تجليات المعارضة والنقد في “ديوان على النهج” للشاعر إسماعيل زويريق

عمرو گناوي*
على سبيل التقديم:
يعتبر الشاعر إسماعيل زويريق من الشعراء الذين يجمعون في تجربتهم الشعرية بين التقليد والحداثة، وقد تميزت تجربته بغزارة الإنتاج وتنوعه إذ بلغ تعداد دواوينه الشعرية أربعة وعشرين ديواناً، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: “نخلة الغرباء”، “رقصة الجراح”، “أسفار الطين”، و”كأس الزقوم”. ينضاف إلى هذا الكم والكيف الشعري عشر مؤلفات نثرية جمع فيها بين الأدب والنقد والتشكيل كـ “معجم الألوان والأمثال المراكشية”، و”الأمثال السوقية” وغيرها، أما دواوينه المعدة للطبع فقد بلغت ما يناهز تسعة عشر ديواناً.
وإن كانت أعمال الشاعر تختلف من حيث أسباب نزولها وظروف نشأتها، فإن ديوانه الأخير “على النهج” الصادر في طبعته الأولى سنة 2015 بمراكش، يعود حسب ما يبدو من ثنايا نصوصه إلى مجموعة أسباب نجملها فيما يلي:
- بلوغ الشاعر ما تجاوز الستين عاماً من عمره، واستشعاره بالوهن وهم الاستغفار.
- استبشاره بخير قرب أدائه فريضة الحج التي طالما أخذت بتلابيبه وملأت عليه دنياه.
- حبه للنبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ورغبته الشديدة في زيارة قبره الطاهر وذكر مناقبه.
- إعجابه بالشمائل المحمدية لما توفره للمسلمين بين الأمم من عزة وكرامة.
- انحسار المبادئ الدينية والقيم الاجتماعية النبيلة على امتداد الوطن العربي.
- وأخيراً لعنة السياسة والسياسيين وانعكاساتها على تدبير شؤون المجتمعات العربية الإسلامية.
هذه الدوائر وأخواتها ستشكل لدى الشاعر دافعية قوية لكتابة ديوانه “على النهج”، أسوة بـ “بردة” كعب بن زهير، و”بردة” الإمام البوصيري، و”نهج البردة” لأحمد شوقي، علما أن الديوان المذكور لم يكن ليظهر إلا بعد تجربة شعرية تنيف عن أكثر من أربعة عقود، وكأنه جاء ليتوج عطاءً وفيراً، وشعراً غزيراً، وتجربة شعرية قد لا نجد لها نظيراً.
بهذا الصنيع من الإبداع الشعري، يكون الشاعر قد نهج لنفسه ما يجوز تسميته بنهج نهج النهج في المديح النبوي.

في المعارضة الشعرية:
1- حول مفهوم المعارضة:
تجدر الإشارة بداية إلى أن مصطلح المعارضة مشتق من فعل عارض، إذ سار حيال الآخر أو حذا حذوه، حيث المعارضة بهذا المعنى مرادفة للمحاذاة.
أما المعارضة اصطلاحاً فهي أن يقول الشاعر قصيدة في موضوع ما أو غرض شعري ما مدحاً كان أم هجاء، فيأتي شاعر آخر فينظم على غراره محاكياً مجارياً، ناهجاً نهجه في الموضوع والوزن والقافية والروي، مع حرصه على التفوق أحياناً كما حدث في معارضة الأخطل لزهير بن أبي سلمى أو كما فعل شوقي إبان معارضته السينية للبحتري. وقد تخرج المعارضة أحياناً إلى القول على أفكار ومواقف تستحق لتقويمها نقداً ومراجعة.
ولعل الحديث عن شعر المعارضات يدعونا، في هذا المقام بالذات، إلى الوقوف ملياً على هذا النوع من الشعر الذي كان يروم الشاعر من خلاله إثبات الذات عبر التباري والمقارعة وإفحام الخصوم، في تحدٍ سافر للمخاطَب قبل أن يستميت في نصرة الجماعة والدفاع عنها. فكان أن اجتمع في الشعر ما لم يجتمع في غيره، وتداخل في شعر الشعراء، بموجب هذا التحول، كل من الفني والاجتماعي والسياسي والديني دفعة واحدة.
بهذا النزوع، يكون شعر المعارضة قد أعاد إلى الواجهة فكرة الاعتداد بالجماعة، غذته حينئذ الصراعات الطائفية والمذهبية والتناحر القبلي استجابة للذوق العام، وانسجاماً مع طبيعة المرحلة الموسومة بازدهار الشعر والنقد الذي واكبه، فكان “سوق المربد”، و”الكناسة” وغيرهما من حلقات الشعر والشعراء، من العلامات الدالة على هذا الازدهار كما دأب على ذلك شعر النقائض الذي مثله باقتدار كل من الفرزدق وجرير والأخطل.
يقول الجاحظ معللاً انتشار هذا اللون من الشعر:
“وإذا بلغ السيد في السؤدد الكمال حسده من الأشراف من يظن أنه الأحق منه، وفخرت به عشيرته، فلا يزال سيفه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيد عشيرته فهجاه…”
وحسبنا في ظل الانتشار الواسع أن نشير إلى نماذج من شعر الفرزدق وجرير. يقول الفرزدق مفتخراً:
إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتاً دعائمه أعز وأطول
ويرد جرير بنقيضته:
إن الذي سمك السماء بنى لنا … عزا علاك فما له من منار
خزي المليك وما بنى … حكم السماء فإنه لا ينقل
بل إن الفرزدق، وفي تصعيد غير مسبوق، سيضطر في موضوع الفخار إلى صناعة شعر يحلف معه بالطلاق على أن جريراً لن يغلبه فيه، يقول متهدداً:
فإني أنا الموت الذي هو ذاهب … بنفسك فانظر كيف أنت معاي
فيرد جرير مستشيطاً غضباً:
أنا الدهر يفتني الموت والدهر خالد … فجئني بمثل الدهر شيئاً يطول
بهذا الديوان المحموم، يكون الشعر الأموي قد استحدث نوعاً من التباري، استبدلت فيه لغة “الأنا” بلغة “النحن”، وفقاً لطبيعة شعر الجماعة ومقاصده. إلا أن الأمر سرعان ما سينحو ببعض الشعراء إلى تبني معارضات شعرية ذات منحى ديني، يدافعون من خلالها عن الإسلام والمسلمين، ويشيدون فيها بأفضال ومكرمات النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في ميمية الفرزدق حين تصدى لأعداء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم … هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله … بجده أنبياء الله قد خُتموا
وليس قولك: من هذا؟ بضائره … العرب تعرف من أنكرت والعجم
بناءً على بداية العنوان التي حددتها (2- في مديح الشعر العربي) وما يمكن استخلاصه وتفكيكه من النص والوزن في هذه الصفحة المظلمة (صفحة 199)، إليك قراءة النص الصحيحة والمطابقة لمحتوى هذه الصفحة:
2- في مديح الشعر العربي:
اعتمدت القصيدة العربية في بنائها منذ الجاهلية كما هو معلوم، شكلا نمطيا عموديا يقوم على ثوابت المقدمة الطللية والغزلية، والرحلة والراحلة، وينتهي بمخرج الغرض الأساسي الذي يحتمل أن يكون مدحا أو هجاء أو سواهما من الأغراض الشعرية المتداولة.
وأمام هذا التنميط الذي يكاد يقترب من المقدس، ستعرف قصيدة المدح، ومنذ مستهل الدعوة الإسلامية، تحولا لافتا يتماشى ومتطلبات نصرة الدين الجديد. ولعل همزية “عفت ذات الأصابع فالجواء” لحسان بن ثابت، تعد من القصائد التي حازت السبق في هذا الاتجاه. كما أن كعب ابن زهير نال الشهرة التي لم ينلها سواه بلاميته التي أنشدها أمام الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في بعض من أهم أبياتها:
كل ابن انثى وإن طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ … قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إلى أن يقول:
إن الرسول لسيف يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول
وهكذا سيتضح سر التعاطي لهذا النوع من شعر النبويات في المشرق العربي والأندلس قبل أن ينتقل إلى الشعراء المغاربة. فكان أن سارت قصيدة المديح النبوي على النهج نفسه توج فيما بعد بثلاثية البردة. “بردة” كعب بن زهير، و”بردة” الإمام البوصيري، و”نهج البردة” لأحمد شوقي التي تلقفها شاعرنا إسماعيل زويريق ونظم على منوالها بردته “يا شاكي البان”، وغيرها من قصائد المدح النبوي.
2- تمظهرات المعارضة في ديوان “على النهج”:
أ- على مستوى النص الموازي:
العنوان:
تستوقفنا معالم المعارضة في تشكلاتها منذ عنوان الديوان. التبعية هذه، وإن كانت تبدو غير مكتملة المبنى والمعنى، فإن اكتمالها تتداخل فيه على التوالي مفاهيم الاستعلاء والتبعية وبلاغة التضمين… إلا عبر استجلاء محذوفها عن طريق القراءة التأويلية التالية: “على النهج سائر” أو “على النهج سائرون” أو ما شابه… التأويلات الممكنة. وبظهور محذوف العنوان، تتماهى لدى القارئ كل من صيغة المفرد وصيغة الجمع، ويتوحد توق الجميع إلى الإقرار بالرغبة في… مألوف يحول دون النهج القويم.
وبالنظر لأهمية هذا النهج، وجدوى الرؤية الإسلامية باعتبارها… موضوعياً لذلك السبيل “المستقيم”، يتولد لدينا إحساس شديد بالانجذاب إلى طريقه نحو الاعتراف من معين هذه الدعوة المباركة، ونرتقي للتوالي… لذائذ الهداية والرعاية ونور الإيمان.
يقول الشاعر في هذا المعنى:
فليس كنهج الله نهج مكرم يحقق في هذا الوجود الرغابا
ولا كالذي سن الرسول محمد على واحة الإيمان يفتح بابا
لوحة الغلاف:
يتناغم في لوحة الغلاف مؤثثان أساسيان على الأقل:
مؤثث يحتفي بفن العمارة الإسلامية وزخرفها ممثلاً في أقواس المساجد بكل أبعادها الجمالية والدينية والحضارية، ومؤثث صورة الشاعر الحمالة لدلالات الورع والعلم والوقار. وبين عوالم تاريخ الحضارة الإسلامية ومعالم جغرافية القلعة المراكشية البهيجة يتربع الشاعر على نهجه مرتضى. وعبر هذين النصين الموازيين: عتبة العنوان وعتبة مدى اللوحة، سندرك مدى حقيقة تشبث صاحب “النهج” بهويته الدينية وانتمائه الوطني.
فإذا كان النص الموازي يحمل دلالات متعددة، فإنه في ديوان “على النهج” يشكل إلى جانب النص الداخلي لحمة واحدة تصل حدود المعارضة والنقد: ونقد الذات عبر التلوّم والمحاسبة، ونقد الأمة على ما آلت إليه من انقسام وتدهور.
ب- على مستوى النص الداخلي:
تحمل معارضة الشاعر إسماعيل زويريق لثلاثية البردة بوادر بعث وإحياء لقصيدة المدح النبوي بفعل ما اعترى حضورهما من فتور وضمور. وقد سلك الشاعر في هذه المغامرة مسلكين: المعارضة لمتن شامل لأكثر من غرض، ومسلك المعارضة لمتن مداره غرض واحد كما في قصيدة المدح التي فسحت المجال للتعبير عن وهج المشاعر وفق قناعات الشاعر الفكرية والدينية.
وسيراً على نهج المعارضة سيفصح الشاعر في بردته: “يا شاكي البان” عن مقترفات الذات، يستتبعها موضوع الاستغفار والمدح النبوي. ولاستجلاء معالم هذا النوع من المعارضة، تكفينا الإشارة إلى بعض مكونات…………………… البوصيري وأحمد شوقي وبردة إسماعيل زويريق.
يقول الإمام البوصيري:
أمن تذكر جيران بذي سلم … مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
يا لائمي في الهوى العذري معذرة … مني إليك ولو أنصفت لم تلم
محضتني النصح لكن لست أسمعه … إن المحب عن العذال في صمم
واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت … من المحارم والزم حمية الندم
وخالف النفس والشيطان واعصهما … وإن هما محضاك النصح فاتهم
يا رب واجعل رجائي غير منعكس … لديك واجعل حسابي غير منخرم
محمد سيد الكونين والثقلـ … ـين والفريقين من عرب ومن عجم
فاق النبيين في خلق وفي خُلُقٍ … ولم يدانوه في علم ولا كرم
يقول أحمد شوقي:
ريم على القاع بين البان والعلم … أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
يا لائمي في هواه والهوى قدر … لو شفك الوجد لم تعدل ولم تلم
والنفس من خيرها في خير عافية … والنفس من شرها في مربع وخم
إن جل ذنبي عن الغفران لي أمل … في الله يجعلني في غير معتصم
محمد صفوة الباري ورحمته … وبغية الله من خلق ومن نسم
وعلى منوالهما يقول الشاعر إسماعيل زويريق في بردته:
يا شاكي البان كم في البين من سقم؟ … شكواك تنساب لحناً دافق الهمم
ناديت يا نفس صبراً فالهوى قدر … قضى القضاء به في الناس كلهم
ما أنت وحدك في البلوى ولا رضيت … بدونها الروح أن تحيا على قمم
ستون عاماً مضت والنفس مدمنة … على ارتياد مغاني الذنب والقسم
ليس البكاء على ما فات ينقذني … ولا التندم يغنيني عن الندم
صَرَفْتُ عُمْرِي فِيما لَيْسَ يَنْفَعُنِي … فَمُنْتَهَى أَرَبِي ما لَيْسَ بِالأُمَمِ
مُحَمَّدٌ فِي مَراقِي المَجْدِ مُنْفَرِدٌ … فَمَا سَمَتْ لِعُلاهُ نَفْسُ مُعْتَصِمِ
هُوَ الأَمِينُ، هُوَ المُخْتارُ لَيْسَ لَهُ … كِفْءٌ يُجارِيهِ فِي زُهْدٍ وَفِي قِيَمِ
وبالرغم من التباين الذي يمكن أن يميز هذه البردات مجتمعة، فإن أمر ائتلافها في خصائص البناء والأغراض التي طرقتها لم يكن ليحيد عن مقتضيات الهيكلة التالية: مقدمة النسيب، الحديث عن النفس الأمارة، المناجاة، الاستغفار، المديح النبوي..
على منوال هذا التشكيل البنائي، سيحاول إسماعيل زويريق أن يزاوج بين النهج والتحويل. فلم تعد المعارضة نفسها. يقول الشاعر نافياً معارضته للإمام البوصيري معترفاً بجميل المتقدمين:
ما كان في كل حال أن أعارضه … إن العناد لَلا تعلو على الرَّخَمِ
إن الفضل ليس إلا للمتقدم وإني بما أوتيت إلا من متعلم
إن نفي الشاعر معارضته لقصائد المدائح النبوية السابقة، إنما ينم عن تواضع العلماء وجدارة فحول الشعراء، وينبي في الآن ذاته عن “قدرته على المنادّة والمضاهاة” ولعلنا واجدون في النماذج التالية ما يثبت هذه القدرة:
- موقف الشاعر من مدحية أحمد شوقي التي مطلعها:
بِهِ هَجْرُ يَتِيمِهِ … بِلا جَفْنَيْكَ يَعْلَمُهُ
حيث يعبر عن إعجابه بها قائلاً: “ارتأيت أن تكون لي على منوالها وأن تكون صنواً لسابقتها علماً أني لا أجاريه ولا أنا ممن يطاول شأوه”. هذا الإعجاب نفسه هو الذي دفع الشاعر إلى نظم قصيدة على منوالها مستهلاً مطلعها بقوله:
أَيُشْجِي النَّفْسَ مَقْدَمُهُ … وَوَجْدُكَ فَاتَ م …
وَقَلْبُكَ لا يُحَرِّكُهُ … سِوَى مَنْ كَانَ يَعْلَمُهُ
- معارضته لقصيدة شوقي “ولد الهدى” بقصيدة “ولد المصطفى“…………. في مطلعها:
وَلِدَ المَصْطَفَى فَالضِّيا بَزَغَتْ … كَالغَزالَةِ تَمْلأُ وَجْهَ …
انْجَلَى الهَمُّ وَالأَرْضُ قَدْ فَرِحَتْ … فَالنَّجَاةُ بَدَتْ وَالخَلاصُ …
- معارضته لهمزية الإمام البوصيري معتبراً همزيته (أي همزية الشاعر زويريق) الأولى من نوعها وإن جرى على مضمار ذي الفضل الإمام البوصيري.
- معارضته لقصيدة “الشمقمقية” لابن الونان التي مطلعها:
مَهْلاً عَلَى رِسْلِكَ حَادِي الأَيْنُقِ … وَلا تُكَلِّفْها بِمَا لَمْ تُطِقِ
فَطَالَما كَلَّفْتَها وَسُقْتَها … سَوْقَ فَتًى بِحَالِهَا لَمْ يَرْفُقِ
بقصيدة “حديقة الرياحين في سيرة سيد المرسلين“ التي يسير فيها على منوال “الشمقمقية” قائلاً:
مَهْلاً عَلَى رِسْلِكَ حَادِي الأَيْنُقِ … وَلا تُكَلِّفْها بِمَا لَمْ تُطِقِ
فَطَالَما كَلَّفْتَها وَسُقْتَها … سَوْقَ فَتًى بِحَالِهَا لَمْ يَرْفُقِ
*****
سَيَّرْتَها مُلَوِّحاً بِمُجَلَّدٍ … أَعْدَدْتَها لِمَنْ بِهِ لَمْ تَلْحَقِ
تَمْشِي بِهَا مِنْ مَخْفَقٍ لَزِلَقٍ … مِنْ مَخْرَقٍ لِفَرَقٍ أَوْ خِيْفَقِ
معارضتها بصيغة النفي على امتداد الديوان :
ولعل في تتبع النصوص واستنطاق معانيها ما يؤكد هذه الظاهرة الأسلوبية المرتبطة أساسا بموقف الشاعر المعارض، الرافض لنفسه، الرافض المجربات الواقع. وفي مقدمة هذه الأساليب المعارضة ما اقترن بأدوات ما، لم، ولا، المتضمنة تباعا في القصائد الأربع التالية : بانت سعاد، المرحلة ، الهمزية، بلإن الشاعر يركز نفسه على اللقاءات دون سواها في بيت واحد كما في قوله :
لا يباب لا مريع لا سماء … لا ولا أغوار ولا بطحاء
فإذا كانت أهم المعارضات الشعرية لدى إسماعيل زويريق تروم، كما استكشفنا، المدح النبوي والإشادة بفضائل السلف الأطهار، فإن ثمة ما يشهد على ما يطفح به ديوانه “على النهج” من وظائف شعرية أخرى نجملها فيما يلي:
1- الوظيفة الدينية:
يؤشر عليها ما أعلنه الشاعر منذ عتبة الديوان، قبل أن يستتبعها بما يكتنفها من نصوص تدور في فلكها من أمثال “إشراقات” و”استهلالات” و”الأمهات” و”سينيات” و”همزيات” وغيرها مما تعج به القصائد من خالص أسطر وجليل الثناء لشخصية الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
وبداية من قصائد “شلت يمينك” “سوف أسقيك مهينا”، مروراً بقصيدة “أيها القس” و”لا تكن غبيا”، وانشاءً بالقصدية “الدالية في الرد على من أساء” إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية”، ستشهد مرحلة جديدة من التحول الشعري يتم بموجبها الانتقال من المعارضة لا باعتبارها مرافقاً للمجازاة إلى معارضة عبارة عن هجاء لكل من سولت له نفسه التطاول على المقدسات الإسلامية، يقول الشاعر في قصيدة “الدالية”:
المْ يُهْجَ الَّذِي رَسَمُوا الفُؤَادَا … فَمَا لِلصَّمْتِ يَلْزَمُكَ الحِيَادَا؟
نَصَحْتُكَ لاَ تَصُرَّ مِنْهُ ظَفْرًا … وَلاَ تُبْدِي عَلَى صَلَفٍ عِنَادَا
وَمَا أَبْصَرْتَ أَجْهَلَ مِنْ قَسِيٍّ … يَرَى فِيما يَنْتَقِصْنَا سَدَادَا
فَقُلْ لِي يَا عَنِيدُ: بِأَيِّ حَقٍّ … تَصَوَّرَ أَطْهَرَ النَّاسِ اعْتِقَادَا؟1
2- الوظيفة النفسية:
وهي اللحظة التي ارتبط فيها الشعر بعالم الشاعر الداخلي، …معالم يتسم بالتوتر والغليان . إنها لحظة انصياع الذات الشاعرة لإملاءات صوت الضمير، متيقنة من جدوى النقد الذاتي، وأهمية ثقافة الاعتراف بما اقترفته يد الشاعر من ذنوب وخفايا لم يستطع منها فكاكاً رغم اعتلاء الشيب فريده.
وَخَطَّ الشَّيْبُ مَفْرِقِيَ القَوِيمَا … وَمَا نَادَيْتُ المَلاَهِي “هَيَّا ادْرَجِي”
لذلك يتحدث في قصيدة “أريح نفسي” عن صعوبة توبته قائلاً:
كَيْفَ لِي أَنْ أَتُوبَ وَالقَلْبُ عَاصٍ … يَزْدَهِيهِ تَنَطُّعٌ وَهُمُومُ؟
أَقْلَقَ القَلْبُ فِي حَيَاتِي كَثِيرًا … وَاعْتَرَاهُ مِنَ الخَطَايَا ابْتِلاَءُ
ولئن اعترف الشاعر مراراً بذنوبه وخطاياه فإنه لا يلبث أن يسارع إلى الاستغفار والتوبة مؤملاً قرب الانفراج، يقول في قصيدة “المرتجية”:
إن ضاق الأمر فلا تهج … فغداً قد يأتي بالفرج
أرجوك أيا خير من يرتجى … يا إلهي بقلب ملهج
زلة بعد أخرى فإن لم تجد … فملاذي يوماً إلى أمج
إن لم تقبل العذر مني فما … جزعي يا إلهي بمنفرج
ذنبي ما أعظمه وإذا … لم تغفر ذنبي يا حرجي؟!
بهذا المعنى يصبح التطهير أحد وظائف الشعر، فهو وحده الكفيل بإحداث التوازن النفسي لدى الشاعر الذي لم يكن ليحظى بالخلاص لولا ركوبه تيار التلوّم وتشبثه بالنهج القويم، يقول الشاعر مشيداً بدور الدين الإسلامي في مداواة النفس الإنسانية:
إنما الدين للنفوس شفاء … لا تصاب النفوس منه بنكس
يبدو إذن من وظيفة الشعر أنها لا تقتصر على تطهير النفوس من أوزارها، وإنما تساهم إلى جانب ذلك في التخفيف مما يمكن أن يعتري الجسوم من مكروه كما أفصح عن ذلك الشاعر بالقول:
الداء أنشب في جسمي مخالبه … والموت سهم عريض النصل معول
على هذا الأساس لن تكون القراءة النفسية لشعر إسماعيل زويريق معزولة عن القراءة الاجتماعية، ذلك أن للشعر عنده، فضلاً عما ذكره، وظائف يجملها في قوله:
“الشعر يُطَهِّرُنا مما علق بنا من أدران الحياة، الشعر قوسنا الذي نرمي به غرابين المآسي، وسيفُنا الذي نجهز به على رقاب تنانين الفضائح، الشعر مجدافنا الثوراتي، الذي نجدف به نحو المرفإ الآمن في خضم الحياة، كلّما اهتاجت أمواجه الكاسرة”
3- الوظيفة الاجتماعية:
من المعلوم أن وظيفة الشعر لن تكتمل عبر ما تنتجه الذات الشاعرة إلا في علاقتها بالمجتمع الذي يعد الشاعر جزءاً منه، يتأثر حتماً به ويؤثر فيه. وباعتبار الشاعر صاحب رسالة، فإن للوظيفة الاجتماعية في الشعر أهمية كبيرة في أي تغيير محتملاً يجد الشاعر إسماعيل زويريق عنها بديلاً في كل أعماله الأدبية، بعد أن أيقن أن مدارج إصلاح المجتمع لن تتحقق إلا عبر تقويم الذات وإصلاح شأنها، ولبلوغ هذا المرمى، كان ضرورياً أن يرتاد الشاعر تحديين اثنين:
- تحد نفسي: غالب فيه نفسه الأمارة، وحاسبها على إدمانها في التعاطي للنزوات.
- تحد اجتماعي: تمثل في نقده لما آلت إليه حال الأمة العربية من شتات وانفراط، يقول مستاء متحيراً:
يا هادي الناس إن الأمة انفرطت … عقودها، وانتصرت فيها الأباطيل
وخيم الجور وارتاغت ثعالبه … وما علينا لردع الجور تعويل
تفرق الناس في أهوائهم شيعاً … فلم يوحدهم رأي وتنزيل
هذه الحنيفة قد أمست على خطر … ونحن شخصان: قابيل وهابيل
ويقول في تساؤل متحير:
ما بال أمتي ترى القاع مدى … كأنها من قبل لم تخلق
ضاع مناها في سواد مغلق … كأنما شمس الهدى لم تشرق
ضاقت علينا الأرض وانسد أما … منا وأيم الله باب الأفق
مالـت بنا الريـح إلى نهج طغى … عليه كل شاتئ لم يشفـق
لقد خبر الشاعر بهذه الأوضاع ونبه إليها مراراً، وهي الأوضاع نفسها التي أسفرت عن تكالب الاستعمار، ونكبة فلسطين، وغزو العراق وغيرها مما توالى على الأمة من انتكاسات.
نخلص بعد هذه الدراسة إلى أن المعارضة في شعر إسماعيل زويريق مفهوم متعدد يتراوح بين: المعارضة المجاراة، المعارضة المضاهاة، والمعارضة النقدية التي تروم إصلاح النفس الأمارة وتزكيتها وإصلاح الأمة واستنهاض هممها. تلكم أهم معالم النهج الذي دعا الشاعر إلى الاهتداء بنوره والعمل على نشر مقتضياته.
ناقد من المغرب
المراجع:
- انظر الدراسة التي خصصها د. محمد قوش لهذا الموضوع والواردة بـص: 188 – 172 من على النهج 2 (الدراسات).
- على النهج 1 (المتن) ص: 113 – 115
- نفسه ص: 39
- نفسه ص: 96
- على النهج 1 (المتن)
- إسماعيل زويريق، 100 شاعرة من المغرب، ص: 10
- على النهج 1 (المتن) ص: 22 – 23
- نفسه ص: 371
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي