موحا ملال: رسالة إلى أبناء الغد

عمر أيت سعيد*
الكتابة جنون جميل يشبه الموسيقى في إيقاعه، ومن وحيه نخط هذه الأسطر احتفاء بتجربة فنية قل نظيرها، هي تجربة موحا ملال، ابن الجنوب الشرقي المغربي، الذي جعل من الريشة والقلم والوتر ثلاثة أجنحة يحلق بها فوق رمال الواحات وقصباتها. إنها تجربة جديرة بأن تفرد لها دراسات ومقالات وقراءات تحليلية عاشقة، تسبر أغوارها وتنصف أصحابها.

ابن الجنوب الشرقي
ولد موحا ملال سنة 1965 بدوار تملالت، قرب بومالن دادس، في قلب وادي دادس، حيث تتجاور الجبال الحمراء والقصبات الطينية والبساتين المتدلية على ضفاف الوادي. في هذا الفضاء تشكلت ذائقته الأولى، وفي كنف أسرته تفتحت موهبته: فشقيقته فاطمة ملال فنانة تشكيلية مبدعة ترسم بشكل فطري جميل ، وشقيقه إدريس عازف غيتار في المجموعة، وشقيقته سعيدة صوت من أصوات الغناء النسائي بالمنطقة. أسرة تؤكد أن الفن، حين يجد تربة صالحة، يورث كما يورث الحقل والبيت.بالإضافة الى مجموعته الموسيقية الرائعة في ابداعاتها وأخلاقها فالفنان مبروك عميق جدا في عزفه على البيانو والساكسفون والفنان جباري روعة على ألة الايقاع بأنواعه والفنان بالغال محمد على البيانو عالم فريد والفنان سعيد على الة القيثارة يجمع الاصالة المعاصرة وفنانون عازفون اخرون مروا بالمجموعة الفنية لموحا ملال سطع نجمهم لسنوات عدة .
مارس موحا مهنة التدريس، فكان معلم أجيال في الفنون التشكيلية، يؤمن بأن الطفل يدرب على الجمال كما يدرب على القراءة والكتابة. وبين القسم والمرسم والمنصة، ظل وفيا لسؤال واحد: كيف نحول ما نحمله من ذاكرة وهم وأمل إلى عمل يبقى بعدنا؟
فنان يجمع الفنون في جعبة واحدة
ليس من السهل أن نصادف فنانا يحمل في جعبته مختلف الفنون كما يفعل موحا ملال. فهو رسام تتأمل لوحته فتشعر بإيقاع البلدة يتسلل بين الألوان، ومحب للكاريكاتير يلتقط به مفارقات الحياة بخفة ظل وعمق، وشاعر يأخذك بوصفه إلى عوالم من الجمال، حيث الواحات المزدانة بالورود كأنها جنان على وجه الأرض، ومؤلف وملحن ومؤد طوع آلة الغيتار، وهي آلة كانت قليلة الحضور في موسيقى الجنوب الشرقي في سنوات التسعينيات حتى صارت تنطق بلسان المكان.أصر لحد الساعة ثماني ألبومات غنائية تغني بالهوية والارض والثقافة والحب والجمال والعمق الفلسفي لفنان يعشق واحة دادس بكل تفاصيلها .
انطلقت مسيرته الغنائية في منتصف تسعينيات القرن الماضي بألبوم «أسيف ن دادس»، ثم تتابعت الأعمال حتى بلغ رصيد مجموعة «ملال» التي أسسها ثماني ألبومات. وشاركت المجموعة في محافل وطنية ودولية، منها مهرجان «تيميتار» بأكادير و«موازين » بالرباط، فضلا عن مشاركات بجزر الكناري وبلجيكا. وهي مسيرة لم تبن على الأضواء، بل على الإصرار والالتزام بقضايا الإنسان والأرض واللغة والهوية.
«أمون ستيل»: الغناء مرافعة
يعد موحا ملال من مؤسسي الأسلوب الغنائي الذي اصطلح على تسميته «أمون ستيل»، وهو أسلوب بدأ يحقق تراكما نوعيا بالجنوب الشرقي. يتخذ هذا الأسلوب من الفن والغناء وسيلة للتوعية والمرافعة والتعبير عن هموم الساكنة، فيمزج بين روح الإيقاعات الأمازيغية الأصيلة وأدوات التعبير الحديثة، دون أن يخون الأولى أو يتنكر للثانية. إنه جسر بين الأمس والغد، يعبره الشاب وفي يده ما ورثه عن الأجداد، وفي قلبه ما يطمح إليه.
«أ ممي» يا بني: قصيدة تصير رسالة
أصدرت م جموعة «ملال» أغنيتها «أ ممي» («يا بني»)، من كلمات موحا ملال وألحانه، وهي في أصلها نص شعري كتب في ماي 2018، عميق الدلالات والأفكار، يحيل على فضاءات وأمكنة حقيقية. وقد أحسنت المجموعة استثمار هذه الفضاءات، من قصبات وأودية وواحات، فتحول التراث المادي واللامادي إلى مادة حية أسهمت في بناء الأغنية ونجاحها.
يتكامل أفراد المجموعة عزفا وغناء وهنداما، ويشكل حضور الفنانة تودرت بورك بلباسها التقليدي الورزازي وصوتها الشجي إضافة نوعية إلى الفيديو كليب، إذ تمنح الصورة دفء الأنوثة الجنوبية وعراقة أزياء تحكي بصمت تاريخ المنطقة.
أما النص فيخاطب «الابن» خطاب أب يعرف أن الأرض ثقيلة بإرثها، وأن الطريق إلى الغد لا يشق دون ذاكرة. إنه حديث عن الإنسان وعلاقته بالأرض والتاريخ والمصير، وعن المقهور على أرضه الذي رسم مساره سلفا، لكنه يتحدى الصعاب، وأحيانا الطبيعة نفسها، وينادي بالعيش المشترك وينتصر للقيم وللحياة. وهكذا تصير القصيدة رسالة موجهة إلى الأجيال القادمة، تشعرها بثقل التراث الذي ورثته عن الأجداد، وبأهمية العمل على صونه حتى يسلم إلى بر الأمان.
إن هذه الأغنية تستحق مزيدا من التشجيع والنشر، لأنها تعرف بالتراث المادي واللامادي لمدينة ورزازات ولجهة درعة تافيلالت عموما، ولأنها تؤكد أن الأغنية الملتزمة ما زالت قادرة على أن تكون مدرسة للوجدان.
كلمات إلى الشباب: لماذا نحتاج الفن؟
وإذا كان لتجربة موحا ملال من درس تقدمه لأبناء الغد، فهو أن الفن ليس ترفا نلجأ إليه حين تفرغ الجيوب والأوقات، بل حاجة إنسانية عميقة بقدر الخبز والماء. ومن وحي هذه التجربة نهمس للشباب بهذه الوصايا:
أولا، ابدأ من مكانك. لم يحتج موحا إلى مغادرة دادس ليبلغ الكونية؛ فقد صنع من تفاصيل قريته، من ترابها ووجوهها وأمثالها، مادة تخاطب الجميع. والمحلي إذا صدق التعبير عنه صار عالميا، وما ليس لك فيه جذر لن يمنحك ثمرا.
ثانيا، لا تحصر موهبتك في قالب واحد. من يرسم يكتب بشكل أفضل، ومن يعزف يرى الأشياء بإيقاع أعمق. جرب الفنون كلها، فإنها يغذي بعضها بعضا كما تتغذى جداول الواحة من الوادي ذاته.
ثالثا، اجعل فنك صوتا لا صدى. الإبداع الحقيقي لا يكتفي بتكرار ما قيل، بل يضيف زاوية نظر جديدة، ويحمل هما يتجاوز صاحبه. اسأل نفسك دائما: ماذا سيقول عملي لمن يأتي بعدي؟
رابعا، تعلم الصبر. قامت مسيرة موحا على عقود من العمل الهادئ، وثمانية ألبومات لم تصنع في ليلة. فلا تقس إبداعك بعدد المتابعين، بل بصدقه وأثره، ولا تنتظر التصفيق كي تبدأ.
خامسا، احفظ الذاكرة وجددها. التراث ليس متحفا نزوره، بل نهر نغرف منه ونصب فيه. دون حكايات الجدات، وسجل الأهازيج، وصور القصبات، ثم أعد صياغتها بلغة عصرك، فذلك أصدق أشكال الوفاء.
سادسا، ابحث عن جماعتك. الفن الكبير يولد في الجماعة: في أسرة تتقاسم الشغف، وفي فرقة يكمل أفرادها بعضهم بعضا، وفي مجتمع يصغي. ابحث عن رفاق يؤمنون بك، وكن أنت أيضا سندا لغيرك.
خاتمة
تجربة موحا ملال، في نهاية المطاف، رسالة محبة إلى أبناء الغد: أن الأرض التي نمشي عليها ذاكرة، وأن الكلمة واللون واللحن أمانة في أعناقنا. فمن شاء أن يترك أثرا جميلا فليبدأ بالإصغاء إلى أرضه، ثم ليجرؤ على الغناء. وإلى أن تنصف هذه التجارب بما تستحقه من دراسات ومنابر، يبقى على الصحافة الثقافية دور تعريف الناس بمبدعيها، ولو بمقال متواضع كهذا، يشبه وردة تهدى إلى الواحة.
باحث في الأمازيغية من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي