
رواية “الجاثوم”: حين يتحوّل السرد إلى مقاومة وحفر في قاع الهامش.
رياض الشرايطي*
مقدمة:
عندما ينهض الجاثوم من صدر اللغة.
ليست الجاثوم مجرّد رواية تُضاف إلى رفوف السرد التونسي المعاصر، بل هي زلزال سردي صغير، ينبثق من تحت الركام اليومي للحياة المتآكلة، حيث يلتقي القهر بالفقر، ويصير الحلم خيط دخان يتلاشى في مهبّ الخيبة. حين تكتب فتحية بن فرج روايتها هذه، فهي لا تبحث عن بطولة أدبية، ولا عن شرف الانتماء إلى حركة روائية بعينها؛ إنها تمارس عملاً أقرب إلى الجراحة السردية، إذ تنزع غشاء الستر عن جسد المجتمع، وتضع القارئ وجهًا لوجه أمام مخلوق مخيف هو الجاثوم، ذاك الكائن الرابض فوق الصدور الذي لا يقتل لكنه يخنق.
الجاثوم في الثقافة الشعبية مخلوق كابوسي، لكنه في هذه الرواية يتحوّل إلى استعارة وجودية وسياسية، إلى رمز لثقل الواقع، لعجز الفعل، للشلل الجماعي، ولحالة عامة من الاختناق والانتظار واللّاجدوى. وبن فرج، بهذه الرواية، لا تستدعي المأساة لتثير الشفقة، بل لتُحدث قلقا جماليًا وسؤالًا أخلاقيًا: من يصنع هذا الجاثوم؟ ومن يستفيد من بقائه؟ ومن هم ضحاياه الحقيقيون؟.
تسير الرواية على حافة الألم، لكنها لا تقع في فخ الخطابة ولا الغنائية، بل تختار طريقًا وعرة، فاللغة لا تُجمّل، بل تُجرَح، والسرد لا يُهدّئ، بل يُقلق ويهزّ. تكتب بن فرج من الهامش، لا عنه؛ تتكلم لا بلسان الضحية، بل بحنجرة الغاضب الذي اختنق من طول الصمت. إنها كتابة مشروطة بوعي طبقي وموقف أنثوي حادّ من السلطة بمختلف تجلياتها السياسية والذكورية والاجتماعية.
وفي زمن يتراجع فيه الأدب إلى فضاء المتعة السطحية والتواطؤ الرمزي، تأتي الجاثوم لتعيد للرواية دورها التمرّدي، بوصفها فنّا قادرا على تسمية الجراح وفضح الآليات. ألم يقل الكاتب التشيلي لويس سيبولفيدا أنّ “الكاتب الحقيقي ليس من يبيع الحكايات، بل من يحفر في الذاكرة الجماعية ليوقظ ما نسيه الناس عمدًا.”
في هذا السياق، تبدو رواية الجاثوم فعلا نابعا من رحم الاختناق، ومن قعر التجربة أين يصبح السرد شكلا من أشكال النجاة، واللغة يُعاد توظيفها ليس من أجل البلاغة، بل من أجل البوح و الغضب ومن أجل كسر الجاثوم ذاته.

- السرد أداة حفر: من الحدث إلى الجرح.
في رواية الجاثوم، لا يقدَّم السرد بوصفه وسيلة لنقل حكاية، بل باعتباره فعلا كاشفا، أداة لنبش المسكوت عنه، وشكلا من أشكال المقاومة الثقافية والاجتماعية. فتحية بن فرج لا تبني عالمها الروائي انطلاقا من حدث متسلسل، بل من تشظي الذاكرة، ومن تشققات الواقع، ومن البقع المعتمة التي يتجنبها السرد التقليدي عادة. إنها تسرد لا لتروي بل لتحفر كما لو كانت تمارس تنقيبا أثريا داخل خرائب النفس والمجتمع بحثا عن معنى مفقود، عن صرخة لم تخرج، عن جرح لم يُرْوَ بعد.
ولعل استعارة “الحفر” التي استخدمها الروائي الجزائري واسيني الأعرج حين قال: “الرواية ليست كتابة فوق الواقع، بل كتابة في قعره، في تجاويفه الغائرة، حيث يكمن الدم الحقيقي”، تنطبق بدقة على هذه الرواية. إذ لا نجد فيها مسارًا تصاعديا تقليديا، بل نجد نسيجا سرديا متداخلا، تتقاطع فيه الأصوات، وتتناوب فيه الأزمنة، وتتمزق فيه الحدود بين الذات والعالم، بين الحلم والكوابيس، بين القول واللاقول.
الرواية تنحو إلى سرد جرح لا سرد حدث، فالجرح الاجتماعي والوجودي لا يُقدَّم بوصفه موضوعا خارجيا، بل ككائن حيّ ينزف من أعماق الشخصيات. لا شيء مكتمل في العوالم السّردية للرّواية، فالشخصيات مبتورة واللغة مكسورة والزمن مفكك والمكان لا يمنح الأمان، بل يضيف مزيدا من الارتباك. وكأنّ السرد هنا يتماهى مع تجربة “الانفصال” التي تحياها الشخصيات في ظل التهميش والخذلان والاحتقار الطبقي.
وعلى خطى ما طرحه بول ريكور في حديثه عن “الزمن السردي”، فإن رواية الجاثوم تعيد تركيب الزمن لا عبر التتابع المنطقي، بل عبر تكسير البنية الخطية، فتغدو الذاكرة مسرحا للتوترات والعودة المتكررة إلى لحظات الانكسار، كأن الماضي لم يُدفن بل لا يزال حيا، يفرض نفسه على الحاضر. هذا التلاعب بالزمن السردي لا يُمارَس بوصفه هندسة شكلية فحسب، بل كفعل دلالي؛ إذ يوحي بأن الشخصيات أسيرة زمنها، غير قادرة على تجاوزه كأنها محاصرة داخل لحظة سقوطها.
إننا أمام سرد يتشظى بقدر ما يحاول الإمساك بالتجربة. لا يحكي من علٍ، بل من الداخل، من الشقوق التي صنعتها الحياة. ولذلك فإنّ الرّواة المتناوبين على سرد الأحداث ليسوا رواة محايدين، بل هم شهود على الكارثة، ولعلّهم شركاء فيها، كأنّ كلّا منهم يقف على أنقاض الإنسان في تونس الهامش، محاولين عبر الحكي أن يجمعوا الشظايا، أن يمنحوا الصوت لما لا يُقال ولم يُقَل، أن يردّوا الكرامة إلى من جُرِّد منها في الشارع والسجن وبيت العائلة.
هذا النمط من السرد يقترب مما سمّاه فالتر بنيامين “سرد البؤس”، الّذي تكون الرواية فيه “لا صوتا للنخبة، بل وثيقة نجاة تُروى في الظلال، من قبل من عايشوا الخراب ونجوا بالكاد”. فالراوية في الجاثوم لا تنقل “بطولات”، بل تكتب عن أناس سقطوا في الهامش، في اللامرئي، في العطب. فالسّاردة وهي تتخفّى وراء رواتها تُؤرّخ من تحت، وتصرخ من داخل الجرح، وتجعل من السرد ذاته شكلًا من أشكال الرفض.
هكذا يتحوّل السرد في الجاثوم إلى ما يشبه المقامرة الجمالية: مقامرة بتفكيك الشكل وتعرية اللغة ومواجهة القارئ بما لا يُقال عادة في مجتمع يغلّف آلامه بالسكوت، ويخفي جثثه خلف الجدران العالية.
- اللغة ساحة اشتباك: حين تصرخ الكلمة وتختنق الجملة.
ليست اللغة في الجاثوم أداة طيّعة، ولا زينة بلاغية، ولا جسرا سلسا بين المعنى والقارئ. إنها – في عمقها – حقل ألغام، وساحة اشتباك دائم، وأحيانا قناع للصدمة، وأحيانا أخرى فخّ لها. تكتب فتحية بن فرج روايتها بلغة متوترة، مكثّفة، تخلو من الاستعراض لكنها لا تخلو من العنف الجميل والحُرقة و الاحتكاك العاري بالواقع. لا توجد في هذه الرواية “جمل مرتاحة”، فكل جملة تنهض مثقلة بما قبلها، وكل كلمة تشبه حجرًا في طريق معتمة، تصطدم به القدم فتوقظ الذاكرة.
في الجاثوم، تختار بن فرج عن قصد أن تكون لغتها مجروحة، متقشفة، غير أنّ تقشّفها لا يعني الفقر بل الامتناع، الامتناع عن التجميل، عن الترف، عن التنميق. فاللغة هنا لا تُستخدم ستارا إنّما هي كاشفة، وهي ليست زينة بل فضيحة تتخفّى في شِعريّة الوجع. وهذا ما يجعل من النص كيانا لغويا ملغوما، قلقا، غير قابل للارتخاء. “فإذا كانت اللغة الحقيقية، كما يصفها ألبيرتو مورافيا، تبدأ حين تصبح الكلمات غير كافية، وحين يتحول المعجم إلى مقاومة.”، فإنّ “بن فرج” تنطلق من هذا المفهوم لتجعل اللغة نفسها في موضع أزمة.
واللّافت في هذا السّرد هو هذا التوتر المحسوب بين الشعري واليومي، بين الخطابي والهمس، بين الغضب والكتمان. فجملها تنوس على حافة الشعور، لا تغرق في الوصف لكنّها تُبقي فيه أثرا، لا تعلن العواطف صراحة لكنّها تحبسها في نبرة الحدث، في اختيارات المفردات، في صمت ما بعد النقطة. إن لغتها تكتب الداخل لا السطح، القاع لا القشرة، الألم لا شكله.
تتعمّق الرّواية في واقعها حين تكتب باللهجة التونسية في مواطن عديدة دون أن تسجن نفسها في محليّة ضيقة، بل تستثمر خصوصية اللسان التونسي لتعزيز كثافة الإحساس والصدق الجارح في المشهد. كأن هذه اللهجة – المهمّشة في الأدب الرسمي – تصبح فجأة لغة مقاومة، لغة “الأسفل”، لغة من لا صوت لهم، كما لو أن الجسد الاجتماعي نفسه هو من يتكلم، لا الكاتبة. وهنا تحضرنا مقولة رولان بارت: “كلما اقترب النص من اللغة المحكية ابتعد عن السلطة.”
ولأن اللغة في الجاثوم ليست وسيطا محايدا بل طرفا في النزاع، فإنها لا تسرد الواقع بل تشتبك معه. أحيانا تنقضّه فتسخر منه، وأحيانا تنهار أمامه. إن الرواية تقول ما لا يُقال، وتعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، فتسقط اللغة في لحظات من الصمت، والانكسار، والتلعثم السردي، وكأن اللغة نفسها تعاني من الجاثوم، تختنق، تتقلص، تتلعثم… فلا يعود بإمكانها قول كل شيء، بل فقط ما يُنتزع انتزاعا من حلقها.
من هذا المنظور، لا تعود اللغة أداة للسيطرة، بل لحظة تحرّر ممكن. فهي تقف ضد النسيان، ضد التواطؤ، والكذب المجتمعي. وهي في الوقت ذاته، تظل واعية بعجزها وبحدودها، لذا تلجأ إلى المسكوت عنه، إلى الحذف، إلى الكناية، إلى الجُمل التي لا تكتمل، فتخلق بذلك إيقاعا خاصا وموسيقى صامتة تفيض بالكثافة والإيحاء.
في هذا التوظيف الجريء للغة، تبدو فتحية بن فرج كأنها تكتب من “داخل الحلق”، من موضع الخنق، لا من علٍ، ولا من على ورق ناعم. بل هي تنحت الجملة كما يُنحت القبر، وتحرث المعنى كما يُحرث التراب. كل كلمة تنبض بتجربة معيشة، كل سطر محمّل بما يشبه الذكرى أو الجرح أو الحنين. إنها كتابة جسدية، حيوية، دموية.
في النهاية، تخرج اللغة من هذه الرواية كما خرجت الشخصيات متألمة، لكنها صامدة ومكسورة لكنها شاهدة. وقد تكون هذه الشهادة، على هشاشتها هي أعلى درجات الصدق في الأدب. وفي ذلك تماهٍ مع قول “إدوراد غليسان”: “حين تعجز اللغة عن الوصف، تبدأ اللغة في أن تكون.”
- التخييل واللاوعي: حين تنزلق الرواية إلى أحلامها وتتهجّى كوابيسها.
إذا كانت الرواية، كما يرى غاستون باشلار، «مكانًا رمزيًا لسكنى الذاكرة واللاوعي»، فإن الجاثوم تمضي بهذا التصور إلى أقصاه. لا تقدّم لنا فتحية بن فرج رواية بالمعنى التقليدي للحكاية المروية وفق منطق سرديّ خطيّ، بل تخلق عالمًا داخليا متشظّيا، خانقا، أشبه بكابوس جماعيّ تذوب فيه الحدود بين الواقع والحلم، بين الحاضر والماضي، بين الذات والآخر، بين الهذيان والعقل. وكأننا لسنا أمام شخصيات تتحرك في عالم روائي، بل أمام أحلام تمشي، كوابيس تنطق، ذوات تتمزق بين وعيها وصدمة التاريخ.
الرواية، بهذا المعنى، تمارس ما يمكن أن نسمّيه بـ”التخييـل الداخلي”، حيث لا يكون الخيال وسيلة للهروب من الواقع، بل طريقة لـ”الحفر” فيه وكشف طبقاته الغائرة. إن فتحية بن فرج لا تكتب ما حدث فقط، بل تكتب أثر ما حدث، الصدمة التي لا تزال تنزف داخل الذات، الصورة العالقة في اللاوعي، القصة التي رُويت ألف مرة ولم تُفهم بعد. وهذه المسافة بين الحدث وتمثيله، بين التاريخ ورواسبه النفسية، هي ما يمنح الجاثوم طابعها المروّع، المُربك والمحرّر في آنٍ واحد.
عبر هذا المنظور، لا تصبح الحكاية حكايةَ واقع اجتماعي أو سياسي فحسب، بل هي تشكّل الذات داخل ذلك الواقع، ذاتا ضحية سرد، كائن هشّا يسكنه الكابوس أكثر مما يسكن الواقع. فنجد الساردة – بل والراوية ذاتها – تهوي تدريجيا في متاهات اللاوعي، تُراكم الصور، تخلط الزمان بالمكان، تندمج بالحلم، تتشظّى في الذاكرة، حتى تبدو الرواية وكأنها تُكتب في قلب النوم، أو داخل الجسد الذي يختنق بفعل الجاثوم.
وهو ما يجعلنا لا نجانب كارل يونغ حين يفترض أنّ “ما لا يُواجه في الداخل، يعود في الخارج على هيئة قَدَر.”
وفي رواية الجاثوم ليس القدر ما يحدث للشخصيات فحسب، بل ما نراه في أحلامها. الحلم هنا ليس فرارا، بل إفصاحا وهو ليس ملاذا بل ساحة محاكمة. وبما أن الرواية لا تخضع لمنطق سردي تقليدي إنّما تتبع تدفقا نفسيا، فإنها تشبه “تيارا سرديا يتخلّق كما يتنفس، لا كما يُخطَّط له” كما وصف جيرار جينيت الروايات الذاتية الحداثية . وهذه البنية المراوغة، القائمة على التقطيع والومضات، تجعل القارئ نفسه مهددا بفقدان توازنه، كما لو أنه داخل كابوس لا يستطيع الاستيقاظ منه.
كل هذا يُحيلنا إلى وظيفة التخييـل كما تراها فتحية بن فرج، فهو ليس “اختراعا” لما لم يحدث، بل استحضارا لما حُجب أو قُمِع أو تم نفيه داخل الذات والمجتمع. أي أن التخييل في الجاثوم يصبح – على حد تعبير بول ريكور – “ذاكرة مضادة”، تحفر في ما لا يُقال، وتكتب ضد النسيان.
وهكذا نجد حضورا كثيفا لما يمكن تسميته بـ”الرموز الطيفية” داخل الرواية: وجوه مشروخة، صمت ثقيل، حركات غير مكتملة، غرف مغلقة، أبواب لا تُفتح، أجساد مهددة بالاختفاء… وكلها علامات توحي بعالم داخلي مشحون ومعطوب لا تُعالجه الكلمات بل يزيده السرد انكشافا.
وتقنية السرد ذاتها تتآمر مع هذا البناء اللاواعي. فالزمن مضطرب، لا يتقدّم بخطّ مستقيم، بل يتقهقر ويقفز ويتكرر. والضمير السردي – كعين مبصرة – يتناوب بين الحضور والغياب، بين الأنا والهي، بين الحكي والتشظي. كأن الساردة لا تعرف دائما ما الذي يحدث لها، بل تحاول أن تفهمه معنا، أو أن تتهجّاه كأنها تكتبه للمرّة الأولى. وهذا ما يضفي على النصّ طابعه “الحيّ”، المتخلّق، المتحوّل، بل ويجعل من قراءته تجربة نفسية لا تقلّ عن كونها تجربة جمالية.
إن رواية الجاثوم إذ تنخرط في هذا النمط من الحفر النفسي عبر التخييل، تضع نفسها في صلب الحداثة الروائية التي ترى في الأدب وسيلة لفضح المسكوت عنه، وتحطيم البنية النفسية للهيمنة، لا مجرد تسلية سردية أو محاكاة الواقع. وهكذا، تصبح الرواية خريطة خوف، وبوصلة أرق، ومشهدا متفجّرا لمعركة تدور في عمق الذات لا في ساحات العالم. ولعلّ “خورخي لويس بورخيس” لا يجانب الحقيقة حين اهتدى إلى أنّ “الكوابيس أيضا تحتاج إلى مَن يكتبها، وإلا تحوّلت إلى موت لا يُقال.”
وفي الجاثوم، اختارت فتحية بن فرج أن تكتب الكابوس… فنجَت.
- اللغة مساحة تجريب ومقاومة: حين تنقلب الكلمات على بلاغتها.
في رواية الجاثوم، لا تقوم اللغة بوسيلة النّقل أو الوصف فحسب، بل تتحوّل إلى كيان حيّ نابض متمرد يتنفس الألم ويقذف بالمعنى في اتجاهات غير متوقعة. ليست لغة فتحية بن فرج لغة سرد تقليدي تطمح إلى التجميل أو التزيين أو المحاكاة، بل هي لغة مشتبكة، متقطّعة، مسكونة بالتوتر، تختبر حدودها، وتنقلب على أعرافها لتقول ما لا يُقال، أو لتبني عالما لا يُطاق إلا بها.
هنا لا يكتفي السؤال بماذا تقول الرواية؟ بل كيف تقول ما تقوله؟ وبأي أدوات لغوية تبني عالمها؟ إذ سرعان ما يتبين للقارئ أنّ الكاتبة تتعامل مع اللغة كمختبر، كمسرح للتجريب الجمالي والدلالي، فتتلاعب ببنية الجملة، وتُحدث فواصل غير مألوفة، وتقطع تدفق الكلام لا لتضعف المعنى، بل لتفككه وتعيد تركيبه تحت ضغط الكابوس حتى يغدو السرد نفسه صدى لاضطراب الذات.
كما لو أن اللغة في الجاثوم لم تعد “لغة”، بل “أثرا لغويا” يحوم حول الخسارة، يتهجّى الغياب، ويستبطن الخوف. فالكلمات تنهار أحيانا، تتهجّى أحيانا، تصرخ أحيانا أخرى، كأنها كائنات معذبة لا أدوات تعبير. هذا الحضور المربك للغة المتكسّرة يعيدنا إلى أطروحة رولان بارت حول “الكتابة في درجة الصفر”، حين تتحرر اللغة من وظيفتها التقريرية وتدخل منطقة الحياد القاتل، منطقة ما بعد البلاغة، ما بعد المعنى المستقر، حيث يصبح كل تركيب لغوي مجازًا وجوديًا لا فقط بلاغيا.
تقول فتحية بن فرج – لا بشكل مباشر بل عبر أنسجة سردها – أن اللغة الجاهزة لا تصلح لرواية التجربة، لأن التجربة في الأصل معطوبة، هشّة وكسيرة، غير قابلة لأن تقال بوسائل اللغة المألوفة. لذا نجد في الرواية تشظيا لغويا واعيا، حيث الجملة تُبتَر فجأة، أو تتكرر بصورة مهزوزة، أو تتداخل مع نداءات داخلية، أو تتكسر على عتبات الصمت. كأن النص برمّته يحاول القبض على شيء لا يمكن القبض عليه: الألم، الصدمة، الهشاشة، الزوال.
وهذا ما يجعل اللغة في الجاثوم تنتمي إلى ما سماه إدوارد سعيد بـ”جماليات الشتات”، أي لغة منفية، مطرودة من يقينها، تكتب لا من داخل القاموس بل من داخـل الانكسار والحنين والقلق. فالروائية لا تكتب داخل فضاء لغوي مستقر، بل في مواجهة مستمرة مع اللغة، بوصفها معركة قائمة ضد الصمت، وضد الذل والعجز.
ومن أجل ذلك كلّه وغيره ممّا تخفيه لغة رواية الجاثوم ترى “جوليا كريستيفا” أن “الكتابة هي شكل من أشكال التمرّد على نظام اللغة بوصفه نظامًا للسلطة.”
وفي هذا السياق، فإن لغة الجاثوم هي تمرّد مزدوج: تمرّد على التقاليد السردية، وتمرد على اللغة الرسمية التي تسجن التجربة في قوالب جاهزة. فالكاتبة لا تسعى إلى إقناع القارئ بجمالية لغتها، بل بصدق ارتباكها، بشعرية انكسارها، بعنف تشظّيها، لأنها تكتب – كما قالت فرجينيا وولف – «لا بما تعرفه، بل بما تخشاه».
وهكذا تصبح اللغة في الرواية ليست أداة للوضوح، بل أداة للحفر والتشويش والتفجير، كأن الكاتبة تريد أن تقول: “هذا الواقع لا يمكن التعبير عنه بلغة مستقرة، لأنه واقع مهتزّ، مرتبك، خانق، ومريض.” وهكذا تلبث اللغة أن تنهار أمامنا لتكشف هشاشة الذات، وعجزها، وحنينها، ولتؤكد أن الكتابة في هذه الرواية ليست فعلا بلاغيا، بل مقاومة ضد اختناق المعنى، وضد جمود الواقع، وضد صمت الكابوس.
من هنا، يصبح السرد ذاته تجربة جمالية وجودية، تشبه الصراخ، أو التنفس في غرفة مغلقة، أو محاولة للنجاة بالكلمات من الاختناق. وكأن الرواية تردد في خفوت مقولة موريس بلانشو:
“حين تعجز اللغة عن أن تكون بيتًا، تصبح قارب نجاة.”
وربما هذه هي وظيفة اللغة في الجاثوم: أن تكون قاربا لشخصيات تغرق، ولذوات تئنّ، ولتجربة لا تُروى إلا بهذا الانكسار المتعالي.
5.. اللغة جسدا مجروحا: انكسارات التعبير وتوتر المعنى في الجاثوم .
في رواية الجاثوم، تتخذ اللغة مسارا وجوديا معقّدا، لا يكتفي بأن يكون أداة لسرد الحكاية أو حاملا للمضامين، بل يتحول إلى بطل مستقل، إلى كائن حساس، هش، مجروح، يشهق ويتألم ويُقاوم مثل الشخصيات ذاتها. فاللغة في هذه الرواية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي مجال للصراع، حقل للمقاومة، ساحة تتصارع فيها المعاني، وتنكشف من خلالها التصدعات العميقة التي يعيشها الكائن الأنثوي في واقع مختل.
تحفر فتحية بن فرج في جسد اللغة كما يُحفر في الجسد الحي، تُفتّته، تُبعثره، تُعرّيه من زخرفه، وتُدخله مناطق التوتر النفسي والوجودي. تتقاطع هنا مع ما قاله “موريس بلانشو” عن الكتابة باعتبارها “فعلا محفوفا بالخطر، يُنتج اللغة من العدم، ويعيد ابتكارها وهي تحترق”. في هذا السياق، تكتب الروائية من قلب الحريق، من فوهة الصمت، من جرح اللغة ذاته، لا من سطحها المأمون. إذ تتكسّر الجمل وتُقْتَص الكلمات فتُهشّم الإشارات لتصبح اللغة ذاتها ميدانا للفزع والارتعاش.
وهو ما يمنح الرواية طابعا من الانزياح المستمر، حيث لا تستقر الدلالة، بل تهتزّ في كل سطر، وكأن الرواية تُكتب لا لتُفهم، بل لتُجرَّب، لتُعاش، لتُخدش بها الروح فيصبح القارئ شريكا في هذا التوتر في محاولة إنقاذ اللغة من السقوط، أو تقبّل سقوطها كضرورة وجودية.
نحن أمام لغة الشظايا، تتكلم من قلب الحطام، تتناثر مثل الزجاج المكسور، لكنها تحتفظ بلمعانها و بجمالها الخاص المنبثق من الألم، لا من النضارة. وكأن الكاتبة تمارس نوعا من “الكتابة المجروحة”، التي تنأى عن الفصاحة الكلاسيكية، وتقترب أكثر من الهمس، من الانكسار، من خربشات المذعورين على جدار العالم. وهذا ما يجعل لغة الجاثوم متوترة، نابضة، حادة، لكنها في الوقت نفسه حميمة، قريبة من القارئ، كأنها تُكتب من داخله، لا بمنأى عنه.
وفي هذا المسار، تتجلى براعة الكاتبة في التعامل مع اللغة بوصفها جسدا أنثويا أيضا، مفعما بالحساسية والتوجس، معرّضا للانتهاك، لكنه يقاوم بالصرخة، بالصمت، بالكتابة ذاتها. ولعلّ هذه المقاربة تتماشى مع تصور هيلين سيكسو عن “الكتابة الأنثوية” بوصفها خروجا عن منطق السلطة الذكورية في اللغة، وتحطيما لتراتبيات المعنى التقليدية، وخلقا لمساحات جديدة من التوتر والإفصاح والاحتجاج الجسدي.
تكتب فتحية بن فرج إذن من تحت الجلد، لا من فوقه، تكتب من داخل التمزق، لتُظهر اللغة وهي تتعثر، تتلوى، لكنها لا تموت. بل تعيد إنتاج ذاتها من العطب، من الحشرجة، من البحة، من رعشة الأصابع. وبهذا المعنى، تتحول الكتابة إلى ممارسة جسدية، إلى عملية تفريغ وصراخ واحتكاك داخلي، حيث تلامس اللغة حدود طاقتها، وتنفجر كصرخة غير قابلة للتأطير.
ولعلّ أجمل ما في رواية الجاثوم هو أنها تُخرج اللغة من “نعومتها الثقافية” لتجعلها ميدانا لتجربة حيّة، مليئة بالنتوءات، بالعتمات، بالخيبات، لكنها في كل مرة تُثبت قدرتها على احتواء الألم، بل على تجسيده بأقصى درجات الجمال المرعب. تقول إحدى مقاطع الرواية:
“أكتب كي لا أنفجر، أكتب لأتلمس ما تبقى مني تحت الحطام، أكتب لأنني لا أستطيع أن أتكلم.”
وهذا المقطع يختصر فلسفة الرواية اللغوية: الكتابة كجسر هشّ بين العجز والنجاة.
في النهاية، لا تمنحنا الرواية لغة نستريح فيها، بل تجعلنا نرتعش مع كل سطر، نخاف من الانهيار اللغوي، لكننا نتمسك به كمن يتعلق بخشبة نجاة في عرض الألم. إنها رواية تكتب الجراح بالحروف، وتحوّل المعاني إلى ومضات من الدخان والبكاء والتمرد.
6.الكابوس أفقا سرديا: الجاثوم ليس موضوعًا بل بنية وجودية .
في الجاثوم، لا يُعالج الكابوس كحالة نفسية أو مجاز أدبي عابر، بل يُرسي حضوره كجوهر روائي، كمعمار سردي قائم بذاته، وكأفق وجودي مشحون بالتوتر، يغمر النص من الداخل ويمنح التجربة الروائية طابعًا خاصًا من الاختناق والدوار والقلق. فالكابوس ليس عنصرا من عناصر الحبكة، بل هو مبدأ بنائي، مسرح داخلي دائم، تتسرب منه اللغة، وتتشكل منه الشخصيات، وتُبنى على أساسه الحكاية. إنه ليس حدثا، بل هو حالة مستدامة، متمادية، محاصرة.
تحوّل الكاتبة فتحية بن فرج الكابوس من مجرد استيهام شخصي إلى بنية رمزية شاملة، حيث تتحول الذات الفردية إلى مساحة مشروخة تُعيد إنتاج هذا الكابوس بأشكال مختلفة: عبر الصور، الشظايا، الانهيارات، النهايات المعلقة، والهواجس المتكررة. إنه كابوس لا يُرى فقط، بل يسكن الجسد، ويقطن اللغة، ويحرّف الزمن. كابوس بنيوي، قائم في التشاكل بين التجربة والكتابة، بين المعيش والمُتخيل، بين الداخل والخارج.
ومثلما يرى ميشال فوكو أن “الجنون هو التوتر الأخير في علاقة الذات بالسلطة والمعرفة”، فإن الكابوس في الجاثوم ليس اضطرابًا داخليًا منعزلاً، بل مرآة مقلوبة للعالم الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. الكابوس هنا هو صورة مكثفة لواقع مريض، خانق، تآكلت فيه الحدود بين الحقيقي والوهمي، وبين الحلم واليقظة، وبين الذاكرة والجسد. إنه لا يعبّر عن اضطراب الذّوات فحسب، بل عن تصدّع شامل في بنية المعنى.
وبهذا المعنى، فإن “الجاثوم” ليس فقط ما يجثم على الصدر، بل ما يجثم على الواقع، على التاريخ، على الجسد، على المخيلة. تصفه الرواية بملامح ضبابية، كأنما هو قوة رمادية، ثقيلة، بلا وجه، بلا ملامح، بلا صوت، لكنها قادرة على شلّ الحركة، وعلى شرب الهواء، وعلى مصادرة الذات من ذاتها. إنه ـ كما تسرده الرواية ـ تجسيد لامّحاء الأمل، وتعطيل الإرادة، وتعليق الحياة.
وهذا يتقاطع مع ما كتبه فرانز كافكا عن حالته الوجودية التي تُشبه الكابوس حين قال:
“الواقع أصبح حلما سيئا لا أستطيع الاستيقاظ منه.”
وكأن الجاثوم تنطلق من نفس الرؤية، لتقول: نحن لا نرى الكابوس في المنام فقط، بل نحياه مستيقظين، نتمشى داخله، نصحو منه لنغرق فيه من جديد.
تُقدّم الرواية الكابوس عبر آليتين سرديتين بارعتين: الأولى هي تفتيت الزمن، حيث تفقد الأحداث خطّيتها، وتتكرر لحظات بعينها كأن الزمن يعيد اجترار الألم نفسه في حلقة مفرغة. والثانية هي انكسار المنظور السردي، حيث تُروى الأشياء من داخل التوتر، من أعماق الانهيار، لا من سطح الواقع. بذلك تُصبح الرواية بمثابة حلم متشظّ، لا نعرف أهو تأويل لواقع مريض، أم هو الواقع نفسه وقد صار أكثر فزعا من الحلم.
وقد أحسن غاستون باشلار حين قال إن “الليل لا يبدأ عندما تُطفأ الأنوار، بل عندما يُضاء الخوف في الداخل”، وهذا ما تفعله الكاتبة: لا تُطفئ النور، بل تُضيء الخوف، تنقّب في طبقاته، تحوله من عارضٍ نفسي إلى جوهر سردي، ومن اختناق فردي إلى مشهد وجودي ضاغط، كأن الرواية بكاملها تكتب من داخل رئة مسدودة، من داخل نوم لا يُنقذ، ويقظة لا تُشفى.
بلغة متوترة، بمجازات مقلقة، بسرد يتقطع ويتداخل، تنجح فتحية بن فرج في تشكيل تجربة كابوسية بامتياز، ليس فقط في موضوعها، بل في طريقتها، في إيقاعها، في هندستها النفسية واللغوية، حتى تصبح “الجاثوم” ليست اسما لكائن خرافي، بل لحالة معيشة، لحالة وطن، لحالة أنثى، لحالة لغة، لحالة زمن.
إنها ليست رواية عن الكابوس، بل رواية كابوسية في جوهرها، كأنما كُتبت لنختنق، ونرتجف ونتعرّف على جواثيمنا الخاصة التي تقبع في صدورنا وتتكلم بلغتنا.
الخاتمة:
في النهاية، إنّ رواية الجاثوم ليست مجرد رواية عن شخصيات تعاني من صراع داخلي أو قوى مظلمة تلاحق النفس البشرية، بل هي محاولة إبداعية عميقة لتشكيل سردية جديدة لواقعٍ مُثخن بالألم والجراح، والمختنق بين لحظات الثورة وخيبات الخفوت.
الكتابة لدى فتحية بن فرج تتجاوز حدود السرد التقليدي، لتصبح وسيلة مقاومة وشهادة على الحقائق غير المعلنة التي يرفض المجتمع أو السلطة الاعتراف بها. تلك السلطة التي تصر على تكميم الأفواه والوصم الاجتماعي لفئات مجهولي النّسب والمطلّقات والعاطلين عن العمل والفقراء وغيرهم من التّصنيفات المخزية. ولئن كانت الرّواية هنا تأتي لتحطم الصمت، ولتأخذ السرد إلى مسار يتحدى النسيان ويدعو إلى استحضار الذاكرة بكل تناقضاتها وجراحاتها إلّا أنّها لا تتوانى عن الاعتراف بقصور اللّغة في الصفحة الأخيرة منها حين تصرّح: “اللّغة ليست قادرة دائما على استيعاب عذاباتنا ونقلها دون زيف أو نقصان. من قال أنّ للّغة صفة الكمال؟”
الجاثوم، سواء أكان تمثيلا لقلق الذّات أو الصراع الاجتماعي، هو رؤية فنية تُعيد تشكيل الذات في صراعها مع ماضيها ومع صراعات الأجيال في محاولة للعثور على هوية موحدة بين الماضي والحاضر، هو تجسيد للروح المغدورة، وهو إشارة إلى أن المعركة لا تنتهي بالكتابة، بل تستمر في نفوسنا، في ذاكرتنا، في وجداننا الجمعي.
وإذا كانت الأنثى في الرواية تصارع جثوم الجاثوم الفردي، فهي لا تتوانى عن فضح الجُثوم الجماعي والمجتمعي على فئات بعينها جعلها مُتخمٌة بالجراح والإحباطات والتطلعات التي لم تكتمل.
رواية الجاثوم تُمثل صوت الوعي الجمعي الذي لا يخمد، صوت الأنوثة التي تكتب بحبر الجراح ودم الفقد والمعاناة، وتُسجَّل بالذاكرة المَرَضيّة التي لا تسمح بمرور الزمن على حساب الحقيقة.
لكن الجاثوم لا يتوقف عند حدود الحزن والخذلان، بل يدعو أيضا إلى التفكير العميق في أفق الحرية، في إمكانية تحوّل الكتابة إلى أداة تعرٍّ فعّالة. إن السرد في الجاثوم يفتح آفاقا جديدة للمقاومة الرمزية، حيث تُصبح الكلمات أكثر من مجرد وسيلة للتعبير؛ بل وسيلة لفك قيود العقل، لتحرير الذاكرة المغلقة، لاستعادة ما تم محوه من الوعي الجماعي، ولإعادة تشكيل الحلم الوطني.
وفي هذه الرحلة المظلمة من الألم إلى الأمل، تقدم فتحية بن فرج الكتابة بوصفها ثورة داخل الثورة، وكأنها تدعونا لنبذ الجاثوم، لرفض أن يكون جزء من كياننا الثقافي والاجتماعي. الكتابة هنا هي التحرر من الخوف، والتحرر من الماضي، هي الفعل الذي يعيد تشكيل الحاضر ويعيد للذاكرة حضورها. فلا يبقى في النهاية من الجاثوم سوى مجرد ظل باهت، يتلاشى مع انبلاج فجر الكتابة، التي لا بد أن تكون سبيلا نحو الانعتاق من الظلمات التي أطبقت على هذا الوطن.
لهذا، تبقى الجاثوم أكثر من مجرد رواية: هي تاريخ من الألم المتواصل، وسردية من المقاومة، وشهادة على وطن لا يزال يبحث عن ذاته وسط صراعاته الداخلية والخارجية. فتحية بن فرج قدّمت من خلال هذا العمل الأدبي العظيم نقدا سياسيا واجتماعيا عميقا، ورفعت من خلاله الحجب عن الجراح المغلقة، لتعيد للذاكرة قدرتها على المقاومة والتغيير. الكتابة في الجاثوم إذا ليست مجرد سرد للحكايات، بل هي حفر في الجاثوم نفسه، لتحرير الأذهان من عبوديته وتقديم جيل جديد من الوعي المتمرد، الذي لا يكتفي بالقبول بما هو مفروض، بل يسعى دائمًا للحرية، والتغيير، والمقاومة.
ناقد من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي