عبد الله الرمضاني الطالب الذي اختطفه فن الملحون من معشوقته الموسيقى الأندلسية أو الفنان المكناسي الشاب الذي احتضنه الحاج الحسين التولالي ليصبح فيما بعد وريث سره

محمد بشار*
موضوع ورقتنا هذه يتعلق بأحد رواد فن الملحون بمكناس وعلى المستوى الوطني. إنه الفنان عبد الله الرمضاني (عبد الله فيما يلي). هذا الفنان إضافة لمبدعين مكناسيين كبار آخرين، كالمرحوم أحمد أكومي وعازف الكمان الكبير محمد الوالي، أطال الله في عمره، -على سبيل المثال لا الحصر- لم يحضوا:
- لا بالشهرة والصدى اللذان يستحقونها لدى الجمهور. وربما يرجع ذلك نسبيا إلى أن الظل الفسيح للمرحوم الحاج الحسين التولالي كان يحجب أنوار جميع مرافقيه.
- ولا بالتقدير والعناية الواجبين تجاههم من طرف الجهات الرسمية، ذلك أن سياسة الجحود وعدم الاعتراف والإهمال التي ينهجها المسؤولون أصبحت لازمة تجاه كل فن ينبض بالجمال.

ولد عبد الله سنة 1957 بمكناس بحي سيدي بابا وبه تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة البحتري. في سنة 1975 انتقلت الأسرة للسكن بقبة السوق بالمدينة العتيقة. درس إلى حدود السنة الخامسة ابتدائي وبعدها غادر الصفوف نهائيا واتجه إلى تعلم حرفة الخياطة التقليدية.
عن علاقته بالموسيقى يحكي بأنه منذ صغره كان مدمنا على الاستماع لمختلف الأصناف الموسيقية محلية كانت أو دولية، لم يكن يتصور أن يمر عليه يوم دون استمتاع طربي. إلى جانب ذلك كان كثير الحفظ للأغاني المتنوعة.
في سنة 1972 قرر الالتحاق بإحدى المؤسسات الثقافية من أجل التعلم وتطوير مداركه الفنية الفطرية. بمساعدة من أحد جيرانه تسجل بدار الشباب بشارع محمد الخامس (حمرية)، لكن ذلك لم يروي عطشه، لأن دروس الدار كانت مقتصرة على المسرح. سنوات بعد ذلك، وهو في سن الثامنة عشرة من عمره (1975)، وهي السنة التي انتقلت فيها أسرته للسكن بالمدينة العتيقة كما ذكرنا، قرر الالتحاق بالمعهد الموسيقي التابع لوزارة الثقافة الواقع بالحبول. عن هذه المبادرة يروي بأن مدير المعهد آنذاك، المرحوم مولاي أحمد المدغري، الذي استشف فيه نبتة فنان موهوب، رحب به وشجعه على التحصيل الموسيقي. وبما أن المادة الوحيدة التي كانت تدرس بالمؤسسة هي “الموسيقى الأندلسية” فقد انضم لفوجها. كان المكلفان بتدريس المادة آنذاك الفنان عبد الرحيم الخمسي، الذي أصبح لاحقا رئيسا لجوق المرحوم مولاي أحمد المدغري للموسيقى الأندلسية، والمرحوم عبد القدر أجانا. من شدة ولعه بالنمط الأندلسي، يقول عبد الله، بأنه كان يعطي الأسبقية لدروس الموسيقى التي كان يحضر كل حصصها، ولو على حساب عمله بالخياطة الذي كان كثيرا ما يهمله.
وهو يتابع دراسة الموسيقى الأندلسية علم بأن المعهد قرر إضافة فن الملحون إلى مقرراته. وقد وقع الاختيار على المرحوم الحسين التولالي، الذي كان حينها قد أصبح من ركائز هذا الفن بالمغرب وأشهر منشد به، ليدرس هذه المادة. في بداية التولالي بالتدريس لم يكن هناك بعد طلبة مسجلون في المادة ، فكان يحضر جوقه ويقومون بتداريب داخل إحدى قاعات المعهد. الجوق في تلك الفترة كان يضم السادة أحمد أكومي، علال السويسي، محمد بنهنية، عبد السلام الحجام، احبابونا، وسمحمد بن بنعيسى.
يقول عبد الله بأنه كان يقضي أوقاتا طويلة في الاستماع إلى الجوق خلال تداريبه، وقد أعجب أيما إعجاب بهذا الفن لدرجة أنه رأى فيه النمط المناسب له رغم ولعه اللامتناهي بالأندلسي. بعدها بدأ يحضر للتداريب ولاحقا الدروس.
لاحظ التولالي هوس عبد الله وجديته وانضباطه فدعاه ليلتحق بالفرقة ليصبح مرافقا لها في الحفلات والمناسبات التي تحييها. قبل عبد الله الدعوة بفرح كبير. ومنذ ذلك الوقت أصبح أحد أعضاء المجموعة الدائمين ورفيق التولالي لفترة فاقت العشرين سنة، شاركه فيها في جميع العروض الموسيقية العامة والخاصة والمهرجانات داخل المغرب وخارجه.
عن علاقته بالتولالي يقول بأن أفضاله عليه كبيرة جدا فنيا واجتماعيا، وبأنه عاين وعاش أشياء جميلة في حياته ما كان له ليدركها لولاه. فبفضله زار عشرات المناطق بالمغرب، كما ارتاد، في إطار جولات الجوق الخارجية، عدة دول : الجزائر، تونس، فرنسا، بلجيكا، هولاندا، ألمانيا وسويسرا. في كل من هذه الدول كانت الفرقة تقدم عروضا بمدن عديدة.
وعن التولالي يقول بأنه كان رجلا مستقيما ومحترما ومقدرا للآخر، منصفا مع أفراد مجموعته حيث كان يعطي لكل ذي حق حقه. لم يكن يعبأ بما يصدر من أقوال أو أفعال من الآخرين تجاهه . كان يركز على عمله ومجموعته دون أي التفات للآخر كيفما كانت الظروف. أضف إلى ذلك أنه لم يكن يسعى للمنافسة مع أي كان. فميدان الملحون بالنسبة إليه شاسع ويسع الجميع.
يؤيد عبد الله فكرة أن غناء مجموعات السبعينات لبعض القصائد الملحونية الخالدة، كناس الغيوان (الحراز، ارفق يا مالكي بعبدك (تاج لملاح)، كيف يواسي، النحلة …)، وجيل جيلالة (الشمعة، ناكر لحسان، مزين وصولك، الشهدة أو الرعد، لغزال فاطمة، اللطفية …) ، كان له الأثر الكبير في إعطاء نفس جديد للملحون وتقريبه خاصة من الأجيال الشابة، وتحبيبه لها، ونشره في مختلف مناطق المغرب وكذلك في الجزائر وتونس. لقد تعاملت المجموعات بذكاء مع هذه القصائد من حيث التوزيع وحسن اختيار الأبيات المغناة دون المس بجوهر النصوص. يقول عبد الله بأن التولالي، على عكس الكثير من رجالات الملحون الذين انتقدوا هذا التوجه وحاربوه، رحب بالمبادرة وشجعها وتعاون مع هذه المجموعات وقام بمعيتها، خاصة جيل جيلالة، بالعديد من الجولات الفنية. ويجزم (عبد الله) بأن دور التولالي في تقريب الملحون من المغاربة بما رزقه الله من فصاحة استثنائية، وبعشرات الجولات التي قام بها جوقه في العديد من مدن وقرى المغرب الكبيرة منها والصغيرة، لم يكن أقل من دور المجموعات إن لم يكن أهم منه بكثير. فالعديد من القصائد التي أنشدها التولالي ومجموعته، بما في ذلك التي غنتها المجموعات، صارت على كل لسان بنسق ملحوني كلاسيكي (غيثة، لغزال فاطمة، حمان، ناكر لحسان، فصل الربيع … ).
كان عبد الله بحظى بعناية وتشجيع كبيرين من طرف التولالي الذي ساهم في السمو بمستواه الفني وصقل موهبته. الشيء الذي مهد الطريق لتقديمه سنة 1982 لجوق الإذاعة والتلفزة الوطنية لفن الملحون بالرباط برآسة المرحوم الحاج محمد العوفير حيث سجل رفقته 6 قصائد نالت إعجابا من طرف المهتمين والجمهور: زيدو فصلاة الهاشمي من نظم بنعيسى الدراز المكناسي. الربيعية من نظم أحمد مريفق المراكشي. 4 قصائد وطنية، من نظم محمد العوفير، تتعلق بأعياد العرش والشباب والمسيرة وثورة الملك والشعب.
في سنة 1986 أنجزت ابنة الدار البيضاء الباحثة في التراث والمقيمة بفرنسا، إيزة جينني، شريطا وثائقيا عن طرب الملحون تحت عنوان “الملحون – الكلمة المغناة” (الشريط متوفر على اليوتوب- مدته حوالي 25 دقيقة). إنجاز هذا الشريط اندرج في إطار السلسلة الوثائقية “المغرب – أجساد وأرواح” التي أعدتها الباحثة المذكورة، والتي تجاوز عدد أفلامها العشرة وكل مواضيعها تتعلق بالتراث المغربي (الملحون، العيطة، إيقاعات مراكش، كناوة، المواسم، إيقاعات أمازيغية، …). تم اختيار عبد الله، كمنشد بارز، للمشاركة في هذا الوثائقي الذي أنشد فيه قصيدة ” الفرانة “، كما صورت له لقطات وهو يقوم بعملية الخياطة التقليدية بورشته. للإشارة كف عبد الله نهائيا عن ممارسة مهنة الخياطة سنة 1990.
تقديرا له واعترافا بما يبدله من مجهودات لصيانة فن الملحون وتطويره، منحته “جمعية الرباب لهواة الموسيقى الأندلسية” بمكناس شهادة اعتراف وتقدير. وكان ذلك بمناسبة الحفل التأبيني للمرحوم مولاي أحمد المدغري الذي نظمته الجمعية يوم 17/01/1987 الذي صادف الذكرى الثامنة لوفاته.
عبد الله، الذي استطاع أن يفرض نفسه مبكرا كمنشد متمكن، تم اختياره سنة 1988 من طرف وزارة الثقافة إلى جانب 8 من رواد الملحون على المستوى الوطني: لتسجيل بعض القصائد في إطار إنجاز أنطولوجيا أولية للملحون همت 10 نصوص: عبد الكريم كنون (العرصة وكيف يواسي)، محمد برحال (الصرخة)، الحسين التولالي (الحراز)، الحسين غزالي (الدمليج)، سعيد كنون (لكناوي)، محمد دلال (لطيفة)، محمد بوستة سويطة (طالق المسروح)، محمد بنسعيد (اليقوتة). أما عبد الله فأنشد بهذه المناسبة قصيدة “الساقي” لسيدي قدور العلمي.
من غرائب ونواقص تسجيل هذه الأنطولوجيا، التي اعتبرت بمثابة فتح فني كبير، أن المنشدين تلقوا مقابل المساهمة في إنجازها، تعويضا هزيلا تمثل في 1500 درهم عن كل قصيدة حسب عبد الله.
في سنة 1989 فاز بالجائزة الأولى للإنشاد بملتقى سجلماسة لفن الملحون ، وكان ذلك في إطار مسابقة للشباب نظمتها وزارة الثقافة. وقد تم بالمناسبة منحه شهادة تقدير من طرف نفس الوزارة.
زيادة على ولعه الهائل بالموسيقى الأندلسية واختياره العقلاني للملحون مسارا فنيا ، والذي آزره فيه أستاذه عبد الرحيم الخمسي، والذي أثبت فيه لاحقا علو كعبه، عرف عن عبد الله أنه عيساوي متمرس، بمعنى أنه من المتيـمـيـن بالإيقاعات والأهازيج والأذكار العيساوية، وكان يلازم الفرق العيساوية و أهل الطريقة ويشاركهم في العروض وجلسات الذكر التي كانت تؤطر من طرف كبار المقدمين العيساويين بالمدينة: المقدم المرابط، المقدم الجيلالي، المقدم عبد الجليل لكفايتي والمقدم الضاوي، رحمهم الله جميعا.
في شهادة لعبد الرحيم الخمسي يقول بأن المرحلة التي مر فيها عبد الله بالمعهد شهدت بزوغ العديد من المواهب الواعدة في الأندلسي والملحون، إلا أن أبرزها فنيا واجتهادا وانضباطا ، بالنسبة إليه، كان عبد الله.
رفقة الجوق الجهوي لإذاعة فاس برآسة المرحوم الحاج محمد بوزبع سجل عبد الله، خلال فترة التسعينات، العديد من القصائد وكانت كلها تتعلق بالمناسبات الوطنية الرسمية.
على المستوى التجاري يؤكد عبد الله بأن الجوق برآسة أستاذه التولالي قام، خلال فترة نشاطه، بتسجيل حوالي 80 قصيدة مع شركة “تشكافون”.
إلى جانب الإنشاد، شارك عبد الله، خلال فترة الثمانينات، في بعض الأعمال الإذاعية والتلفزية، نذكر منها:
-ملحمة دينية من تأليف أحمد سهوم للإذاعة الجهوية بمراكش. شارك في هذا العمل، الذي قدم على شكل حوارات ملحونية، إلى جانب عبد الله الكثير من المنشدين المرموقين: الأخوان أحمد ومحمد أمنزو، بوستة وأخرون.
-برامج تلفزيونية: 1- برنامج رمضاني من إعداد وتقديم المرحوم أحمد سهوم. 2- برنامج مسك الليل للمخرج والمؤلف المصري يسري شاكر (1928-2007) الذي أقام واشتغل بالمغرب إلى حين وفاته بالرباط.
-أعمال مسرحية: عمل مسرحي ضخم وهي ملحمة “واحة الفرح” التي أنجزت بعين مسكي بالراشدية وقدمت بمناسبة عيد الشباب سنة 1989. مسرحية “في رحاب الملحون” لعبد المجيد فنيش.
رغم فارق السن بين عبد الله وأستاذه وشيخه التولالي تشاء الظروف أن يتشابه مساراهما. فالإثنان وصلا إلى ما وصلا إليه بعصاميتهما وبشغفهما الفني واجتهادهما الإستثنائي. لم يعيرا أي اهتمام للعراقيل. كما أن عدم تمكنهما من الحصول على تعليم نظامي متقدم لم يشكل لهما أي نقص أو حاجز، بل بالعكس كان دافعا قويا لهما للكد والاجتهاد من أجل النجاح وإثبات الذات.
كأستاذه عمل عبد الله أستاذا لطرب الملحون بالساعات الخصوصية بنفس المعهد، وذلك بين سنوات 1992 و 1998، وهي السنة التي توفي فيها المرحوم التولالي. وكان ذلك بعد اجتيازه بتفوق، بالرباط سنة 1992، اختبارات فن الملحون التي نظمتها وزارة الثقافة لأول مرة. بهذا يكون عبد الله أول منشد مغربي يحصل على أول جائزة وطنية في هذا الفن وفي أول دورة لها بالرباط بميزة حسن. قبل هذه السنة كانت الاختبارات تهم أصنافا فنية لا تشمل الملحون.
بعد وفاة التولالي استمر جوقه لفترة، لكن بريقه خفت، وحضوره الفني الخاص والعمومي اضمحل. فوفاة رئيسه، الذي كان القلب النابض لأنشطته وإشعاعه، والذي لا يمكن تعويضه، جعل الطلب عليه يخفت وصداه ينحسر. لهذا السبب أساسا انسحب عبد الله من الميدان وانتقل إلى العمل بالقطاع الخاص إلى أن أحيل على التقاعد.
يمكن القول بأن المسار الفني لعبد الله كان مسارا ناجحا بكل المقاييس. وكان من الطبيعي، وهو الذي شاءت الأقدار أن يجايل كبار رجالات الكريحة وطنيا ويثبت ذاته بينهم، أن يستمر في الميدان لسنوات طوال بعد وفاة أستاذه التولالي. فمنطقيا لا ذريعة يمكنها تبرير قرار هجران الفن.
بالنسبة للمهتمين والجمهور المكناسي العاشق لفن الملحون، عبد الله الذي يعتبر من كبار رجالات هذا الفن ومن أبرز منشديه، ما كان عليه أن يتراجع إلى الظل، خاصة وأن الملحون – الذي ما فتيء يئن من كثرة المتطفلين عليه – في حاجة ماسة لكل أبنائه المتمكنين والمبدعين الحقيقيين من أجل الحفاظ عليه وتطويره. نشير بأنه رغم الإلحاح على عبد الله، من طرف بعض أصدقائه وكذا بعض الغيورين على فن الملحون، للعودة إلى الميدان، يظل عبد الله متشبثا بموقفه.
إن ابتعاد عبد الله مبكرا عن الميدان، لظروف خاصة يراها مقنعة، والأكيد أنها، كيفما كانت حمولتها لن تقنع لا مهتما ولا عاشقا لهذا الفن، يعتبر خسارة يصعب تعويضها.
ملاحظة:
تم إعداد هذه الورقة بتنسيق مع الفنان عبد الله الرمضاني مع الاستئناس بالوثائق التالية:
- فايسبوك ، منشور عبد العالي بوزيان بتاريخ 8 أبريل 2020
- فايسبوك، قناة عبد العالي بوزيان ، حديث النوسطالجيا، حلقة شيخ الملحون عبد الله الرمضاني.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي