الرئيسية / الأعداد / قصيدة “يا الشافي” لسيدي قدور العلمي: نفحات روحانية في مدح خير البرية – تقديم  الحسن الگامَح

قصيدة “يا الشافي” لسيدي قدور العلمي: نفحات روحانية في مدح خير البرية – تقديم  الحسن الگامَح

قصيدة “يا الشافي” لسيدي قدور العلمي: نفحات روحانية في مدح خير البرية

تقديم  الحسن الگامَح

تُعد قصيدة “يا الشافي” للعلامة والشاعر الصوفي المغربي سيدي قدور العلمي (المتوفى عام 1850م) من عيون الشعر الملحون الصوفي، وواحدة من روائع الأدب الشعبي المغربي التي جمعت بين عمق المعنى وجمال اللفظ وسلاسة الإيقاع. هذه القصيدة ليست مجرد عمل شعري، بل هي ابتهال روحي ومدح نبوي عظيم، يكشف عن مدى تعلق الشاعر وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

تتسم القصيدة بنسقها الصوفي الواضح، حيث يبدأ الشاعر باللجوء إلى الله تعالى بصفته “الشافي” الذي بيده شفاء كل داء وعلة، طالباً منه تطهير الذات والقلب من الكدورات. هذا الاستهلال يُحدد النبرة الروحية التي ستسود القصيدة بأكملها، ويربط الشفاء الحسي بالشفاء الروحي والمعنوي.

سرعان ما ينتقل سيدي قدور العلمي إلى مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، محوره الأساسي في هذا العمل. إنه مدح يفيض بالتعظيم والتبجيل، حيث يصف الشاعر النبي بأنه “نور الهدى” الذي بجماله وهديه تهون الدنيا وتُشرق القلوب. يتجلّى الحب النبوي في كل بيت، من خلال الإشارة إلى شفاعته ومكانته العالية عند الله، والتي فاقت بها الأنبياء والمرسلين.

تتميز القصيدة ببناءها الفني المتألق، حيث تتداخل فيها “المطالع” و”الصياحات” و”الأبيات” التي تُشكل مقاطع متناسقة تُعزز المعنى وتُضفي إيقاعاً خاصاً على النص. هذا التنوع في البناء لا يكسر وحدة الموضوع، بل يضيف إليه أبعاداً جمالية ودلالية، وكأن كل جزء منها يشكل نافذة جديدة على عظمة الممدوح.

يستلهم الشاعر في قصيدته سيرة الأنبياء عليهم السلام، ويُبرز جوانب من حكمتهم وصبرهم وشجاعتهم، ليُعلي من شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويُظهره كخاتم الأنبياء الذي جُمعت فيه كل هذه الفمائل. فهو المختار من الأنبياء، وسيد الكائنات، الذي شُهد له في اللوح المحفوظ، والذي ببركته وعظمته نجا الأنبياء ونجحت رسالاتهم.

ولا يغفل سيدي قدور العلمي عن الإشارة إلى فضائل النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه الكرام، مؤكداً على أن الصلاة والسلام عليه هي مفتاح الفرج والقبول. كما تتخلل القصيدة إشارات إلى معجزات النبي، ورحلة الإسراء والمعراج، ومكانته العلية التي فاقت السماوات، وكل ذلك بأسلوب شعري رشيق وعميق في آن واحد.

إن “يا الشافي” ليست مجرد قصيدة في المديح النبوي، بل هي رحلة روحية وتأملية في عظمة النبوة، وفي الارتباط العميق بين الخالق والمخلوق، وبين العبد وسيده صلى الله عليه وسلم. هي دعوة للتفكر في معاني الجمال والكمال التي تجسدت في شخص الرسول الأعظم، ونافذة على عالم التصوف الذي يرى في المدح النبوي طريقاً للتقرب إلى الله ونيل الشفاعة.

 

قـصيـدة الشافي
نظم سيدي قدور العلمي

 

يا الشافي بحكمتك حال كل مضرور
أشفي علايل ذاتي من ذا الوجاع تبرا
طهر صما يم قلبي من جميع لكدور
كما طهرت قلوب الصالحين بشرة
محاسن الدنيا هجروها برؤية النور
منين غنموا في وجه سيد الرسول نظرة
من دعاني لصلاته في جميع لسطور
عليه ألف صلاة والرضاء على العشرة
الأعمام والأنصار مع زواج لبدور
وعلى أهل البيت وأولاد لمشرفا لزهر
الصلاة والسلام على النبي المبرور
أعداد ما خلق الله مياة ألف مرة
يا من جنا بشير بالهدى ونذير
لا من يقدر يوصف وصافك لكثيرة
لكن القبول منك يا ضي المنير
خلفت هديتي على الأوصاف قصيرة
جوزت عن ذنب كعب ابن زهير
لما مجد جمال ذاتك العطيرة
أنت سيد العرب ومعدن الخير
وأنت المخصص بالشفاعة والغيرة
سيد الدنيا وعز دار الأخيرة
كرايم آلا تحصالك يا النبي المختار
اصطفاك المولى عن جميع ألا بشاري
ما تريد في قصدك يوفيه حق بجهار
دعوتك مقبولة لله حق واري
بجاه اسمك نتوسل أنا ليل ونهار
كا خلق الله وملائكته الباري
لك ود المولى بأبهاه زاد لك نور
بالنعايم رسلك لنا حجاب سترة
يوم تضحى العباد في أهولها ومعصور
ثم يشفع فنا أبو فاطمة الزهراء
فك خلوق آدم ونسل إسماعيل
وبها يوسف أعطالك واجب تدلال
و زهد عيسى وصبر أيوب لقضا الجليل
وشجاعة نوح هابها لك ذو الجلال
وعصاة موسى الكليم ورضا أسرا فيل
وفصاحة لوط وصوت داود في تمثال
وطاعة يونس وصبر يعقوب الفضيل
والزهد يشع وعلم شيث على الكمال
العلوم السابقة والأتي مازال
أنت سباب وجود الأرسال يا المرسول
من أعلا شانك حركت الأنبياء المعالي
أنت المؤيد بالحسن المكمول آلا يا زول
أنت سراج النور في بصاير الموالي
أنت المأمون وأنت الفتاح باب القبول
أنت الطود المانع وأنت البحر المالي
مطلع
لبسك ربي حلة من محاسن النور
فاق زينك الشمس و ضي القمرة
النجوم شعاع بروقه يشق لبصور
أو هلال في حسن كماله في ليلة عشرة
من صدق بك حق يا أبو المعجزات
قبل ينشا جميع الأشياء أتنشيت
ارتقيت على منازه سبع سموات
على الأنبياء والأملاك حين استوليت
و انفتحوا لك أبواب حجوب العظمات
في بساط النور مع الله أنت تنجيت
و أرواح الأنبياء لك حين أتات
في بيت المقدس بهم كي صليت
وعليهم بالمقام والقدر تعليت
عليك وصى بونا آدم سيدنا شيث
قال له لا تنسى ذكر النبي المبعوث
ما غفر لي ربي حتى عليه صليت
ريت في اللوح اسمه واسم العظيم مثبوت
قلت له يا ربي اسم من مع اسمك ريت
قال لي ذاك محمد أزكي المنعوت
ذاك يا أدم النبي أزكي المبرور
لأجله كونتك أدم جد الورى
لأجله زخرفت الجنة و زينت الحور
لأجله كونت الأشياء من القدرة
بك استجب ربنا دعوة المسيح
وبك عزم ربنا ليوسف بسراحه
بك تفدا النبي إسماعيل الذبيح
وبحقك هود نال عزه ونجاحه
بحقك نال حكمته داود الفصيح
سخر له بك و صنع زرده وسلاحه
و طفى جمر اللهيب بعد أن كان طفيح
على إبراهيم وبرد حق تلحاحه
حجبه جبرائيل من لظها بجناحه
بيت
بك نجا ربي من فيض الطوفان نوح
وبك رد ليعقوب ضيا بصر الماحه
بك أيوب تعفى من سقوم لجروح
وبك غلب موسى حبار اليهود جاحوا
بك ارتقى إدريس من كان واضح موضوح
وبك عز الله صالح ونشهر صلاحه
مطلع
بك سليمان استولى الملك مشهور
فات لقمان وقيس وما ملك كسرى
عن سائر الإنس والجان والوحوش منصور
وكل ما درجت بها الروح فوق الثرا
من كثر صلاتك على حق حبيب
شرف ضيا أمتك يا عاتق ألا رقاب
ارتفع المسخ ونبطل علم الترهيب
وأصنام الجاحدين نكسر صار خراب
وفتك سيف الملام ملك أهل التكذيب
وصبح دين الإسلام مؤيد غلاب
سعدت مكة وصلحت مدينة يثرب
بوجودك يا إمام العجم والأعراب
ألد يلم و السودان وساير الأنساب
بيت
عرفت وتحققت وتيقنت يا المحبوب
بأن أنت كنز المطلوب والمواهب
الخير فك وفي أمتك يا طبيب القلوب
الحديث هذا يدريه بالحق كل رغب
كل من قصدك ونزل في المقام مهيوب
فاز بالود ونال القصد والمراغب
مطلع
لك شهدت الوحوش الهائمة والطيور
لك نطقت ألبكما في كل قفرا
صلى عليك في غرق الماء دواب البحور
وما خلق مولنا في تلولها وصحراء
يا من نادا عليك الحنين الشفيق
بعد ما ارتقيت على عوالم سبعة انطباق
جعل معك ونيس جبرائيل الرفيق
في بلوغ الوحي بينك وبين الخلاق
عاهدك من لا ينام بالعهد الوثيق
تشفع في ساير أمتك في يوم التلاق
يوم تكون نفوس في شد التضييق
ويعود الريق في لفواه كما الترياق
أنت لها شفيع والمولى عتاق
سقاك مولنا بكاس الوحي فوق الأفاق
ذوقك ود قبلك آلا عزيز ذاقه
هدا لك التاج مع اللواء وزاد براق
عليك تجلا ضي الشمس بانشراقه
جزت سبعين آلف حجاب في ألا رواق
كل سماء خمسين سنة في عرض واقه
مطلع
الملائكة جملة لقاوك جمهور
رايدين يغنموا في بهاك سر نظرة
الأملاك القاوك جميع الأخلاق مبشور
زيد يا نعم الهادي مرحبا وبشرة
ألي ظمأن يوجد خلاقه لهفان
يبرد عطشه إذا أروا من راس العين
ألي راد يهدي هديته يهدي للسلطان
يغني فقره إذا صدف في وقته زين
ما يستهل الشكر من غير العدنان
العربي الهاشمي احمد سيد الثقالين
صلى الله عيك ما هبت الامزان
أعداد الميتين و أعداد الحيين
و أعداد ما في السماوات وسبعة أرضين
أعياو خطوتي بالجرية في كل طرقان
ما وجدت السر بعد التعب في زماني
ألي يجي نسميه ير فدني نراه عيان
غير نشتكي له يبكي لي من لمحاني
كل ما مجدت وعظمت صار خسران
غير بطال ضيعت المدح في الحاني
عادت ناس بلادي متبسمة بالفدور
وقلوب مليانة بالحقد والمرارة
ونفوس شحا حوا وقنطوا في الصدور
ما نزول بقرحتهم ذا لهموم كثرا
لمن يشكي الدون سيده عبد فقير
ونصبه فيه على دوام بتسيره
لكن السعي إذا سعى في باب كبير
يتعامل بالنصيب من كثرت خيره
معايرة لسيده ألي لا وجه و لا غير
جواد الأعراب ياك على المملوك يغيروا
لسيما همام مؤيد أمير
ألي ماله في خلا يق الله نظيره
والي يبغي الله في ملكه يديره
حق قلته في حديث يا إمام الأبرار
أدعيو لله تربحوا بالتنوير
لان جاهك مشرف ياشريق الأنوار
عزيز عند الله تعظيم شانك كثير
بحرمتك نتوسل أنا ليل ونهار
يهوّن لي ملك الملك كل تعسير
سألت من لا يبخل سألي نعيش مغفور
لا يحفيني في زماني هميم حصرا
طلبت ربي يسخر ليا جميع الأمور
بجاه جاهك يا سيدي وسيد كل بشرا
زوﭬت في حماك تزويﭫ المرؤ الخواف
أنا نبغك تكون لي سنيدة لكتافي
لأني ندريك حنين ورواف
السائل تكرمه وتعطف و تكافي
منك ورثوا الخير لعراب خلاف
و أهل الجاه الرفيع والقدر الوافي
منك بقي الخير للعربان سلاف
و أهل القريات والمدن والريا في
الإغارة لله يا بنو عبد منافي
في وصافك الكثيرة يحير كل وصاف
ما وصفوا عشر العشور في وصافك شريفة
في حقا يق تمجيدك تذهل كل عراف
ما خلق مولنا من يشابهك بصيفة
الشمس مخلوقة من نورك بغير خلاف
والقمر يتخجل من ذاتك نظيفة
القمر والبرق شعاعه يشق لبصور
المريخ و الزحل و المشتاري والزهراء
كذاك ولدان والحور الساكنين القصور
لأجله كوّن ذا الكون ربّ الوراء
يا مول الحوض واللواء والمقام
حشا من قصدك يولي حشم
العبد ألي يكون سيده أمير همام
الدنيا والآخرة برحمته يرتحم
عسى ألي يكون مملوك وخدام
هوا لذي يستهل الفال الوسم
خلق ربي من أمتك سادات كرام
يقضيو مسايل للي يجيهم عزم
الإغارة لله يا البدر ابن هاشم
ما بحالي هيهات ألي عطيش مفطوم
دون بحرك الجزيل بالمسك والغنائم
بغيت من فضلك وحسانك نعيش منعوم
وين ما نمشي نلقى الخير والكرايم
بغيت نحشر في اخرتي شهيد مكروم
مع حسن والحسين في جنة نعايم
كنز عمر شوري واتا لج مفقور
من الذهب والجوهر والياقوت وفجرا
هب عني ما يكفيني في دار الغرور
طلبت غير جني بين العباد حقرة
خذ الدر نفيس في سلوك العقيان
صنعة شطر لبيب دهري دهقاني
سر الله ما خفاش من وجه الإنسان
نحمد ربّ الأكوان عن شيء اعطني
يا حافظ لوزان رع قدام العرفان
و خلي العديان ينكواو بنيراني
الباحث عن اسمي من بعد الكتمان
العلمي أغناه ربّ الفوقاني
من نسل الطالب الشريف الحساني
خذ مني يا راوي عقيد في كيس
والي دركه في زمان ما يراء فلسة
الدعي من غير فهم لا له عقل طميس
كلامه بين العباد حماقة ومساسة
من يدخل في البحور يحتاج له ترييس
يا الدخل في البحور من غير رياسة
بحر اللغة غميق عن من كان عكيس
والي يدمر لجحيد يلقى عساسة
خذ قول الحسني صاحب الكياسة
يا حافظ القصة الرائقة بالتلسيس
من رياض المعنى عنها العقل سآسى
بالطبع و المعنى الرمز وتهندس
وسلام على الأدباء حق ما تنسا
جبتها كالمشموم مرونقة بالتجنيس
ما هبت نسا يم المسك وطبيب عطور
وما هوات لمطار على اليابسة وخضرا
طايع ومأيد سلامي لجميع لحضور
والأشراف أهل البيت وعلما الشعراء

 

عن madarate

شاهد أيضاً

عُزْلَةُ الرُّؤْيَا – عبد الرحمان احمو

عبد الرحمان احمو*   (كلما مرت السنوات انخفض عدد الذين نستطيع التفاهم معهم ، ربما …

اترك تعليقاً