
رغاوي صابون
أحمد طايل*
كنت قد غادرت قريتي لسنوات طوال، بحثًا عن سبيل لتحسين ظروفي الحياتية، والابتعاد عن قرية لم يعد لي بها أحد إلا بعض الأعمام والأخوال، الذين كانوا أثناء حياة والديّ متباعدين عنا بلا أسباب معلنة أو غير معلنة. كنت ابنًا وحيدًا، فكان غيابي منطقيًا ولا يعني أحدًا. عدت بعد غياب سنوات لا أعرف عددها، فوجدت أن قريتي لم تعد كما تركتها، وهذا أمر طبيعي؛ فكل شيء في حياتنا قد أصابه التغيير بنسب متفاوتة.
لم يعد الطريق إليها كما كان، لم تعد جوانبه مزروعة بالأشجار، بل أصبحت كتلًا خرسانية، بيوتًا وبنايات متعددة الأشكال. سرت في الطريق، أحمل دهشة فوق دهشة، وكل ما كان يصادفني يزيد من مساحات الدهشة داخلي. وصلت إلى بيتنا المغلق بأقفال كثيرة، مؤكَّد أنها أصابها صدأ الأيام. وقفت حائرًا، ماذا أفعل؟ البيت يحتاج لمن يعيد له أنفاس الحياة.
استجمعت شجاعتي وناديت أحد الصبية الذين يلعبون الكرة، فحضر بلا تلكؤ. طلبت منه أن يحضر لي نجارًا أو حدادًا ليفتح الباب، فنظر إليَّ نظرات متسائلة (من تكون؟) لكنه بالنهاية ابتلع دهشته وهرول عائدًا ومعه رجل كهل بعض الشيء. أخبرته بمطلبي، فتأملني بنظرات متفحصة من رأسي حتى قدمي، ثم أخبرته أنني صاحب البيت وذكرت له اسم والدي، فتذكره وترحم عليه. قام بعمله وفتح الباب الذي انبعث منه غبار كثيف.
نظر إليَّ الرجل وقال:
- مؤكد أن البيت يحتاج إلى يوم كامل لتنظيفه، سأحضر لك من يقوم بذلك، ولكن المشكلة: أين ستذهب؟
نظرت إليه بدهشة كبيرة:
- ولمَ لا أقيم ويقومون بالتنظيف؟
- هذا صعب، فالبيت لم يُفتح منذ سنوات، والغبار والتراب يملآن المكان. يمكنني أن آخذك إلى استراحة النائب (حمدان البهي)، فهي مفتوحة للجميع دون مقابل.
صك الاسم أذنيَّ، فأومأت له برأسي موافقًا على مقترحه. أمهلني بعض الوقت ليحضر من ينظف البيت، ثم غادر دون انتظار ردي. عاد بعد قرابة نصف ساعة وخلفه فتاتان في مقتبل الشباب، وأشار إليهما ببدء العمل قائلًا:
- البِيه سيجزل لكما العطاء، فقط أريد عملًا متقنًا.
ثم أشار إليَّ بالسير معه إلى استراحة النائب. سرنا لعشر دقائق حتى وصلنا إلى مبنى مكون من ثلاثة أدوار، بطراز معماري يقارب الفنادق. تقدم نحو الباب، ففتحه شاب يناهز الثلاثين. تحدث معه بصوت خافت مشيرًا إليَّ، فرحب بي الشاب وأفسح لي المجال للدخول.
دخلت متجولًا ببصري في أرجاء المكان الذي يشي بثراء فاحش. نظر إليَّ الرجل قائلًا:
- لا تقلق بشأن البيت، سأتابع كل شيء، وعندما ينتهون سآتي إليك.
شكرته كثيرًا، وحاولت أن أمنحه بعض المال لكنه رفض قائلًا:
- الحساب يجمع.
ثم أسرع بالمغادرة. قادني الشاب إلى حجرتي، فلفت نظري العديد من الصور للنائب بأوضاع مختلفة، أغلبها له في مجلس الشعب ومع بعض الشخصيات العامة. بالطبع تذكرته جيدًا، لكني آثرت تأجيل استعادة الذكريات. كان يجب عليَّ أخذ قسط من الراحة. كانت الغرفة واسعة، تحوي كل ما يحتاجه الإنسان. نزعت ثيابي واتجهت إلى الحمام الملحق بالغرفة، أخذت حمامًا باردًا طويلًا، ثم ارتديت ثياب النوم وألقيت بنفسي على الفراش، فغُصت في نوم عميق.
لا أعرف كم من الوقت نمت، لكني استيقظت ولم أغادر الفراش. وضعت يدي خلف رأسي وأخذت أستعيد ما أعرفه عن النائب (حمدان البهي). كنت أعرفه منذ الطفولة؛ كان خجولًا شديد الخجل، يتلعثم كثيرًا عند النطق بالكلام، حتى أنه أصبح مادة للتندر بين أقرانه وأهل القرية. كان يتعرض للمضايقات، وكم تسبب في مشاجرات، وكان دوماً يبكي ويكتفي بقذف الحجارة على من يسخر منه. كان ابنًا لرجل عُرف بالإيمان والصلاح.
تركت القرية وهو في أولى سنوات الدراسة الثانوية، لكني كنت أسمع بعض الأخبار عن أهاليها، ولم أتخيل أبدًا أنه أصبح نائبًا! الأسئلة كانت تنهشني، ولم أجد إجابات، فأثرت تأجيلها لحين لقائي به. عند منتصف النهار جاء الرجل يخبرني أن كل شيء على ما يرام. أعددت حاجياتي وأجزلت العطاء للشاب، لكنه رفض كثيرًا. سرنا معًا، وحين لمح أنني غارق في التساؤلات لم ينتظر، بل بادرني بالكلام:
- مؤكد أن لديك الكثير من الأسئلة، مثل كل أهل القرية، الذين ما زالوا يتساءلون رغم مرور سنوات طويلة. لك حق أن تندهش وتتساءل، فنحن جميعًا نعرف الأب الصالح الورع، ونعرف هذا الابن تحديدًا، الذي كان يبتعد عن الناس كي لا يتعرض للسخرية بسبب لعثمته. حصل على مؤهل متوسط، وعمل في هيئة حكومية، وكانت حياته تسير بشكل طبيعي وبسيط. ثم، بين ليلة وضحاها، فوجئنا بهدم بيتهم وبناء قصر ضخم على مساحة أكبر.
كانوا يشترون الأراضي المحيطة، وخلال شهور قليلة أصبحت لديه شركات تعمل في مختلف أنواع التجارة، وأسطول من السيارات الفارهة، وحراسة خاصة ترافقه في كل خطواته. وبدأت شخصيات من الطبقة المخملية تزور قصره باستمرار.
كيف حدث هذا؟ لا نعرف، وأظننا لن نعرف. هناك تكهنات: قالوا إنه عثر على آثار في بيتهم، أو أنه تورط في تجارة غير مشروعة، أو أنه وجد حقيبة مليئة بالدولارات! وفي النهاية، انضم إلى حزب الأغلبية، وقالوا إنه دفع ملايين لينتسب إليه، ثم فجأة أصبح مسؤولًا حزبيًا كبيرًا.
صار نائبًا عن الدائرة، لكن لم يضف شيئًا للقرية سوى طبقة من المنتفعين وأصحاب المصالح. صورته تملأ الشوارع، قصره يعج بأصحاب البطون المنتفخة، لكنه لم يقدم شيئًا لأهل البلدة. هو وأمثاله أشبه برغاوي الصابون.
أمنت على كلامه، ثم دخلت بيتي فوجدته وكأنه وُلِد من جديد. أجزلت العطاء للرجل، وطلبت منه أن يزورني متى شاء. لكن ظلت كلمته “رغاوي صابون” تتردد في رأسي.
حتى جاء اليوم الذي استيقظت فيه على ضجيج شديد، وسيارات أمن تملأ شوارع القرية. خرج أهل البلدة ليشاهدوا النائب محاطًا برجال الأمن، وهو يصرخ:
- ستدفعون الثمن غاليًا! ألا تعرفون من أنا؟
لكنهم أدخلوه إلى سيارة الشرطة، وغادروا. وبعد أيام، جاءت الإجابة: متورط في قضايا تهريب آثار، وكان تحت المراقبة لشهور، حتى حصلوا على إذن من المجلس للقبض عليه هو وعدد من شركائه.
أما والده، فكان يجلس أمام قصره، وقد أضافت التجاعيد إلى وجهه أعوامًا كثيرة. كان المارون يقبلون عليه ويواسونه، فهو لا ذنب له فيما فعل أبناؤه. لكن المؤكد أن الأحفاد سيدفعون الثمن لسنوات طويلة.
تبسمت، ورددت همسًا:
- فعلًا، هم رغاوي صابون، وما أكثر هذه الرغاوي في حياتنا!
روائي من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي