختلاف نسبي مشروط بالشروط المعرفية والسوسيوـ ثقافية للكينونة البشرية، من جهة، ومن جهة أخرى بشروط الحرية وحدود الإرادة، ومقابل ذلك شروط الضرورة والالتزام.

أما الفكر الصوفي، فينطلق من قناعة بأن ذلك التكامل المنشود لا يتحقق إلا بواسطة التجلي والاتحاد بالمطلق ومبدأ الوجود والخير، وأن كل منظور تجزيئي وتفكيكي للتجربة الإنسانية فهو لا يعمل سوى على تقزيمها وإفراغها من كونيتها. ومن ثمة كانت نظرية وحدة الوجود لدى محيي الدين ابن عربي من أقطاب الفكر الصوفي في تراثنا.

أما عن الاسم الذي أراه ينطبق عليه هذا المفهوم فهو الأستاذ المربي أبا وأستاذا ومفتشا تربويا، والمفكر والفنان التشكيلي والشاعر الإنساني الكبير، والبهجوي المشرق إسماعيل زويريق، الذي يمتلك مظاهر متعددة لمفهوم التكاملية، فصل فيها القول غيري من المتتبعين لتجربته الوجودية والفكرية، ومن مريدي زاويته الإبداعية والإنسانية.

ومن مظاهر تكامليته منجزاتُه وكتاباتُه التي تصل إلى حوالي تسعة وتسعين منجزا، منها ستة وستون مجموعة شعرية، تميزت باعتناقها مختلف القضايا والقيم التي تحرك التجربة الإنسانية. منجزات استطاعت أن تخترق القلوب والحدود، بل استطاعت اختراق العديد من اللغات مثل الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والهولندية التي تُرجمت إليها أعماله وارتقت بذلك من مستوى الخصوصية والوطنية إلى مستوى العمومية والكونية.

وهو في مجال الشعر بقدر ما هو مهتم بتفاصيل وهوامش التجربة الإنسانية، فهو إلى جانب ذلك مفتون بالمطلق والكلي واللا نهائي، ويرى في الشعر بحرا يحيط بتلك التجربة من كل الجهات. أليس هو القائل: “أكتبُ الشعر لأنه يكتبني / وأجد نفسي عندما أتماهى مع المطلق / وأنزاح إلى النهائي في الشعر / عندما يكون الشعر بحرا محيطا بأحلامنا المريرة”

وإذا كان أرسطو، وبعده الأرسطيون قد عرفوا الإنسان بأنه كائن ناطق، فإسماعيل زويريق يأبى إلا أن يعرفه بأنه “كائن كاتب” (4)

وهذا الشاعر، يمكن القول، أنه شاعر رحماني أو شاعر الجلال والجمال بالمعنى الفلسفي والصوفي للكلمتين. وفيه يتجلى بصدق قول محمود عباس العقاد في إحدى قصائده:

(الشعر من نفس الرحمن مُقْتَبَسٌ   والشاعر الفذ بين الناس رحمانُ

تَفضي له ألسن الدنيا بما علمت        كأنما هو في الدنيا سليمان

والشعر على ألسنة تفضي الحياة بها   إلى الحياة بما يطويه كتمان

ما دام في الكون ركنٌ في الحياة يُرى   ففي صحائفه للشعر ديوان)

وهو شاعر المغرب والمشرق بحكم حضوره الوازن في العديد من المهرجانات العربية، مثل مهرجان الشارقة للشعر العربي على سبيل المثال لا الحصر. وتم تكريمه في العديد من العواصم حيث حظي بالتكريم والتتويج، ومن ثمة فهو شاعر يتقاطع فيه الإحساس الوطني بالإحساس القومي العربي الإسلامي.

ومن دواوينه يمكن أن نذكر: نخلة الغرباء، بوابة الريح، الواحة المهجورة، أسفار الطين، ذات العماد، لا زيت في المصباح، لا زيت في المصباح، ما فوق هذه الأرض لامية الوطن، بالإضافة إلى مجاميع معدة للنشر مثل: [أعالي الأرجوحة، همس المحارات، مراكش، قليلا من الدمع، قناديل الماء، رماد اليقين، أوراد الخريف، وشاح على جدار الذاكرة، نيران الهشيم، أطواف المودة، مشماش الخريف.]

ولكن الديوان الذي يجعل منه، من بين أعظم الشعراء الذين مدحوا خاتم الأنبياء محمد (ص) بامتياز، بحيث لم يجاريه شاعر سواء من القدماء أو من المحدثين في ذلك، هو ديوانه الموسوم “على النهج”، بحيث يتميز بطول نفسه في هذا المجال، إذ بلغ ما كتب من أبيات مادحة للرسول صلى الله عليه وسلم حوالي 17500 موزعة على قصائد متعددة، مثل “نفحات من أريج فضائله” و”ميزان الذهب في مدح خير العرب والعجم” و”لزوم ما لا يلزم”، والاثنا عشريات، و”على أوتار المحبة” إلخ.

 

الهوامش:

  • أبو نصر الفارابي كتاب آراء المدينة الفاضلة ومضاداتها، قدم له وعلق عليه الدكتور ألبير نصري نادر، طبعة دار المشرق، الطبعة الرابعة بيروت 1973.
  • أبو نصر الفارابي كتاب تحصيل السعادة، تحقيق وتقديم د. جعفر آل ياسين، دار الأندلس الطبعة الأولى 1981م.
  • أبو نصر الفارابي كتاب السياسة المدنية أو مبادئ الموجودات، تحقيق وتقديم د. فوزي ميتري نجار، الطبعة الكاتليكية بيروت 1964م.
  • في حوار مع الشاعر، أنجزه الشاعر والقاص والناقد الحسن الݣامح، منشور بمجلة المدارات الثقافية، عدد أبريل 2023.
  • المقصود به حسان بن ثابت صاحب ” وأحسن منك لم تر قط عيني / وأجمل منك لم تلد النساء”.
  • المقصود به كعب بن زهير، صاحب قصيدة (بانت سعاد).
  • المقصود به أحمد شوقي صاحب: ” ولد الهدى فالكائنات ضياء”.
  • المقصود به الإمام البوصيري صاحب البردة الشهيرة التي مطلعها” أمن تذكر جيران بذي سلم”.
  • المقصود به بن زمرك الغرناطي صاحب الميمية الشهيرة التي مطلعها: ” لعل الصبا إن صافحت روض نُعمان / تؤذي أمام القلب عن ضبية البان / أمولاي ما أسمى مناقبُك التي هي الشهب لا تحصى بعد وحسبان.

شاعر وناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً