بين حرية الاختيار وتحدي القوالب: قراءة نقدية فلسفية في (لا تقربيه ولو كان آخر رجل في العالم)

وفاء داري*
رواية “لا تقربيه ولو كان آخر رجل في العالم” للكاتبة وجدان شتيوي تُعتبر عملًا أدبيًا معاصرًا يجمع بين السرد الشعري والنقد الاجتماعي والفلسفي. العمل نُشر عام 2025 عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع، يقع في 273 صفحة، وهو مستوحى من أحداث حقيقية مما يمنحه بعدًا ذاتيًا وإنسانيًا في عرض الصراعات الداخلية والخارجية التي تعيشها البطلة. تدور أحداث الرواية حول فتاة فلسطينية اسمها جوري، وتتناول قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية مختلفة، مثل الحب، والفقد، والاحتلال، والظلم، والأمل، والصراع من أجل البقاء. وتتميز الرواية بأسلوبها الأدبي الواقعي، ولغتها البسيطة، وشخصياتها المتنوعة، وأحداثها المشوقة. تقدم الرواية سرداً وجودياً لصراع الأنثى في مجتمع أبوي (البطريكي)، حيث يمكن أن تُعَدُّ الشخصية الرئيسية “جوري” نموذجاً لـ”الآخر” كما في فلسفة سيمون دي بوفوار، التي تُعرِّف الأنثى ككيانٍ يُصنَع اجتماعياً. الرواية تُشيِّد نقداً لاذعاً للبنى الذكورية عبر تفكيك مفهوم “الشرف” المرتبط بجسد المرأة، وتحويله إلى سجن رمزي يكرس التبعية. السرد، الذي يتخذ شكل مونولوج داخلي متقطع، يعكس تشظي الهوية تحت وطأة القيود الأخلاقية المزدوجة، مما يذكرنا بفكرة ميشيل فوكو عن “السلطة الجسدية” التي تُهَيْمِنُ على الفرد عبر آليات المراقبة الاجتماعية.

الثيمات في الرواية: تتناول الرواية ثيمات رئيسية متعددة، منها الحب المعذب والخيانة والتناقض بين الحلم والواقع، إضافة إلى صراعات الهوية والذات في ظل ضغوط اجتماعية وأسرية خانقة. تتداخل مشاهد العلاقات العاطفية مع نقد لاذع للأنظمة الاجتماعية التي تفرض على المرأة أن تقبل بمحددات تقلل من قيمتها الإنسانية. كما تقدم الرواية صورة واقعية للحياة في فلسطين، وتحدياتها، وآمالها. تطرح الرواية العديد من التساؤلات الفلسفية الهامة حول معنى الحياة، والموت، والوجود، والحرية، والعدالة. تبرز الرواية دور المرأة الفلسطينية في المجتمع، وتصورها كامرأة قوية، ومناضلة، وفاعلة.
الأسلوب الأدبي: يتجلى الأسلوب في استخدام لغة شاعرية تحمل ثقل الرمزية والتلاعب بالمفردات، حيث يُدمج السرد الخطي مع مقاطع شعرية واعية تعكس تدفق الوعي الداخلي. تبرز الكاتبة عبر تقنياتها اللغوية والبلاغية اهتمامها بتفكيك الصور النمطية للعلاقات، مما يمنح النص بعدًا نقديًا معاصرًا يجمع بين الحس الإبداعي والروح الفلسفية. تتميز الرواية بأسلوبها الأدبي الواقعي، ولغتها البسيطة، وشخصياتها المتنوعة، وأحداثها المشوقة. تطرح الرواية العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية الهامة. تبرز الرواية دور المرأة الفلسطينية في المجتمع، وتصورها كامرأة قوية، ذات إرادة قوية، ومنتجة وطموحه. من جانب اخر قد يرى البعض أن الرواية تركز بشكل كبير على الجانب العاطفي، وتهمل الجوانب الأخرى. أيضًا قد يرى البعض أن الرواية تستخدم لغة بسيطة أكثر من اللازم، وتفتقر إلى العمق الفلسفي في بعض أجزاء السرد. كما يمكن اعتبار الرواية عملاً أدبياً نسوياً، يساهم في إثراء (أدبيات ولسانيات) المرأة العربية. كذلك يمكن اعتبار الرواية عملاً أدبياً مقاوماً، يساهم في دعم القضية الفلسطينية.
التحليل الأسلوبي: تفكيك الخطاب عبر الانزياحات اللغوية والبنى السردية. تتبنى الرواية أسلوباً حداثياً يدمج بين السرد الواقعي والانزياحات الشعرية، حيث تُحَوِّلُ اللغةُ العادية إلى فضاءٍ استعاريٍّ يعكسُ الاضطرابَ الوجودي للأنثى. الانزياحاتُ اللغويةُ المتكررة، كما ورد في الرواية على سبيل المثال: “الحبّ طوفانٌ من المسامير”، و “الزمنُ يَلْعَقُ ذاكرتي”، هذه العبارات ليست مجردَ زخارفَ، بل أدواتٌ سيمائية. كما برز تفَكك الثنائيات التقليدية: (العقل/العاطفة، الشرف/الانحلال) عبر خلقِ مفارقاتٍ دلاليةٍ تُعَرِّي تناقضاتِ الخطاب الذكوري.
البنيةُ السرديةُ المُتَشَظِّيةُ: والتي تبرز بشدة من خلال انزياحات زمنيةِ غيرِ خطيةِ (الفلاش باك، الاستباقات)، تُحاكي تشظيَ الهوية الأنثوية تحت وطأةِ القيودِ الاجتماعية، فيما يُذَكِّرُنا بأسلوبِ فرجينيا وولف في “غرفة تخص المرء وحده”. الحوارُ الداخليُّ المكثفُ، المُحَمَّلُ بالاستفهامات الوجوديةِ (“من أنا؟”، “أين الحريّةُ الموعودة؟”)، يخلقُ تقاطُعاً بين السردِ والفلسفةِ، مُجَسِّداً صراعَ الذاتِ معَ آلياتِ الهيمنةِ الرمزيةِ التي تحدث عنها بيير بورديو.
الانزياحُ الأسلوبيُ: الأبرزُ يظهرُ في توظيفِ المفارقةِ الساخرة كسلاحٍ نقديٍّ: مشاهدُ الخطوبة المقدسة اجتماعيا تُسْرَد بلغةٍ جافةٍ تشي بفراغ الطقوس، بينما تُوصَف لحظات التمرد الخفيةِ (كوشمِ اسمِ الحبيب) بأسلوبٍ شِعريٍّ مُتَوَتِّرٍ يُحَوِّلُ الجسد الأنثويَّ إلى ساحة مقاومةٍ. هذا التناوب بين اللغة الطقسية المُجَمَّدة واللغة الجسدية الحميمة يُشَكِّلُ تناصًا مضادًا مع الخطاب الديني الذكوري، مُعَزِّزًا الرؤيةَ النقدية للرواية. هذه الخيارات الأسلوبية تُؤَسِّسُ لـ”جمالياتِ الرفض” في أدبيات المرأة العربية، حيث يصبح الشكل الأدبيُّ ذاتهُ فعلًا تحرُّريًا يتحدى أنساق الهيمنةِ اللغويةِ والاجتماعي. من الناحية الأدبية. قد تكون الرواية محاولة لتفكيك الصور النمطية عن المرأة في الأدب العربي، من خلال تقديم شخصية معقدة ومتحدية للتوقعات.
الرمزية: مثل الإشارات إلى الاحتلال والذي يعكس صراخ تكبر وأوسع بين الفرد والمجتمع.
أما من المنظور الفلسفي النقدي: تطرح الرواية العديد من التساؤلات الفلسفية حول معنى الحياة، والموت، والوجود، والحرية، والعدالة، وتسلط الضوء على أهمية الأمل، والإرادة، والصمود في مواجهة التحديات. فيتجسد في تحليلها للتناقضات الوجودية؛ إذ تُعيد النظر في معاني الحب والالتزام والحرية في زمن أصبحت فيه العلاقات عابرة وتحت رحمة أنماط اجتماعية متحجرة. بهذه الطريقة، تشكّل الرواية نقدًا لاذعًا للمجتمع الذي يُحاصر الفرد بقيود لا تُغتفر، مما يجعلها نصًا غنيًا للتأمل في معاني الحرية والذات في العصر الحديث. ومن منظور فلسفة جان بول سارتر الوجودية، تُجسِّد “جوري” صراعَ “الوجود-لذاته” ضد “الوجود-في-ذاته”، حيث تحاول التحرر من أدوارها المفترضة (الابنة، الزوجة، الأم) عبر سلسلة من الاختيارات المأساوية التي تفضح تناقضات الحرية في مجتمعٍ يُقَيِّدُ الأنثى بخطاب الدين والتقاليد. الحب هنا ليس ملاذًا، بل فخًا وجوديًا، يُذَكِّرُنا بفكرة ألبير كامو عن العبث، حيث تتحول العلاقات إلى ساحة لخيانة الذات والآخر. تقدم الرواية تحليلاً عميقاً فلسفياً للعديد من القضايا الهامة، مثل:
– المرأة في الرواية: في السياق النقدي المعاصر، تقدم الرواية إضافةً نوعيةً (لأدبيات ولسانيات) المرأة العربية في الأدب العربي المعاصر، من خلال دمج الفلسفة الوجودية مع النقد الاجتماعي، مما يفتح آفاقاً جديدةً للحوار حول الهوية والحرية في سياق ثقافي معقد. كما يمكن ربط الرواية بفلسفة (سيمون دي بوفوار) في ” الجنس الآخر” لسيما تتناول الكاتبة قيود الأدوار الجنادرية وكفاح المرأة للتحرر من التوقعات المجتمعية والتضحيات المفهومة ضمنًا كونها امرأة وأم وغيرها، كما يمكن استكشاف مفاهيم الحرية والاختيار الوجودي من منظور جان بول سارتر. كما تبرز الرواية دور المرأة الفلسطينية في المجتمع، وتصورها كامرأة قوية، ومكافحة، وفاعلة، وتتحدى الصورة النمطية للمرأة العربية كامرأة ضعيفة، وخاضعة، وسلبية. وخاصة في المجتمعات الذكورية.
– الاحتلال: تصور الرواية الاحتلال الإسرائيلي كقوة غاشمة، تسلب الفلسطينيين حريتهم، وكرامتهم، وأرضهم، وتدمر حياتهم.
– الظلم: تصور الرواية الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون على أيدي الاحتلال، والمجتمع الدولي، وحتى بعضهم البعض.
– الأمل: تصور الرواية الأمل الذي يتشبث به الفلسطينيون في مواجهة الظلم، واليأس، والتحديات.
– الصراع من أجل البقاء: تصور الرواية الصراع الذي يخوضه الفلسطينيون من أجل البقاء على قيد الحياة، والحفاظ على هويتهم، وكرامتهم. وهنا يمكن القول من منظور السياق الفلسفي النقدي المعاصر: يمكن وضع الرواية في سياق الفلسفة النقدية المعاصرة، التي تهتم بتحليل السلطة، والهيمنة، والظلم، والكشف عن آليات عملها، وتأثيرها على حياة الناس.
السياق الاجتماعي: الرواية تقدم نقدًا لبنىً السلطة الأبوية (البطركية)، سواء في العائلة او المجتمع الأوسع. الصراعات مع الزوج الأم تعكس التحديات التي تواجهها المرأة في الحفاظ على استقلاليتها في بيئة تقيد حريتها.
ختامًا: يمكن القول: أن الرواية تندرج ضمن الخطاب النسوي العربي الذي يُعَيدُ تشكيل السردية الأنثوية كفعل مقاومة، مستخدمةً الانزياح اللغوي والانزياح الزمني (الفلاش باك) لتفكيك الخطاب الذكوري المهيمن. المشهد الأخير، حيث تختار “جوري” الانفصال، يُعَدُّ لحظةَ تحررٍ وجودي، تُجَسِّدُ انتقالها من “الضحية” إلى “الفاعلة”، متحديةً ثنائية الخير/الشر التي تكرسها الأيديولوجيا الذكورية. ومع أني ضد تجنيس الأدب؛ اذ الأدب لا يعرف جنس مبدعه، وهذا المتعارف علية؛ اكتفي بمصطلح كتابات و(أدبيات ولسانيات) المرأة العربية، بديل الخطاب النسوي. تعتبر رواية “لا تقربيه ولو كان آخر رجال العالم” للكاتبة وجدان شتيوي عملاً أدبياً هاماً، يساهم في إثراء الأدب الفلسطيني والعربي، ويقدم صورة واقعية للحياة في فلسطين، وتحديات الواقع، والمنشود، والمأمول. وتستحق الرواية أن تحظى باهتمام القراء، والنقاد، والباحثين.
كاتبة وباحثة من فلسطين
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي