الرئيسية / الأعداد / الدكتور عباس أرحيلة شيخ البلاغة والتحقيق – المختار النواري

الدكتور عباس أرحيلة شيخ البلاغة والتحقيق – المختار النواري

 

الدكتور عباس أرحيلة شيخ البلاغة والتحقيق

المختار النواري*

 

لعل تعامل المحققين مع النصوص، التي يكون بودهم إخراجها، يضعهم أمام تعاملهم مع نصوص من أنواع عديدة، منها ما هو رباني، ومنها ما هو إنساني؛ منها ما هو ديني، ومنها ما هو أدبي: لغوي، أو فني، أو تاريخي، أو جغرافي؛ منها ما هو علمي، ومنها ما هو عجائبي. وعلى ذلك يُتطلب في كل محقق، يتصدى لهذا، أن يكون على معرفة بأنواع النصوص المختلفة، وعلى خبرة في التعامل معها. وكل منها له خصوصيته، ويفرض منهجيته الخاصة.

ولقد استأثر المشارقة قي بداية النهضة العلمية العربية بريادة علم التحقيق، مصريون وعراقيون وسوريون، وكان لهم الفضل الكبير في إحياء مجموعة من ذخائر التراث العربي الإسلامي وكنوزه، غير أنه ما لبث علماء الغرب الإسلامي أن التحقوا بركبهم، قعكفوا على ما لم تصل إليه أيدي المشارقة، وقبلهم أيدي المسنشرقين، بما أوتوا من حيل ومناورات. وظهر من بين أوائل المحققين المغاربة أعلام كبار، نذكر من أوائلهم محمد الفاسي ومحمد بن شريفة ومحمد حجي ومحمد بن تاويت الطنجي وعبد الله كنون وغيرهم.

المحقق عباس أرحيلة واشتراطات التحقيق

إن التحقيق لا يؤسس الخطابات النقدية النظرية، ولا يُدخل القارئ في مسارب تقعيدية مطولة ومسهبة، ويحذلق عليه التصورات بأشكال تعقيدية مركبة ومفدلكة، فالتحقيق وعي نقدي عميق، يتجاوز الإدراك النظري لمختلف جوانب نظرية الأدب، ومتعلقاتها النقدية، إلى إجراءات عملية، تترجم النظريات إلى خطوات وإجراءات وتعكسها من خلال عمليات تنزيلية، تبرهن، وبشكل تطبيقي، على قوة الإدراك النظري، وعمقه ودقته، وشدة إصابته وتركيزه، وصحته وصلاحه.

فالتحقيق يجعل المحقق، الذي هو في درجة أعلى من المنظر الأدبي، والمتعاطي النقدي، في مواقف مختلفة، وتجاه دقائق متنوعة، وحيال إشكالات معقدة، وإزاء أسئلة دقيقة وعميقة، تتطلب إجابات فورية وعملية، منها ما يتعلق بمختلف مجالات الأدب وفنونه، قرآنا وحديثا، شعرا ونثرا، تأليفا وتصنيفا،. أصيلا ووافدا ومترجما، قديما وحديثا، وفي أزمنة مختلفة من عصور ثقافة معينة، أو ثقافات متداخلة ومتلاقحة.

على هذا يجب أن نرسم صورة سيدي عباس أرحيلة، فيما أتاه من تحقيقات، وخلال ما كان له من وقفات مع نصوص، تستحق الإخراج، وتستوجب منه تلك الوقفات والومضات، ليخدم عالِما من علماء هذه الأمة، وإسهاما من إسهامات رجالها، وتأليفا خدم قطاعا من قطاعاتها، وعكس وجها من وجوه عطائها. ويشهد على لمعة فكر قشعوها في سماء المسلمين والإنسانية، ويقدم للقراء لمسة بناء أسندوا بها الحضارة، وحازت الاعتراف والتقدير بحق وجدارة.

آثار عباس أرحيلة في مجال التحقيق

عمل الدكتور عباس أرحيلة على التراث العربي الإسلامي لعشرات السنين، وانكب على مخطوطاته، مدارسة وتتبعا وتقدا وتعليقا، وخلف في ذلك آثارا وكتابات، تشهد على ما كان للرجل من صولات في هذا المضمار، ونال بذلك احترام وتقدير المشتغلين بهذا المجال. وأسهم بتحقيق أعمال، تُعد من الآثار المعتبرة في تراثنا الفكري، النقدي والبلاغي، نذكر منها:

ـ رسالة التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم، أبو أحمد العسكري ـ382ه‍، شتنبر 2006م،

ـ الرسالة العذراء، أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني المعروف بالرياضي الكاتب ـ298ه‍، 1440ه‍/ 2019م؛

ـ التعريف بآداب التأليف، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ـ911ه‍؛

ولا شك أن في جعبة الأستاذ القدير مفاجآت، لم تجد طريقها إلى النور بسبب انشغالاته العديدة، ومشاغله المتعددة، ونأمل من العلي القدير أن يبارك في صحة أستاذنا، وأن يطيل عمره، حتى نرى ما يجود به علمه، ويحطه قلمه، ويثري به الخزانة المغربية.

من أفضال سيدي عباس على التحقيق والمحققين

إن شيخ المحققين المغاربة يؤمن إيمانا قويا برسالته العلمية، ويبذل ما في وسعه، وفوق جهده، ليخدم هذه الثقافة التي آمن بها، وناضل لأجلها، وظل ينافح في سبيلها طيلة مساره الحامعي، ولم يسلمه حتى وهو محال على التقاعد، لأن الإيمان راسخ، وفيئه بادخ.

لكل هذا خدم أستاذنا عباس أرحيلة بتحقيقاته، التي أخرج بها الكتب والنصوص، وتعليقاته التي أنارت سراديب العلم، وأخذت بيد العلماء – خدمة العلم وسدنته – فأنارت هم المدلج، وفكت المدلهم، ونهجت لهم السبل، ودللت لهم المسالك، وذللت لهم الصعاب، ويسرت عليهم الأوعار، وخففت الأعباء.

فأظهر لنا من شخصه جوانب، قل اجتماعها في عليم، إلا إذا استرقق العلم؛ ونذر انحشارها في نقير، إلا إذا اعتكف؛ وعسر انتخالها لدى متفكر إلا إذا احتصف؛ وقل اشتمال نحرير عليها إلا إذا زهد في الدنيا والناس؛ وبَعُد اجتواء ضليع عليها، إلا إذا تخلى عن حقه من متع الحياة، فجفا النوم جفنه، وعفا عن الطعام بطنه. ومما ظهر لنا من شخصه جوانب ومواصفات، ومعالم وتجليات، ومغانم ومكتسبات.

فهو المدرك الحصيف لمختلف أنواع النصوص، المتمكن من مرجعياتها.

وهو العارف المتثبت من نسبة تلك النصوص، لأصحابها، المدرك للخلافات حول نسبها ومتأتاها.

وهو الموثق الدقيق للروايات وأوجهها، المهتضم لصورها وأشكالها، الضابط لدوافعها ومراجعها، المستعرض لتفسيراتها ومعانيها.

وهو العالم البصير، المصوب للنصوص، المسوي لصحتها، المعدل لتحريفها، المصحح لصحيحها، المقوم لتصحيفها.

وهو الخبير باللغة واستعمالاتها، المتمكن من صروف قوالبها وصيغها، وأوجه نصاعتها وطلاقتها، ومعليات فصاحتها ورصانتها، ومنكسات وحشتها وغربتها، ومفسدات تعقيدها وتنافرها.

وهو الفاهم المتفهم لضروب المعاني، ومراتب جودتها، والمميز بين مألوفها وغريبها، ومعتادها ومبتكرها، وسابقها وأسبقها، والملامس منها لشغاف القلب، والمناغم لشفاف الروح، والمداخل لدرجات العقل، والمنبه لخامد الفكر.

وهو المتمثل لاستواء العبارة، وحسن جمالها، واستقامة التراكيب، وحلاوة تواكبها، وترابط أجزاء الكلام، ومتانة تلاصقها، وبما به تشد القارئ إليها، ولا تشرده عنها، وترغبه فيها، ولا ترغبه عنها؛ وتدني صدره إليها، فتحضنه بدفء طراوتها، وتجلي بصره، فتغشيه بجمال حلاوتها.

وهو المدندن بموسيقى اللغة، المنتشي بإيقاع الأصوات، المأخوذ بأوزان الأبيات، المتذوق لأروية السجعات، المتنغم بمقاطع الفقرات، المفتتَن بتقاطيع الفصول، المستحلي لمقاطع الجمل.

وهو المتذوق ذو الحس البلاغي الشفيف، والطبع الجمالي الرهيف، البياني المبين، المنشئ الرصين، البديعي المبدع، المحسِّن الحسن، المعنوي المعين، المحيل على مقتضى الحال، الأسلوبي السَّلِب، المجيز المُستجاز. يُحمد في وجه عبد الحميد، ويتبحر على ابن بحر، ويُفضَّل على الفاضل، ويُؤْثَر على ابن الأثير، ويُصحب فيُعلي عن صحبة الصاحب، ويُعتمَد في حضرة ابن العِماد، شد ثقاف البلاغة، وركب صهوة اليراعة، وملك عنان البراعة، وكان صَناع الصِّناعة.

وهو الخزائني، الذي شد رحلاته إلى دور الكتب، وعمَّر مجالس العلماء النجب، واغتنى بملاقاة أفداد الرجال. وألهاه شم القماطر عن عود المباخر. وفاق عنده لمس الدفاتر تحسس الجواهر.

هو العِلْم في عالم، والعمل في صمت، والأجيال في معلم، والجامعة في أستاذ، والرجال في رجل، والجمع في واحد، والبسط في جد، والتواضع في عز، والوفاء بغير خذل، والكمال من غير تيه، والأخلاق في جسم، والعصمة في بشر.

 

كلمة أخيرة

إنه الأستاذ عباس أرحيلة العالم المحقق، الخبير المدقق، المرجع الموثق، المصحح المرتق، المصنف المدقق، الباحث المعلق، الكاشف المفتق، المجود المعتق، المُحكم المنمق، المتقن المتحذق، المتفنن المرقق،

جزاه الله عنا خير الجزاء، فأفضاله علينا لا تعد، ولا تحصى، وما هذا الجمع اليوم، ولا دعوتنا إلى البحث في مساره، إلا فضل آخر من أفضاله، فبارك الله فيه وله ومنه وعليه، وجعله مباركا أينما كان، ولا أخلانا الله من فضله وبركاته.

ناقد من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجانب المظلم للبطل الحجري (نصوص هايكو) جورج سويد – ترجمة حسني التهامي

نصــــوص من الهايكـــــــــــو ترجمة: حسني التهامي* جورج سويد   نسيمٌ ربيعيٌّ دافئ – كلبُ صيدٍ …

اترك تعليقاً