الرئيسية / الأعداد / صهوة الحرف وتواضع الكبار: تجليّات المثقف العضوي في تجربة إسماعيل زويريق – ليلى مهيدرة

صهوة الحرف وتواضع الكبار: تجليّات المثقف العضوي في تجربة إسماعيل زويريق – ليلى مهيدرة

دراســــــات

صهوة الحرف وتواضع الكبار: تجليّات المثقف العضوي في تجربة إسماعيل زويريق

ليلى مهيدرة*

 

كلما تأملتُ مشهد الإبداع المغربي المعاصر، يبرز أمامي اسم الشاعر الكبير إسماعيل زويريق كأحد الأعمدة الحقيقية للقصيدة العمودية، وحارس أوفى لهويتنا الشعرية الرصينة. لكن قراءتي في منجزه الغزير لا تنبع فقط من تقليب صفحات دواوينه المطبوعة، بل تستند إلى ذكرى حية عاينتُ فيها هذا الإبداع وهو يتنفس. لقد عرفتُ إسماعيل زويريق لأول مرة في مدينة الرياح (الصويرة)، تلك المدينة التي تفتح للفكر فضاءً بحجم البحر، حيث كنتُ أشرف على تنظيم لقاءات ثقافية متنوعة تجمع المبدعين والنقاد. وفي تلك اللحظات بالذات، تجلّى لي المعدن الحقيقي للمثقف العضوي، فبالرغم من صيته الذي ملأ الآفاق وقصائده التي سارت بها الركبان وتغنت بها المنابر، كان يأتي إلينا كمستمع بسيط وعاشق نهم لكل ما هو ثقافي. كان يجلس بيننا بتواضع الكبار، ينصت بكل كيانه، ويغذي روحه بكلمات الآخرين، ليؤكد لنا فعلاً لا قولاً، أن الشاعر الحقيقي لا يتوقف أبداً عن التعلم والاستزادة من معين الفكر، مهما بلغ من المجد الأدبي.

بعد تلك البدايات العذبة في الصويرة، تكررت لقاءاتي بشاعرنا الكبير في محافل أدبية أخرى؛ من بينها ‘ملتقى أبي الجعد الشعري’ و’الملتقى الأدبي بمكناس’. وفي كل محطة، كان يثبت لي أن حضوره ليس مجرد قامة تؤثث المكان، بل هو حضور مشع يملأ الفضاء هيبة وسحراً ويجعل منه سيداً حقيقياً للكلمة. وحين كان يحين دوره للإلقاء، تراه يعتلي صهوة الحرف الشعري العمودي باقتدار باهر، ليعيد إلينا مجد القصيدة العربية في أبهى بنائها الرصين وموسيقاها الآسرة. لقد كانت لديه قدرة مذهلة تسحر الألباب في تطويع اللغة لخدمة المعاني الصوفية والمدائح النبوية التي وهبها روحه وبرع فيها بشكل خاص، ولا سيما في مشروعه الضخم والمهيب ‘على النهج’.

لطالما شعرتُ، في كل مرة أجالسه أو أقرأ له، أن إسماعيل زويريق ليس مجرد شاعر كبير يتقن صياغة القوافي، بل هو مثقف موسوعي حقيقي، وباحث يبحر في أعماق التراث، وفنان تشكيلي يمزج ألوان لوحاته بمداد قصائده، ليرى في الشعر دواءً شافياً للعاطفة وبلسماً يرمم انكسارات الروح. لكن الأجمل والأبهى من عبقريته الأدبية والتشكيلية، هو ذلك الإنسان النبيل الكامن فيه؛ ذلك المربي المتميز الذي لم يبخل يوماً بوعيه، فترك بصمته الأبوية الدافئة في وجدان أجيال متعاقبة. إنه يحمل في أعماقه أخلاق المعلم المخلص في زمن عزّ فيه الإخلاص، ورسالة المربي الحقيقي الذي لا يملّ من زرع بذور الأمل والجمال في نفوس كل من حوله.

حين تبحر في عوالم إسماعيل زويريق، تدرك على الفور أن تجربته تتأسس على وعي حاد بمفهوم ‘الأصالة’، لا كاجترار بارد للماضي، بل كنبض مستمر يربطنا بجذورنا الحضارية. فالرجل في مجمل دواوينه، وبشكل مهيب في مشروعه الضخم ‘على النهج’، يعيد للقصيدة العربية مركزيتها وهيبتها. إنه يرفض أن تكون القصيدة العمودية مجرد هيكل وزني جامد، بل ينفخ فيها من روحه ليحولها إلى وعاء فكري ممتد، يدمج فيه السيرة النبوية العطرة والتاريخ الإسلامي بذكاء وتناص بديع، فلا يكتفي بمحاكاة الأقدمين، بل يضفي على النصوص مسحة من قلق الإنسان المعاصر وبحثه الدائم عن اليقين. إننا هنا أمام مهندس لغوي حقيقي، يركب صهوة الحرف باقتدار عزّ نظيره، فتأتي قصائده منسابة بموسيقاها العذبة، حتى لتنسى معها قيود القافية والروي، وتجد نفسك مأخوذاً بسيمفونية تجمع بين شموخ التراث ورقة الوجدان، لتكتشف أن القصيدة عنده كائن حي يتنفس، لا أثر متحفي مغلق.

هذا الألق المكتوب لا يمكن فصله أبداً عن نبض الأمكنة في حياته؛ فحضوره في لقاءاتنا الثقافية لم يكن يوماً عابراً، بل كان حضوراً صوفياً دافئاً يتغذى على الإنصات والتأمل. هذا التواضع الإنساني الفريد انعكس بوضوح على كتاباته من خلال انحيازه التام للبساطة والجمال، فحتى المدن تتحول في شعره من جغرافيا صماء إلى رموز نابضة بالحياة؛ فمراكش ببهائها العتيق، والصويرة بروحها الثقافية المشرعة على الأفق، وأبي الجعد بنفحاتها الروحية الأصيلة، ومكناس الشامخة بتاريخها الممتد، كلها حواضر تشكل خلفية دائمة لنصوصه، حيث يمتزج عبق التاريخ بآلام وأفراح الذات المبدعة، مما يمنح أدبه تلك اللمسة الإنسانية الدافئة التي تجعل القارئ يرى في الشاعر مرآة صادقة لروحه وتاريخه.
ومن هذا النبع الإنساني بالذات،

نلمس فرادة زويريق الذي لم يفصل يوماً بين الشاعر في داخله والمربي المتميز في حياته؛ فنصوصه لا تحدثنا بلسان الوعظ الجاف، بل تحمل شحنة قيمية نبيلة تأتي مغلفة بجمال التصوير وعفوية الفن. إنه ينظر إلى الشعر كرسالة حضارية مقدسة تهدف بالأساس إلى ترميم الروح الإنسانية ومداواة جراحها. هذا البعد التربوي والأبوي العميق هو ما جعل من كلماته مرجعاً ملهماً للأجيال الجديدة، يقرؤون فيها صورة المثقف الحقيقي الذي يكتب بوعي المسؤولية الحية، محولاً القصيدة إلى فعل مقاومة نبيل ضد الرداءة والابتذال القيمي.

ختاماً،

إن كتابات إسماعيل زويريق تمثل مرآة عاكسة تلخص جوهر المثقف والمبدع العربي الكبير؛ ذلك الذي استطاع أن يجمع بين رصانة البحث التاريخي، وعذوبة التصوير الشاعري، وعمق الرؤية الوجودية. وحين نتأمل منجزه، نكتشف أننا لسنا أمام مجرد قصائد، بل أمام مشروع إنساني وإبداعي متكامل يرفض الحدود والتصنيفات الضيقة؛ فزويريق الذي يبهرنا في قصيدة العمود بشموخها، هو نفسه الذي يدهشنا برقة شعر التفعيلة، ويأسرنا بنصوصه السردية وسيرته المفعمة بالحياة. إنه، باختصار، قامة أدبية شامخة وأيقونة حية تذكرنا دائماً بأن الشعر العربي الحقيقي هو ذلك الذي يولد من رحم التواضع، وينمو في فضاءات المعرفة الرحبة، ليستقر في النهاية داخل وجدان الإنسانية كأثر خالد لا يمحوه الغياب.

أديبة من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً