قوة التقابل في الهايكو: قراءة في ضوء شعرية المناخات المشهدية

محمد بنفارس*
يقصد بالتقابل في الهايكو تلك العلاقة القائمة بين عناصر متباينة داخل المشهد، وقد يبلغ درجة التضاد حين تتواجه حركات أو حالات أو دلالات متعارضة. أما التجاور فيضع العناصر جنبا إلى جنب، وينشأ التقابل أحيانا من العلاقة التي يتيحها هذا الوضع. وقد تفضي العلاقة إلى مفارقة غير متوقعة، لكنها لا تستلزمها بالضرورة.
في ضوء “شعرية المناخات المشهدية” (ش م م)، تكمن قيمة التقابل بقدرته على توليد المناخ والأثر، وليس على مجرد مقابلة الأضداد. وتتحقق فاعليته من خلال اللغة والاقتضاب والإيقاع: لغة تضع العناصر في مواضعها من دون تفسير، واقتصاد في القول يترك للعلاقة أن تعمل، وإيقاع ينظم الانتقال بين عناصر المشهد، فيتيح للتباين أن يُدرك ويُستشعر.
- صوت الماء
بركة قديمة-
ينطّ ضفدع
صوت الماء
__ ماتسوو باشو (اليابان، 1664- 1694)
تتجلى قوة التقابل في الانتقال من سكون البركة إلى حركة الضفدع، ثم إلى صوت الماء. فباشو لا يقول مباشرة بالتضاد ولا يتدخل في توجيهه، بل ينتجه عبر تتابع حسي سلس. وتؤدي القفلة الصوتية وظيفة تتجاوز تسجيل الحدث؛ بحيث تجعل الحركة مسموعة، وتمنح المشهد أثره. ويتبلور الإيقاع هنا عبر مسار حركي انتقالي: من المكان، إلى الحركة، إلى الصوت.
- قارورة تزحف
قارورة من البلاستيك
تزحف على الأرض-
البابا الطائر في السماء
__ بانيا ناتسويشي (اليابان، معاصر)
يقوم النص على تقابل رأسي بين الزحف والطيران، والأرض والسماء. وتكتسب القارورة، بما توحي به من خفة الإهمال والابتذال، حضورا مقابلا لشخصية البابا. ويمنح الفعل “تزحف” العنصر الأول حركة محسوسة، بينما يضع “الطائر” العنصر الثاني في حركة معاكسة. ينجح النص في اختصار المسافة بين الصورتين، ويترك التضاد بينهما كأثر للتلقي وتفاعل القارئ، من دون توجيه أو المفارقة.
- غراب يرقب
على النصب التذكاري
غراب يرقب
النمل
__ عيسى ابركان (المغرب، معاصر)
في نص عيسى يتقابل ثبات النصب التذكاري وحركة الغراب والنمل، كما يتباين المكان الذي يستحضر الذاكرة مع تفاصيل الحياة العادية الجارية عنده. ويلاحظ أن التباين غير معلن وغير مخطط له؛ فهو يرى ويستشف من تشكيل العناصر. واستعمال فعل “يرقب” يمنح الحركة امتدادا زمنيا قصيرا، لتستقر القفلة على النمل. بهذا المسار المتحرك السلس، ينتج التوتر بين ضخامة الدلالة التي يحملها النصب وصغر الكائنات التي تتحرك عنده، في تنح تام من الكاتب.
- بريق
ضفة المتوسط-
بريق
في عيون الناجين
يتحرك النص من فضاء جغرافي إلى تفصيل إنساني، ومن الضفة إلى العيون. وينهض التقابل على التوتر بين البحر الأبيض المتوسط بما يحمله من أهوال العبور، والبريق الذي يلوح في عيون من أسعفتهم النجاة. وتؤدي كلمة “بريق” دورا محوريا؛ فهي مقتضبة، حسية، وواقعة بين المكان والعيون، فتشكل نقطة التحول في المشهد. أما القفلة “في عيون الناجين” فتعيد البريق إلى أصحابه، وتترك تجربة النجاة تنبثق من التشكيل المشهدي.
صناعة التقابل وفبركة المفارقة
على الزجاج
يرسم المطر طريقا
لا يسلكه أحد
__ أ.ب
ينطلق النص من مشهد حسي مألوف: المطر يرسم على الزجاج خطوطا تبدو مثل طرق. الصورة بصرية تتيح للمتلقي تصور وتأمل تشكّل الخطوط وحركتها بتنح واضح.
غير أن صياغة السطر الأخير تتدخل لتوجيه القراءة نحو مفارقة مقصودة: طريق مرسوم لا يسلكه أحد. ما يجعل النص يتحول من إبداء المشهد كما هو إلى بناء تقابل بين صورة الطريق وإمكان سلوكه، ثم يدلي بنتيجة محسومة قولا.
فالخلل رابض في طريقة صناعة التقابل. فالخط المرسوم على الزجاج لا يتيح أصلا فرصة المرور؛ ما يعني أن عبارة “لا يسلكه أحد” أبعد من أن تضيف إلى المشهد اكتشافا جديدا، بيد أنها تعكز على مفارقة لفظية من استحالة مادية بديهية. الأمر الذي فرض على الصورة علاقة تضاد صناعية لا تنبع من توتر حسي داخل المشهد، بل من لعبة لغوية مركبة على “الطريق”: طريق يحس ولكنه غير سالك.
في ضوء (ش م م)، تضع هذه القفلة حدا لمسار الأثر الذي ينبغي أن ينبثق تلقائيا من الصورة البصرية. وكان متاحا ترك خطوط المطر تعمل في المخيلة، غير أن النص يوجه المتلقي إلى المفارقة التي صاغها صناعة وأعدّها إعدادا. ما يشي، على نحو مكشوف، بتدخل دلالي مباشر، تحول معه التضاد إلى صنعة لغوية تتغيأ إنتاج المفاجأة.
وغني عن البيان، أن المفارقة المفبركة، لا تنتج شعرية التي منبثها داخلي من تشكيل المشهد. في كلمة، المفارقة في النص غاية، والتقابل أداتها التنفيذية، والقفلة قبضة التحكم في القراءة. ومن ثم، لا أثر بعد ذلك.
خلاصة
مما سبق ووفق (ش م م)، يتضح أن قوة التقابل تجد منبعها في تفاعل العناصر المشكلة للمشهد من خلال لغة مقتصدة وسلسة، وتوزيع محسوب، وإيقاع يتيح للتباين، بدرجاته، أن يُدرك بتنح واع من الذات الكاتبة. ما يرقى بالتضاد إلى طاقة داخلية منتجة تسهم في تشكيل المناخ وتوليد الأثر، وبالتالي تضخ شعرية في النص الهايكوي تهب المتعة للمتلقي وترقى بذائقته الفنية.
شاعر ومترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي