سيرة الاهتزازات
أسفي بوابة المحيط الأطلسي (الجزء الثاني)
الحَسَن الگامَح*
لماذا الشعر…؟
(كأنَّ هذا المُحيطَ لي
بِمَوْجاتِهِ الَّتي تُعانِقُ الصُّخورَ في ولَهٍ
وتَكْتُبُ تَرْنيمَةُ الوَقْتِ قَصيدَةً لِلذِّكْرياتِ
كيْ تُروِّضَ المَدَى المُنْبَهِرْ
وأنا واقِفٌ على اسْتِعاراتٍ
تُعيدُ لي بَصْمَةَ اللُّجوءِ إلى المُنْتَهَى
أبحثُ عنْ ذِكْرَى تَمْنَحُني حَقّي في المُكوثِ هُنا
عاشِقًا لِلبَحْرِ بِكُلِّ تَفاصيلِهِ طُولَ العُمْرْ
هي آسَفي حاضِرَةُ المُحيطِ، وبابٌ عَلَيْهِ
تَقَبَّلْهُ حينَ تُصْبِحُ مُنْفَتِحَةً نَحْوَ الغَدِ
وعَشِيًّا حينَ تَرْتَدي بُرْدَةَ التَّصَوُّفِ
فَتَدْخُلَ في تَرَبُّصِ زُهْدِي كيْ تَكْشِفَ سِرَّ المُنْتَظَرْ)
آسفي تمنحك فضاء شاسعا للتجوال بين مآثرها فتبدأ يومك بانغماس كامل في سحر المدينة القديمة. تجول في أزقتها الضيقة المتعرجة، حيث يفوح عبق التاريخ من كل زاوية، وتلاحظ الأبواب القديمة المزينة، والمنازل التقليدية، والأسواق الصغيرة التي تعرض المنتجات المحلية الفريدة. ثم تقوم بزيارة ورش الخزف التقليدية لمشاهدة الحرفيين وهم يصنعون تحفهم الفنية بمهارة فائقة. بعد ذلك، يمكنك الانطلاق نحو قلعة كابو دي سبير، المعروفة محليًا بـ “القشلة”. استكشف هذا المعلم التاريخي الذي يعود إلى الحقبة البرتغالية، وتأمل في هندستها المعمارية الفريدة. وأنت صاعد إلى أعلى القلعة تستمتع بإطلالات بانورامية خلابة على المدينة والمحيط الأطلسي، تكتبك الاستعارات رويدا رويدا، كأنك صاعد إلى الرقي بين السماوات الشعر. وما إن تلج بوابة ضريح الولي الصالح سيدي بوزيد، المعلم والمتصوف، تستمتع بالجو الروحاني الهادئ للمكان
فتعرج الروح إلى مرة أخرى إلى نكه القصيدة وهي تعري عن جمالها في حضرة الولي.
(جالِسًا في حَضْرَةِ الوَلِيِّ الصَّالِحِ
تَأْخُذُني مَوْجاتٌ مِنَ الحَضْرَةِ في حَضْرَتِهِ
أُحاوِلُ فَهْمَ قَدْرَ المُسْتَطاعِ،
كَيْ بَيْنَ هَذِهِ الرُّوحَانِيَّاتِ أَنْصَهِرْ
أَرْمِي عَنِّي رِداءَ الفَضيحِةِ
وأَرْتَدِي بُرْدَةَ المُتَصَوِّفِ العارِي مِن ذُنُوبِهِ
يُقاوِمُ الدُّنَى في مَدٍّ وجَزْرٍ لَعَلَّهُ عَلَيْهَا يَنْتَصِرْ
أنا الصُّوفِيُّ الباكِي
الكاتِبُ الذَّاتَ بَيْنَ أَرْواحٍ تَسْكُنُني مُنْذُ الصِّغَرْ)
مع حلول المساء، لا يحلو إلا الاسترخاء قبالة البحر أستمتع بأشعة الشمس الدافئة، جنب الجنب، والشمس في حوار مع الجسد المتعب من دورة الوقت والفصول، وتنتظر غروب الشمس الساحر فوق المحيط الأطلسي، لتكتبك القصيدة مجددا كأنك طفلها البار وتحاول أن تأريخ هذا المشهد الذي لا يُنسى على البياض، والجنب يمنحك دفء اللحظة المنتعشة قبالة سمو الألوان في السماء، ومد وجزر البحر وصوته المسكون بالإيقاعات.
(وَتُكْتَبُ القَصيدَةُ في وَلَهٍ
ومَوْجاتُ المُحيطِ تُحَيِّيكَ في سَكينَةِ اشْتِياقَا
كَأَنَّكَ عَلَى بِساطِ الحُروفِ مَرْفوعٌ إلى الأعالي عِنَاقَا
تَقيسُ المَدَى بِعُمْقِ الاِسْتِعاراتِ
وتُؤَسِّسُ في صَمْتٍ
لِرِحْلَةٍ أُخْرَى بَيْنَ مَفاتِنِ المَدائِنِ اسْتِبَاقَا
لِي مَوْعِدٌ آخَرُ حَتْمًا مَعَ حَاضِرَةِ المُحيطِ
مَهْمَا طَالَ العُمْرُ، سَآتِيكَ مُحَمَّلًا بِعِشْقِ القَصيدَةِ اعْتِناقَا)
أكادير: 20 ماي 2023
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
