
“ما قال الصدى” قصيدة تقول ما لا يقال للشاعرة ابتسام الصمادي
مفلح شحادة
تأتي قصيدة “ما قال الصدى” للشاعرة ابتسام الصمادي كنص متخم بالقلق الوجودي، والوعي الوطني، والانكسار الجمعي، مغلفٍ بروحٍ شعرية تجنح نحو التجريب الحداثي، لكنها متجذرة في التقاليد الأصيلة للشعر العربي من حيث البناء النفسي، والرمز، والنبض الموسيقي.
القصيدة تُفتتح بنداءٍ روحيّ، كأن الشاعرة تستنطق اللا مرئي في المشهد الشعري:
“تتجمع الأرواح صرتُ كأنني / روح الديار وغاب طيف الأمكنةْ”
هنا تتماهى الذات الشاعرة مع الوطن، لا تصفه كموضوع خارجي بل تذوب فيه حتى تغدو “روح الديار”، كياناً كلياً يحتضن كل ما غاب. يتسلل الإيقاع الداخلي كأزيز حنين، لا يُبنى على البحر الخليلي وحده بل على إيقاع الحزن والفقد.
ثم تأتي العبارة التي تمنح النص اسمه كمنعطف دلالي حاد:
“فالشعر ما قال الصدى / لا ما تقول الألسنةْ”
وهذه جملة مفصلية تقلب مفاهيم كثيرة، إذ تؤكد أن جوهر الشعر ليس في ترداد الأصوات، بل في الصمت العميق الذي يُفصح عن الحقيقة. الصدى ليس مرآةً للكلام بل للكَون، للشعور، للوجدان المضمَر.
في بنية القصيدة الداخلية، نلاحظ أن النص يقوم على معمارية متدرجة، تتعالى من التجربة الفردية نحو التجربة الجمعية. فبينما تبدأ القصيدة في النطاق الذاتي، نراها تتوسع لتحتضن الوطن، والأم، والمأساة السورية، والثقافة، والهوية، وحتى فكرة “الأنسنة” في صيغتها العالمية.
“لم يقتلونا وحدنا / يا ليتهم / بل أزهقوا روح القصائد والغنا”
العبارة هنا تكشف عن مذبحة مزدوجة: مذبحة الإنسان، ومذبحة المعنى. إنها شهادة شاعر على مرحلة قتل فيها الصوت والرمز، لا الجسد فقط.
وفي موضع آخر، تتجلى براعة التكوين الاستعاري حين تقول:
“وقصيدتي ظلت تخبىء موطناً / كيما تعبىء بالمواسم مخزنه”
القصيدة لا تُقال فقط بل تتحول إلى مخزن قيمي، وذاكرة موسمية للوطن، حيث تتحول مفردات الحياة اليومية (كالطحين، والعجين، والماء، والمجاز) إلى أدوات كفاح شعري. إن المجاز في النص ليس وسيلة تجميل، بل آلية مقاومة.
أما المقطع الذي يقول:
“جرّب وقل يا صاح (سوريٌ أنا ) / تلقى النصال جميعها متضامنة”
فهو صرخة سياسية مضمخة بالشعر، تندد بتواطؤ العالم ضد الهوية السورية، لكنها لا تقع في المباشرة أو الشعاراتية، بل تُقال عبر رمزية مدروسة تمتح من القيم الشعرية لا الخطابية.
في البنية الأسلوبية، تتقاطع القصيدة مع تقاليد شعرية عربية كلاسيكية من جهة التضمين الموسيقي والروي الموحد، لكنها تنتمي بوضوح إلى الحداثة من حيث تفكيك السرد الشعري، تنويع الصور، وخلخلة التراكيب. القصيدة تلعب على أوتار التركيب المشهدي، فتنتقل بين اللوحة والموقف، بين الداخل والخارج، بين القصيدة والواقع في جدلية غير منتهية.
ولعل البيت الذي يقول:
“والعشق ذاته في المصائر واحدٌ / الفرق أن تشفى أو أنك تدمنه”
هو ذروة في التوصيف الفلسفي لثنائية الشفاء والإدمان، الحب والخراب، فالعشق هنا ليس فقط وجدانياً، بل وجودي، سياسي، حضاري.
من الناحية التأويلية، يمكننا القول إن “ما قال الصدى” ليست قصيدة بالمعنى الضيق، بل هي بيان شعري، تأملي، أخلاقي، جمالي، إنساني. إنها تفعل ما لا تفعله الخطب أو المقالات: تربكك، تهمسك، تبكيك، ثم تشعل فيك شيئاً من الرجاء.
في الختام:
تقدم الشاعرة ابتسام الصمادي نصاً فريداً، مُتفرّداً، يمتاز بشجاعة التعرّي الوجداني، والصدق الفكري، والمهارة البلاغية، كما يقدم قصيدة تُكتب “قبل الانتصار”، لكنها تتنبأ به، لأن الشعر الحق، كما تُوحي القصيدة، هو الحلم الذي يسبق اليقظة، والقصيدة التي تقول ما لا تقدر الصيحات أن تقوله.
ناقد من سورية
القصيدة مكتوبة قبل الانتصار

ابتسام الصمادي
تتجمع الارواح صرتُ كأنني
روح الديار وغاب طيف الأمكنةْ
فكتبت رجع تخوفي
فالشعر ما قال الصدى
لا ما تقول الألسنةْ
بعض القصائد قد توافي عنوةً
والبعضُ مثلُ الأمهات بلا عنا
حاولت جهدي أن أُعنّونَ دفقها
هيهات تمنحني الضفافُ العنونةْ
أرجأت مطلعها ورحت أجوبُها
وحلفتُ بالنسيان ألاّ أتقنه
لم أحتمل حزنَ المطالع إذ هوتْ
لكنني آنستُ جرحاً ما انثنى
إذ كلما أوغلت في بيتٍ بدا
من فوقه هدم البيوت الآمنةْ
انا ما كتبت الحلم لكن زارني
صهرَ المواجع آن قَضّتْ أجفنه
إذ من كرامات القصيدة أنها
تنحلّ فضتُها لتُظهرَ معدنه
لم يقتلونا وحدنا
يا ليتهم
بل ازهقوا روح القصائد والغنا
واستهدفوا بين النواظر عينَ مَنْ
قَبِلَ الحصيرة في الكرامة مسكنه
كم أشعلوا نار الفتاوى بيننا
حتى فقدنا من عُلانا مكمنه
وقصيدتي ظلت تخبئ موطناً
كيما تعبئ بالمواسم مخزنه
لتُكيل منه الامهات طحينَها
ما هيأتْ ماء القصيد لتعجنه
اما المجازُ فجاء خبزاً طازجاً
لمّا نذقْ…
من فوحه اشبعننا
ومن الأكف تطايرت أسرابُنا
بعض الطيور- ولو تغرّد- مُحزنةْ
ما كنتَ…
إذ خضنا البحار ،صويحبي ،
تعدو المتاحفُ خلفنا والأزمنةْ
لم تحترق كل المراكب إنما
زيف التمدن في شعوب العصرنه
جرّب وقل يا صاح (سوريٌ أنا )
تلقى النصال جميعها متضامنة
ثمّ اختبرْ…
لو قلتَ (سوريٌ أنا)
في كفةٍ ،ميزان عدل الأنسنةْ
في كل فجر لو سمعتم شهقة
هي ذي الطفولة ليس خنق المئذنةْ
منذورة ٌ للماء كلُّ قصائدي
تروي سواي وعيس قلبي صافنةْ
كم قد ظننت تعوزنا كلمُاتها
فوجدت عوزاً في الحياة وألعنه
ذات البناء،
تراه بيتاً واحداً
والقهر أن تبني وغيرك يسكنه
والعشق ذاتُه في المصائر واحدٌ
الفرق أن تشفى أو انك تدمنه
حتى النوارسُ رغم خطة هجرها
التزمت جميعاً بالرويِّ مدوزنةْ
ولو انتظرتُ الحلم فوق ربيعنا
كان الخريف سيزدهي سنةً سنةْ
أمّا الطفولة كان صخب سرورها
ملأ المكان ولا فناءٌ كفّنه
والعشق كان على أصالة نوعه
فينا، سيسبق في البراري الأحصنةْ
لكنّ شعري لم يكن متيقناً
فيما مساحتُهُ
لعشقي… ممكنه…
شاعرة من سورية
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي