شهادة في حق إسماعيل زويريق

المختار النواري*
الحاج إسماعيل زويريق، المُحْتفى به، المراكشي منبتا ونشأة، الروداني أصلا، الشاعر الأصيل، العريق البديع، المغربي الرفيع، العالمي المنيع، الناقد والباحث، الناثر والكاتب، المقالي والسارد، والفنان التشكيلي..
لن نحتفي بشاعرنا إلا بلغة الشعر، فطبيعي أن العرس لا يحلو إلا في ثياب الزفاف، وهذا عرس شاعرنا، ونحن مدعووه، لهذا يخجل النثر، في هذا المجلس، أن يزاحم الشعر، ويأبى اللسان إلا أن ينطق شعرا، فلنحلق مع المحلقين، وإن كان التسامق مسامقة الثرى للثريا، ولكن هي غواية الإبداع تتحكم، فلا أخلانا الله منها، ولا أخزاها من غواية.
فليقبل منا شاعرنا سقطاتنا وهفواتنا وزلاتنا ـ وما أكثرها ـ ولْيَجْعل عذرنا تَحَكُّم الغواية، ولكنا سنتقرب إليه ببضاعته مزجاة إليه، واعلم من شأن مضيفنا ما لا يجعل حالنا معه كحال من يهدي التمر إلى هجر.

في فضاءات تارودانت الفيحاء..
وفي رحاب بنت الشام الحبيبة..
في شموخ العاصمة العصماء..
وفي حضن رودانة الحبيبة..
وفي تراقي القمة الشماء..
وفي أمجاد المحمدية الحبيبة..
في بلد العلم والعلماء..
وفي تحليقات المذاكرات العجيبة..
في مأدبة الشعر والشعراء..
وترنيمات المساجلات القشيبة..
فلتبارك السماء.. ولتبارك السماء..
لتبارك السماء الزائر والمزور، والآدب والمتعجل، والقادم والمستقبل، والداعي والملبي..
بخل الزمان، وأخيرا جاد بضيافة أخينا وحبيبنا ومُوَادنا، وقريبنا ونسيبنا وسليلنا الحاج زويريق إسماعيل، وما أدراك ما إسماعيل؟ وما أدراك ما زويريق؟
ما أدراك ما هما مفترقين، فإن تضاما فما أجمل التضام؛ وإن التأما فما أعظم الالتئام؛ وإن التحما، فما أتم الالتحام.
فإن شُهر بزويريق، فإنما ذاك تحببا ومعزة ونفاسة، لأن النفيس قليل، وإلا فهو زورق عظيم، جاء على صيغة مفعل، لا على وزن العنبر، بل هو العنبر، ولا على صيغة الجوهر، بل هو الجوهر.
والزورق ـ يا سادة ـ يناطح الأمواج العاتية، وينافح المخاطرة الداهية، ويجالد الأهوال الهائلة، ويشتد في وجه الشدائد القاتلة، ويعظم لصد العظائم الكاسرة، ويثبت في وجه العواصف الجائرة.
وعقب كل رحلة يعانق الزورق ـ الذي كان يُسمى زويريق ـ رمال الشاطئ، ويستعيد دفئها الهادئ، وسكينتها الموحية، وسلامتها الموفية، بطأطأة رأس خبيرة، وابتسامة صغيرة.
وإن سُمي إسماعيل، فإنما ذاك عكسا لأصالة نسب، وعبادة رب، واستقامة خُلُق، واستواء خَلْق، وسرعة استجابة، وتسليم وإنابة، وحسن برور بالآباء، وجميل تعهد للأبناء.
زويريق… إسماعيل … وإسماعيل … زويريق…
زويريق إسماعيل..
سيف وغمد.. در وعقد.. ورد وعطر.. روح وشعر.. قدرة وإرادة.. علم وإفادة.. خُلُق وخَلَف.. مصابرة وجلادة.. مهابة وصلادة.
زويريق… إسماعيل … وإسماعيل زويريق..
لا يئن لقرع الزمان أبوابهْ..
ولا يرتجيه إن استلب أحبابهْ..
بل يَستخلِف عما سُلب أصحابهْ..
وهم كُثْر.. يقتسمون لوعته.. فيُفرغون قرابهْ..
وعلى مشارف كل أرض تتبدد أكرابهْ……
يا أيها المستبسِل فينا..
لا نزع لك القدرُ نقابهْ..
ولا أبان عن وجهه الصراح، وكشر أنيابهْ..
وأعاضك رب العزة مغفرة وثوابهْ.
في مراكش الحمراء صرح للكرام لا تغلَّق له الأبوابْ..
يمد للناس ـ ولا يمدون ـ إليه للقرى الأسبابْ..
ويوجد للمزلين عذرا، ويصفح متدللا للأحباب..
لكل زائر ينفسح ليرخي في ظلاله أتعابهْ..
وفي كل زورة له تودعه السماحة وترتجيهِ..
ألا يكون إلا له مآبهْ..
ما بين وارد وصادر ينتعش، وينعش أصحابهْ..
يا حمراء قديما بعثنا إليك الرسلا..
منهم من حكى شعرا..
ومنهم من غزل نثرا..
ومنهم من تحصَّن فقها..
ومنهم من تحيَّر عقلا..
ومنهم من تخرَّق زهدا..
ومنهم من تولَّه فنا ولحنا..
فهل صدَّقتِ الرسالاتِ؟ ا
يا حمراء قديما إليك أوفدنا،
فهل أحسنت الوفاده؟ا
واليوم إليك زدنا،
فهل أكرمت الزياده؟ا
يا إسماعيلْ..
هل أخبركْ؟؟
إنَّ وإنَّ وإنَّ القوم قد جمعوا لكْ..
جمعوا ليشعلوا حولك نورا..
جمعوا وما جمعوا لك حطبا..
بل عودا وعنبرا..
ومسكا أظفرا..
جمعوا لا ليُشعلوك نارا..
وإنما ليضيؤوك نورا معطرا.
هذي مدينتك الأم
رودانة تنثال عطفا نحو ابن طال به الغيابْ..
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي