الرئيسية / الأعداد / العدد الثامن والسبعون / أعمدة ثابتة 78 / حين يخاف النقد من الإبداع – عـادل عطيـة

حين يخاف النقد من الإبداع – عـادل عطيـة

لقـــــــــــــــــاء

حين يخاف النقد من الإبداع

عادل عطية*

 

السحابة الواحدة ليست على كل واحد، والوجوه الواحدة ليست على شكل واحد، والورود الواحدة ليست على شكل واحد. فلماذا نطلب من الأدب، وهو أكثر أشكال التعبير الإنساني حريةً وتركيباً، أن يتشابه في الشكل والأسلوب؟

تبدو هذه المسألة بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل مهمة النقد أن يكتشف طبيعة العمل الإبداعي، أم أن يفرض عليه طبيعةً مسبقة؟

تنبع الإشكالية من علاقة ملتبسة بين الإبداع والنقد. فالمبدع يخلق، ثم يأتي النقد ليقرأ ويحلل ويصنف ويؤوّل. لكن الخطر يبدأ عندما تنقلب العلاقة، فيصبح على المبدع أن يكتب وفق التصنيفات التي وضعها النقد استناداً إلى تجارب سابقة. عندها يتحول النقد من أداة لفهم الإبداع إلى سلطة تحدد مسبقاً ما يجوز أن يكون إبداعاً.

وقد عايشت هذه المفارقة شخصياً حين رفض أحد النقاد اعتبار رواية لي رواية، لأن نسبة الحوار فيها كبيرة، معتبراً أن ذلك أسلوب مسرحي، مع أن الرواية تقوم أساساً على حوار بين متهم ومحقق. وهنا يبرز السؤال: هل كثافة الحوار كافية لتغيير هوية العمل الأدبية؟

في تقديري، لا.

فالحوار ليس جنسية أدبية، وإنما تقنية فنية. والمسرح يستخدم الحوار، لكن الرواية تستخدمه أيضاً، كما تستخدم الوصف والمونولوج والرسائل والتأمل والوصف السينمائي وغيرها من الأدوات. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم تبلغ نسبة الحوار؟ بل: ما الوظيفة التي يؤديها الحوار داخل البناء الروائي؟

إذا كان الحوار يكشف الشخصيات، ويصنع الصراع، ويدفع الأحداث، ويكشف الرؤية الفكرية والنفسية للعمل، فإنه يؤدي وظيفة روائية، مهما بلغت مساحته.

وهنا يظهر الفرق بين النقد بوصفه فهماً والنقد بوصفه وصاية.

النقد الحقيقي لا يكتفي بمقارنة العمل بقائمة من القواعد، وإنما يحاول اكتشاف منطقه الداخلي. فالنص الأدبي ليس جثة في مختبر يمكن تشريحها وفق نموذج ثابت؛ إنه كائن حي تتفاعل عناصره بحيث يكتسب كل عنصر معناه من موقعه داخل الكل.

ولا يعني هذا أن النقد مطالب بقبول كل تجربة باسم الحرية. فالنقد ضرورة، والكاتب ليس فوق المساءلة الجمالية. لكن هناك فرقاً بين أن يقول الناقد: «هذا الاختيار الفني لم ينجح، وهذه أسبابي»، وبين أن يقول: «لا يجوز أن يكون العمل هكذا». الأول نقد، والثاني وصاية.

إن تاريخ الأدب نفسه يثبت أن الأجناس الأدبية ليست جزرًا مغلقة. فقد تداخل الشعر مع السرد، والمسرح مع الرواية، والسيرة مع الاعتراف، والصحافة مع الرواية، والوثيقة مع الفن. وما كان في زمن ما خروجاً على المألوف، أصبح في زمن آخر جزءاً من المألوف نفسه.

ولعل المفارقة أن كثيراً من القواعد التي يستخدمها النقد اليوم للحكم على الإبداع، وُلدت أصلاً من تمرد مبدعين سابقين على قواعد أقدم.

لذلك لا ينبغي للنقد أن يخاف من النص المختلف، بل أن يسأله: لماذا اخترت هذا الشكل؟ وماذا استطعت أن تقول به ولم يكن ممكناً قوله بغيره؟

فالمبدع لا يحتاج إلى ناقد يصفق له، كما لا يحتاج إلى ناقد يقوده من يده. إنه يحتاج إلى قارئ عميق يضيء مناطق لم يرها، ويطرح أسئلة جديدة، دون أن يصادر حقه في التجريب.

إن الإبداع لا يلغي القاعدة، لكنه يختبر حدودها. والنقد لا ينبغي أن يحرس الحدود بقدر ما ينبغي أن يكتشف ما وراءها.

فالمبدع ينظر إلى ما يمكن أن يكون، بينما ينظر الناقد غالباً إلى ما كان. وبين المستقبل والماضي تولد منطقة الاختلاف.

وربما تكون القاعدة الأهم هنا هي أن النقد الجيد لا يسأل الإبداع: لماذا لم تكن مثل ما سبق؟ بل يسأله: ما الذي تحاول أن تصبحه؟

فالإبداع الحقيقي لا يكرر العالم كما وجده، وإنما يحاول أن يضيف إليه شيئاً لم يكن موجوداً. وعندما يصبح النقد عاجزاً عن رؤية هذا الشيء الجديد، فالمشكلة ليست دائماً في الإبداع. أحياناً تكون المشكلة في العين التي تنظر إليه.

 

كاتب من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً